رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ عدة ليال حضرت ندوة بعنوان: كاتب المقال بين الحرية والمسؤولية، تكرر فيها ترديد مقولة سيدنا عمر لسيدنا عمرو بن العاص "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا" وردت هذه المقولة في الندوة في عدة سياقات مختلفة، كلها ابتعد عن تعريف حقيقة الحرية.
تتعدد تعريفات الحرية بتعدد المتحدثين والمعقبين ولو انك سَألت عن معنى محدد للحرية فستختلف اليك الاجابات باختلاف مشارب المسؤولين، وقد تعرّف الجريمة او التعدي على أنها حرية، فالمثلية الجنسية تعتبر حرية شخصية وهي ليست كذلك وانما هي جريمة تعدٍ على المجتمع وفيها فناء للعائلة، والسخرية من الاديان تعتبر حرية تعبير وهي ليست كذلك وإنما هي شتيمة يعاقب عليها القانون، وسماها القرآن سباً ونهى عنها حتى للأصنام التي تعبد من دون الله فقال "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله".
الخلط في تعريف الحرية يشبه تماما الخلط في تعريف الارهاب او تعريف العدالة او حتى تعريف المال العام، بل ويشبه حتى الخلط في تعريف الحب أو الخلط في تعريف الرومانسية.
هناك مقولة تقول: حريتك تنتهي عند بداية حرية الاخرين، وهذه المقولة خاطئة ولا شك، فالحرية لا تنتهي وليس لها حدود، فاذا قيدت انتفى عنها وصف الحرية، وانما اختلط على قائل هذه المقولة الفرق، فسمى التعدي حرية، فهل انت حر مثلا في مد يديك في جيوب الآخرين؟ بالطبع لا.
أحد مظاهر الحرية الذي لا يحد ولا يقيد هو حرية التعبير، انت حر في تعبيرك حتى في الطعن في الدين (الطعن شيء مختلف عن السب والشتم) وقد طُعن في الدين أمام الرسول صلى الله عليه وسلم ونقلها لنا القرآن فقالوا "إن هذا إلا أساطير الأولين" والشيخ محمد الغزالي رحمه الله كان يقول لا مانع من السماح لأي حزب أو فكرة تحمل أي معتقد، شيوعية كانت او غير شيوعية، شريطة أن تمنحني حرية الرد عليها، فإن لم استطع أن أسحقها فهي أحق مني بالبقاء.
هكذا تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع خصومه، قل فيّ ما شئت لكن امنحني حق الرد، ولهذا السبب لم تصمد حججهم الواهية أمام قوة حجته صلى الله عليه وسلم فأرادوا إسكاته بالقوة "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك" صدق الله العظيم، هكذا حينما تعجز قوة المنطق يأتي منطق القوة، وبمنطق القوة لا جدال في أن الثور أقوى من الإنسان، فحجب الرأي أو الرأي الآخر هو منطق قوة تستخدمه سلطة أو جهة أو حتى مؤسسة إعلامية، وهو منطق حيواني لا يصمد طويلا.
إذاً الحرية لا تقف عند حد ولا تقيد بشرط وهي شيء مختلف تماما عن التعدي وعن الجريمة التي سميت ظلما بالحريات الشخصية أو بالحريات التعبيرية. تعريف الحرية ببساطة هو عكس العبودية وهي شعور وليست حالة ظاهرة، أي أنه يمكن ان يشعر الانسان انه حر وهو في ظاهره عبد، كسيدنا بلال مثلا، والعكس صحيح، ويشعر انه حر وهو مقيد وراء قضبان كابن تيمية رحمه الله حينما قال "ما يفعل اعدائي بي؛ جنتي في صدري، وسجني خلوة ونفيي سياحة وقتلي شهادة"، وهناك أبيات رائعة للشيخ القرضاوي حول هذا المعنى يقول:
ضع في يدي القيد ألهب أضلعي
بالسوط ضع عنقي على السكين
ِلن تستطيع حصار فكري ساعة
أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلبي في يدي
ربي وربي ناصري ومعيني
وإذا سلمنا بأن تعريف الحرية هو عكس العبودية فإذاً يلزمنا بداءةً تعريف ماهية العبودية.
