رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سعدية مفرح

كاتبة كويتية

مساحة إعلانية

مقالات

279

سعدية مفرح

طمأنينة التراويح بعد غياب!

09 مارس 2026 , 01:00ص

لم يكن الغياب طويلاً في حساب الزمن، أسبوع واحد فحسب، غير أنّه بدا في القلب أطول بكثير. كأنّ الأيام الرمضانية التي مضت من دون صلاة التراويح في المساجد كانت تمتدّ ببطء، وتترك في الروح فراغاً خفيفاً لكنه محسوس، فراغاً يشبه مقعداً اعتدنا الجلوس عليه كل ليلة ثم وجدناه فجأة خالياً.

السبب كان أمنياً محضاً، والصواريخ التي تتبادلها الحروب في سماء المنطقة لا تعبأ بتفاصيل الحياة الصغيرة التي يعيشها الناس. ومع ذلك فإن تلك التفاصيل الصغيرة هي ما يصنع الطمأنينة اليومية. فالمرء حين يسمع أخبار الحرب من بعيد يتخيّل الدمار والخراب، غير أنّه قلّما ينتبه إلى تلك الأشياء البسيطة التي تتعطّل فجأة؛ صلاة جماعة، طريق يختصر المسافة إلى المسجد، باب يفتح بعد الإفطار فتخرج منه العائلات نحو نور المآذن.

لهذا بدا الأسبوع الماضي كأنه تجربة صغيرة في الفقد. لم يكن أحد يتحدث عن الأمر بوصفه خسارة كبرى، فالحمد لله أن الخطر لم يصل إلينا، غير أن القلب يعرف طريقه إلى المقارنات الدقيقة. حين يغيب أمر اعتدناه، ندرك كم كان جزءاً من إيقاع أيامنا.

في ليالي رمضان الماضية اعتاد الناس أن يتدفّقوا بعد صلاة العشاء نحو المساجد، يحملون هدوءهم وأدعيتهم وأحلامهم الصغيرة. وجوه يعرف بعضها بعضاً، وأخرى تلتقي من غير موعد ثم تتبادل ابتسامة عابرة. الصفوف تمتدّ بهدوء، وصوت الإمام ينساب في المكان، فيشعر المرء أن الليل نفسه يلين قليلاً.

ثم توقّف ذلك فجأة.

المساجد بقيت صامتة بعد العشاء، والمصلّون أدّوا التراويح في بيوتهم، وكل شيء جرى بسلام. ومع ذلك بقي شعور خفيّ يمرّ في القلب كل مساء: شيء من النقص الذي لا يُرى بسهولة لكنه يُحسّ بوضوح.

فالعبادات الجماعية لا تمنح المرء ثوابها وحسب، بل تمنحه أيضاً شعور الانتماء إلى نسيج بشريّ واسع، شعور أن الدعاء حين يرتفع من عشرات القلوب في وقت واحد يخلق حول المكان هالة من السكينة. ولهذا حين تُسحب هذه اللحظة من الحياة اليومية يشعر المرء أن الليل فقد شيئاً من معناه.

وفي الليلة التي أُعلن فيها عن عودة الصلاة في المساجد في الكويت، بدا الأمر بسيطاً في ظاهره، كأنه استئناف لعادة عادية. غير أنّ الطريق إلى مسجد منطقتنا، «مسجد عامر بن شرحبيل الشعبي» في الجهراء، كان يحمل نبرة مختلفة. المصلّون يسيرون بخطوات هادئة، وكل واحد منهم يعرف في داخله أن هذه الخطوات نفسها نعمة.

الأبواب التي فُتحت، والسجاد الذي عاد يستقبل الصفوف، والأذان الذي يعلو في المئذنة، كل ذلك بدا مألوفاً جداً، ومع ذلك كان مشبعاً بإحساس جديد. كأنّ المرء يرى المشهد ذاته بعين أخرى. فالنعمة حين تحضر باستمرار قد تمرّ من أمامنا في صمت، أما حين تغيب قليلاً فإنها تعود إلينا مضيئة.

وقف المصلون والمصليات، كل في القسم الخاص به، في الصفوف، ثم تتابعت الصفوف خلفهم، وانطلق صوت الإمام يقرأ القرآن في هدوء. عند تلك اللحظة شعر كثيرون بأنهم يستعيدون جزءاً من حياتهم اليومية، جزءاً لم ينتبهوا إلى قيمته إلا حين ابتعد عنهم قليلاً.

هكذا تذكّرنا أن الطمأنينة ليست مفهوماً كبيراً فحسب، بل هي أيضاً تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم: باب مسجد مفتوح، ومصافحة بعد الصلاة، وهدوء يسكن القلب وهو ينصت إلى آيات تتردد في ليل رمضان.

والمرء يعيش بين هذه النعم في الغالب من غير أن يلتفت إليها طويلاً. فالحياة تمضي بسرعة، والعادات اليومية تتحوّل إلى ما يشبه الخلفية الصامتة لأيامنا. غير أنّ تجربة قصيرة كهذه تعيد ترتيب الإحساس بالأشياء. أسبوع واحد كان كافياً لكي ندرك كم أن الطريق إلى المسجد جزء من سلامنا الداخلي.

وحين انتهت الصلاة في تلك الليلة، خرج الناس بهدوء كما اعتادوا، غير أنّ وجوههم، كما شعرت، كانت تحمل ابتسامة خفيفة، ابتسامة من يعرف أنه استعاد شيئاً عزيزاً كان قريباً جداً منه.

وربما كان الدرس الأجمل في هذه الأيام القليلة أن النعم لا تحتاج دائماً إلى غياب طويل لكي نتعلّم رؤيتها، يكفي أحياناً أن تبتعد خطوة واحدة، ثم تعود، فنستقبلها بقلب أكثر يقظة. الحمدلله.

مساحة إعلانية