رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

429

سعدية مفرح

.. فاطمئن!

30 يونيو 2025 , 05:28ص

في لحظة ما من العمر، وأنت تنظر إلى ما تبقى منك بعد خيبة موجعة أو فقدٍ قاسٍ أو بابٍ أُوصد في وجهك، قد تتمتم بغير وعي: لماذا أنا؟ لماذا الآن؟ لماذا هكذا؟ أسئلة تتدافع في روحك، لا تنتظر إجابة بقدر ما تبحث عن كتفٍ يستوعب ثقلها، عن حضنٍ لغضبك الصامت، عن معنى ينقذك من الغرق في اللاجدوى. هناك، تحديداً في قلب هذا الارتباك الوجودي، تأتي تلك الآية كأنها نُطقت خصيصاً لك: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}. ليست مجرد آية تتلى، بل ضوء خافت في آخر نفق طويل، يدٌ رفيقة تمسح على روحك المرتجفة، صوت هادئ يقول: «تمهّل… ثمة خير لم تره بعد». 

هذه الآية ليست خطاباً دينياً بارداً، ولا درساً في الصبر يُلقَى من أعلى برج عاجي. إنها الحبل الذي يتدلى إليك حين تكون على وشك السقوط، الكلمة التي تفهمك حين تعجز عن التعبير، البلسم الذي لا يدّعي إزالة الألم، لكنه يعلّمك كيف تعيش معه من دون أن تنكسر. 

هي آية تربّت على شعورك بالنقص لا لتزيده، بل لتقول لك إنك كامل بما تعيشه، قوي بما تتجاوزه، إنسان بما تشعر به. تتسلل إليك وأنت تظن أنك أصبحت شفافًا، لا يُراك أحد. وإذا بها تُنطَق في لحظة ما على لسان شخص لا تعرفه، أو تظهر أمامك في مصحف فتحته عشوائيًا، أو تمر في أذنك من مقطع عابر، فتخترقك...

كم مرة كرهنا أشياء وقلنا: «لو أن هذا لم يحدث، لكنت بخير»؟ ثم مرت الأيام، وكشف الزمن عكس ما ظننا. كم مرة رأينا الرفض خيبة، ثم تبين أنه نجاة؟ كم مرة حسبنا الفقد موتاً، ثم وجدنا فيه بعثًا جديداً لذواتنا؟ 

نحن لا نعرف. لا نملك خارطة الطريق، ولا نُدرك المغزى في لحظته. نعيش التفاصيل بينما يُرتب القدر الصورة كاملة، ونحن نغرق في الظن، بينما الحقيقة تُصاغ بعيدًا عن مدركاتنا.

والجميل في الآية أنها لا تعدك فقط بأن ما تكرهه فيه خير، بل تفتح لك بابًا لتوسيع نظرتك للحياة كلها. تذكّرك بأن الخير لا يشبه دائمًا ما نتمناه. أنه أحيانًا يتخفى في هيئة ألم، أو شتات، أو خسارة. وكأنها دعوة أن تكون مرنًا مع الحياة، أن لا تجعل تصوراتك الضيقة عن الخير هي المعيار الوحيد للحكم. فربّما، في لحظة ما، يصبح ما كنت تظنه خرابًا، هو البذرة التي نمت فيها أعظم ملامح نضجك.

أحيانًا لا يكون الألم في ما نعيشه فقط، بل في عجزنا عن تغييره، في شعورنا بالضعف أمامه، في عدم قدرتنا على مقاومة التيار. نشعر وكأننا أقل من أن نواجه كل هذا الثقل، وكلما أوشكنا أن نبوح، خاننا الصوت. وكلما حاولنا أن نشرح، استعصى علينا التعبير. وهنا، تصبح هذه الآية نوعاً من الفهم العميق الذي لا يحتاج إلى كلام، تقول لك: لست وحدك. لا مشاعرك خطأ، ولا ضعفك عار، ولا عجزك نهاية. كل هذا مفهوم، وكل هذا يمكن أن يحمل في طياته ما لا تراه الآن.

قد لا يتغير شيء بعد أن تسمع الآية. لن تختفي الأحزان فجأة، ولن تُمحى الخسارات من ذاكرتك. لكنّ شيئًا داخلك سيتبدّل. ستشعر بأن ما تعيشه له معنى، وإن كان غامضًا الآن. ستبدأ بالنظر لما يحدث لك بطريقة مختلفة، كأنك تقف قليلاً خارج المشهد، وتقول: «ربّما ما أظنه كُرهاً ليس إلا غطاءً لشيء أكبر». ومع الوقت، ستدرك أن أعظم مراحل التغيير فيك لم تحدث وأنت منتصر، بل وأنت محطم، تنزف، وتعيد بناء نفسك من الصفر.

هذه الآية لا تطلب منك أن تتوقف عن الشعور، ولا أن تبتسم رغم الألم، ولا أن تصطنع الرضا. هي فقط تمنحك مساحة لأن تكون كما أنت، وتذكّرك بأن لكل لحظة معنى، حتى وإن لم تفهمه بعد. تقول لك ببساطة: كل ما يحدث لك الآن، يحمل في طياته ما سيحدث لك لاحقًا… فاطمئن.

اقرأ المزيد

alsharq خيمة على حافة العاصفة

ذات ليلة غبراء، دويُّ الرعد يحاصرني، ووميض البرق يلاحقني، يخترق مسامات خيمتي الصغيرة يجتز أواصرها، ويهدد أركانها. تهتز... اقرأ المزيد

93

| 27 مارس 2026

alsharq حياة مؤجلة إلى إشعارٍ آخر

في مكانٍ غير مرئي داخل كل واحدٍ منا، توجد غرفة انتظار واسعة، مقاعدها مصفوفة بعناية، وساعتها لا تُصدر... اقرأ المزيد

147

| 27 مارس 2026

alsharq يا أهل قطر.. «لن تراعوا»

أمام أمواج الاضطرابات التي يموج بها عالمنا اليوم، ما الذي يجعل بلداً كقطر يواجه التحديات بقلبٍ مطمئن ويقين... اقرأ المزيد

183

| 27 مارس 2026

مساحة إعلانية