من خلال سياق القصة التي دفعت سيدنا عمر لقوله، وبكل عفوية، عبارته الشهيرة "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا؟!" يستجلي بكل وضوح تعريف العبودية، فقد روي أنه حينما سبقت فرس القبطي فرس ابن سيدنا عمرو بن العاص اعتلاه بالسوط وقال: اتسبقني وأنا ابن الأكرمين؟! (وهو فعلا ابن أكرمين، لكن هذا لا يتيح له التسلط) ذلك القبطي لم يكن عبدا مملوكا لابن سيدنا عمرو، ولم يصفه ابن سيدنا عمرو بأنه عبده مملوكه، فلماذا إذاً قال سيدنا عمر "متى استعبدتم الناس"؟
والجواب هو أن الفعل وهو التسلط كان بمثابة جوهر الاستعباد، ولأن القبطي حرّ، ادرك هذا المعنى ولم يرض به، رفع مظلمته لسيدنا عمر وتكبد مشقة السفر من مصر إلى المدينة لأنه أيقن أن هناك حرّا سينصفه (على فكرة، نادي السباق والفروسية عندنا يكرر نفس هذه الحادثة باستمرار لكن بصورة مختلفة، وهناك مجموعة عبيد قائمون على ذلك)
الاستعباد هو التجاوزات على الناس ماديا او معنويا فقط لانك (ابن الأكرمين) أو لأي نوع من انواع الطبقية الاجتماعية التي تسوغ لك هذا التجاوز، والحر هو من لا يقبل بهذه التجاوزات وان لم يغير الواقع، وقد قالت العرب قديما "الحر حر وإن مسه الضر" أما العبد فهو من يقبل راضيا بهذه التجاوزات.
اتابع بعض المرشحين الكويتيين من انصار الشيخ ناصر المحمد، قال هذا المرشح وهو يفند ادعاء خصوم الشيخ بنهب المال العام والذين عرضوا صوراً لمجموعة من السيارات الفارهة تخص الشيخ ناصر، قال "هو شيخ وابوه شيخ ومن حقة ومهوب غريبة تكون عنده هذي السيارات" انتهى، فإن كان هذا هو السبب الوحيد لامتياز حصوله على هذه السيارات فقد لخص هذا المرشح معنى الاستعباد وهو التجاوز كنتيجة طبقية لا غير، وهذا المرشح ينطبق عليه حقيقة العبد لأنه قبل راضيا بهذا التجاوز.
قد نتحدث في كثير من الامثلة الواقعية في مجتمعنا القطري لنفرق فيها بين الحرية والاستعباد، لكن المثال الحي الذي لا يمكن تجاهله هذه الايام هو تجاوز واستبداد طيران القطرية من خلال دخول الدولة كشريك مع مجموعة هؤلاء الشركاء واستبداد الشركة بالمطار والشحن واحتكار الملاحة الجوية ورفعها لسياط الاسعار على المواطن وسياط انتهاك حرمة الدين وانتهاك مشاعر الوطن وبنود الدستور بترويجها للمحرمات، كل ذلك يعتبر نوعا من استعباد المواطن حسب تعريف سيدنا عمر والذي اصطلحت عليه الأمم المتحدة في دستورها كأول بند في بنود حقوق الإنسان، ورفض استبداد القطرية هذا هو شعور حر داخلي للمواطن تمثل في مقاطعتها تماما كشعور ذلك القبطي الحر الذي رفض ان يكون عبداً لابن الأكرمين.
بعيدا عن القطرية، وبعيدا عن كل التعريفات الرنانة لمعنى الحرية، أسقط هذا المقياس في تعريف الحرية على واقعك وسيتضح لك تماماً معنى كلمة الحرية في الندوة المعنونة "كاتب المقال بين الحرية والمسؤولية" وماهية الحرية المفترض ان تمنح لكتاب المقالات، وستختبر أيضا أي حديث منمق عن الحرية في المجتمع، ومن خلال هذا المقياس ستعرف أيضا هل أنت حر أم انك عبد تساق.
Twitter: @lahdane
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11622
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8634
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026