رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
موجات التسونامي الشعبية المصرية الثلاث مازالت تتكشف آثارها تباعا، وبدلا من أن تغرق الأرض، تحرثها، عل تعرضها للشمس يخرج ما كمن قي جوف العقل المصري من ديدان وآفات أنتجتها الثلاثون شهرا الماضية.
سؤال شكسبير الشهير "أكون أو لا أكون"، هو ذاته تلك الأسئلة الثلاث التي طرحها حكيم الخارجية المصرية الدكتور محمود فوزي أول سبعينات القرن الماضي، ونقلها عنه الأستاذ محمد حسنين هيكل، في توصيف للحالة المصرية زمن اللا حرب واللا سلم، حيث قال الرجل بأن مشكلاتنا ثلاث:
1. أننا نبدو كرجل أراد أن يغيظ وجهه فقطع أنفه.
2. ما الذي يجدينا أن نضع رأسنا على كتف العالم ونجهش بالبكاء على حق ضائع؟
3. أليس من الضروري أن تكون هناك نسبة بين أحجام الرجال وأحجام المشاكل.
هي ذات الأسئلة نطرح نفسها أمامنا الآن، حيث تتراوح المواقف في مصر من جراء صدمات الحقائق المتتابعة والتي لا تعصف بنظام حكم أو جماعة بل تأخذ أيضا بنواصي أشخاص وتنظيمات ومجمل الحياة السياسية.
تبدو جماعة الإخوان وقد أخذت بالخيار شمشون، تهدم المعبد على رأس الجميع، تدعو للعنف وتمارسه وتصل إلى حد قتل وتعذيب مواطنين ـ حتى الصبية والنساء ــ لا علاقة لهم بسلطة غير عابئة بحرمة الدم، ولا تدرك ما وصلت إليه علاقتها بالمجتمع من عزلة وتنامي الرفض لها ككيان ولأعضائها كأشخاص، وتذهب إلى الدعوة للتدخل الأجنبي لإنقاذها، وكأن لسان حالها يقول إن كنت لم أستطع أن أقوض الدولة في مصر، فلتأتي أمريكا لتقوضها، وأيضا غير عابئة أن هذه الدعوة تعد في الضمير الوطني المصري خيانة، وقد يمكن تجاوز الدم بين أبناء الوطن الواحد ولكن لا يمكن تجاوز وصمة الخيانة، وهي بذلك تحرق الأرض بينها وبين وطن وشعب هما بيئة وجودها وكأنها وافد أجنبي على الأرض والناس.
ووقعت الجماعة ضحية حالة الإنكار لما حدث وعدم القدرة على استيعاب حقيقة أن الشعب خرج بثلاث موجات تحدث خلال 26 يوما لأول مرة في تاريخ الإنسانية بهذه الأعداد، وهذا الوضوح والإجماع الشعبيين في مطلب إزاحتهم عن السلطة، وبحالة من السلمية لا تتناسب وحجم الأعداد والتكدس والاستمرار.
ورغم كل ذلك فإن حالة من عدم التصديق وما يشبه الشفقة أصابت بعضا من العناصر خارج التيار الديني، فهي لا تريد الدم ولا تقبل به، وهي في الوقت ذاته عاجزة عن تجاوزه، فلم يعد أمامها غير أن تنضم بما تقول به إلى جانب التيارات الدينية، وكأن حالة فقدان التوازن، وعدم القدرة على استيعاب أبعاد الخطر، قد شملتهم، خاصة بعد مواجهة حدثت كانت الشرطة طرفا فيها، وبلغ عدد ضحاياها ما يزيد عن 70 شخصا، وعندما تصبح الشرطة طرفا، يستدعي الكثيرون حالات المواجهة السابقة، وصارت الكلمات تجري على الألسن حاملة شكل القيم، وفي حقيقتها تحمل شبهة التردد وعجز الإدراك.
الدم حرام، حقيقة، وسواء، نعم. والوطن.... ماذا عنه؟.
الشعوب تقدم أرواحها فداء لحرية أوطانها واستقلال أراضيها، ولكنها لا تفرط في أوطانها حفاظا على دمها.
الجيوش الوطنية ليست مستأجرة لمهمة الدفاع عن الأوطان، ولكنها طليعة مسلحة للشعوب دفاعا عن حرية الأوطان.
هنا خط واحد وفقط لا يمكن تجاوزه، وهو بقاء الوطن ووحدة أراضيه واستقلاله، الدم له والفداء له والجيوش له والكلام له، أما أن يجري التفتيت والتوزيع والتقسيم حسب الأهواء، فهذا بالقطع دلالة غياب العقل والإدراك والإرادة.
السؤال الآن إلى أين من هنا؟ هل هناك خطوات قدرية لا فكاك منها؟ أم أننا نملك أن نختار؟.
لا أكون متشائما بقول إننا لا نقفز إلى مجهول أسود، ولكن حتى نعبر ما نحن فيه مازال أمامنا مسار طويل، ومرير، ويحتاج إلى رجال بأحجام الحوادث.
رسخ في خيال الساسة أن الحياة السياسية طريق المغانم وليس طريق المسؤولية، وكأننا في حاجة إلى ثورة "ثقافية" على غرار ما حدث في الصين، لنعيد مفهوم العمل العام على أنه مسؤولية، لا هو طريق للثراء والوجاهة الاجتماعية، ولا أن من يتولاه هو عرضة للدهس بالأقدام، ثورة داخل الثورة هو ما نحتاج.
فكما أن الحديث عن الحروب ليس كخوض الحروب، فالكلام عن الحقوق والمهام ليس كالتصدي لها.
أعادت الحركة الشعبية تشكيل الواقع في مصر، رفضت حكم الإخوان والرئيس، ولم تكن ترغب في إقصائهم، ولكنهم حملوا السلاح ومشروع القتل إلى الشعب، فصار حديث عدم الإقصاء نوع من المثالية المفرطة.
وهنا تبدو المبادرات التي لا تعترف بما جرى في الواقع نوعا من أحلام اليقظة، كما أن الإبادة بالدم كابوس لا يتحمله وطن ولا يطيقه، يرفضه نعم، فهل بلغ الصدق برجال فيه أن يتجنبوه؟.
ليس هناك طريق للحل بدون تضحيات، ومصائر الشعوب لا تتقرر بالتمني أو بالبلطجة، ولكن بالحقائق التي تتشكل فوق الأرض، بعيدا عن أحلام اليقظة أو كابوس الدم، ووسط ذلك كله يجب الإمساك بالتالي:
1. لقد استردت مصر بثورة يونيو دينها وولايتها على أمرها.
2. إن ما تدور وقائعه في مصر الآن هو استرداد للثورة، وهو يعني بالقطع التمسك بأهداف الثورة، والوعي بمهام المرحلة الانتقالية.
3. أن اللحمة بين الشعب والجيش، واسترداد مؤسسات الدولة هي معامل رئيسي لضمان أمن الوطن القومي.
4. إن المعركة ضد الإرهاب هي معركة الحياة للأمة.
5. إن ثورتي يناير ويونيو أسقطتا نظامي استبداد وفساد، وان التعايش مع عناصر الاستبداد والفساد هو أمر سيجعل الشعب يدفع الثمن مرات متكررة، فتحقيق التطهير من عناصر الاستبداد والفساد ضرورة لبناء المستقبل.
6. الالتزام بحل كافة التشكيلات التي حملت السلاح ضد الشعب، دينية كانت أو سياسية، وأن جماعة الإخوان يجب حلها وحسابها على كافة ما جرى خلال الثلاثين شهرا الماضية.
7. أن تظل الذاكرة الوطنية في حالة يقظة لما جري خلال الثلاثين شهرا الماضية، وألا تفقد القدرة على تحديد من المسؤول ومدى مسؤوليته.
8. أن الدستور والقانون هما سبيل العدل والحقوق في دولة الثورة.
أن هذه المحددات ضمانة عدم الانحراف عن الطريق أو الانسياق إلى معارك فرعية حول حرمة الدم والمصالحة والإقصاء، وأن الحمائم ليس في مواجهتهم صقور، ولكن في مواجهتهم حق وطن في الحياة وأمنه القومي.
قال صديقي إن أمه الفلاحة المسنة (85 عاما)، ولها حفيدان بالكليات العسكرية، بعد أن استمعت إلى خطاب وزير الدفاع، أمرت أبناءها وأحفادها بالخروج وهي معهم، وعندما عاتبها ابنها أنت مش خافيه يا أمي يحصل لك حاجة، فأجابته وهي التي عانت من دفع ضريبة اعتقاله المتكرر بسبب العمل السياسي، أنا عشت عمري خايفة عليك إنك تموت.
ما تواجهه مصر ليس خلافا سياسيا، ولكنها حالة احتراب واستقواء بالخارج، وبقدر ما أسقط خروج الشعب المصري النظام والجماعة وأتباعهم وحوارييهم، فإن حركة الشعب كشفت لمصر وللعالم العلاقة بين الإرهاب وأمريكا، وكشفت مدى كره الشعب المصري للأداء الأمريكي الذي لا يعنيه على الإطلاق غير مصالحه، وتبنيه لجماعة الإخوان وتمويلها ومشاركته في حملة التشويه الإعلامي لحركة الشعب في يونيو.
الإرهاب في سيناء هو ذاته ما يحدث في رابعة العدوية وميدان النهضة، والفصل بينهما نوع خداع الشعب، ففي كل هذه الأماكن هم يحملون السلاح ويقتلون ويغتالون، ولا يعنيهم دين أو وطن أو شعب، والاعتقاد أن مواجهتهم بالحوار ستؤتي نتائجها، هو نوع من التنصل من مسؤولية الدفاع عن الآمنين، نعم سنتألم، وسنمضغ العلقم، ولكن هي لحظات في تاريخ الأمة لا تقبل ازدواجية المعايير.
الخيار شمشون هو خيارهم، ولم يدفع بهم أحد إلى الانتحار، ولكن حق الشعوب في الدفاع عن النفس والأرض والعرض، هو حق لا فصال فيه، فما الذي تحمله الأيام القادمة، قد تحمل أي شيء إلا أنها لن تحمل تراجع عن الثورة وأهدافها.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6258
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5295
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026