رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على بورسعيد مسحة من حزن تجعل السائر في شوارعها يستشعر فرقا موجعا بين الشوارع الفرحانة زمان والشوارع الواجمة الآن، اتجول في شوارع المدينة أرى كسادا ملحوظا وصدورا ضاقت بانتظار الفرج، الغلاء مسعور بشكل ما كان يوما، والأعصاب تستثار لأتفه الأسباب، لا بيع ولا شراء، أصبحت (بورسعيد) بور حزين كما قال أبو العربي، الحزن يمشي مع الناس في الطرقات وقد ضاقت سبل العيش وضاع الأمان، وسادت البلطجة في بلد كان يهرب الناس اليه يلتمسون هجعة راحة وأمان، تبدد كل جميل ليمشي مع السائرين حزنهم، وقد عجزت أياد كثيرة عن كسب قوت يومها.
سريعا تركت بورسعيد، المدينة الحزينة الى القاهرة، في الطريق لم تخطئ عيني كم البنايات المخالفة التي اغتالت المساحة الخضراء، زمان كانوا يبنون خلسة دورا أرضيا في قلب الزراعات لا تكاد العين تراه، ما رأيته كانت عمارات عالية على طول الشريط المزروع، وكأنها فجأه ارتفعت كنبت شيطاني أثناء الفوضى العارمة التي شغلت البلاد والعباد في أجرأ حالة بلطجة مارسها الفساد على الأرض، ولتخسر مصر ثلاثة أفدنة كل ساعة من أخصب الأراضي الزراعية التي لا يمكن أن تعوض.
أخذت طريقي الى (ميدان التحرير) مع صديقة تراجع للحصول على الجنسية لأبنائها، في الطريق ركضت الذاكرة بالشريط المأساوي الذي مر بنا خلال الثورة، حيث شحنت نفوسنا بصور القسوة التي عاملت بها فصائل من الشرطة الشعب الموجوع، خاصة عربات دهس المتظاهرين وقناصة الأسطح، وقناص العيون الذي أشعل نار الغضب في قلوب المصريين فجعلهم حانقين على أجهزة الشرطة كلها دون فصل.
وكرهنا الشرطة كلها دون تمييز، وناصبناها العداء ايضا دون تمييز، وكتبنا نكيل لهم اللوم والتقريع، وأوقع الشعب هيبة الشرطة مع سبق الاصرار والترصد، ورفضنا المصالحة أو مجرد الاقتراب من المسامحة لان بيننا وبين أجهزة الشرطة دم أبنائنا! الشريط يركض والسائق يركض بنا، في سهو منه دخل في شارع خطأ فحاول استدراك الأمر بأن عاد عكس السير ليتمكن من تصحيح وضعه، نهرته قائلة (كده غلط ممكن تضربنا سيارة مسرعة أو تخالفك أي سيارة شرطة خلي بالك)، اذهلني ان يرد بمنتهى اللامبالاة (شرطة مين، الشرطة تخلي بالها من نفسها)، أدركت لحظتها ان الشارع هو من يقوم بالفوضى ويستخف بالقانون، ويستحق أيضا العقاب!
المهم تنفسنا الصعداء بنزولنا من التاكسي، وكان علينا ان نمشي مسافة لنصل الى (مجمع التحرير)، طالعتنا خيم كثيرة أشكال وألوان، وشعارات أكثر لمؤيدي الشيخ (حازم أبو اسماعيل) الذي قال لهم انفضوا فلم ينفضوا ليمتلئ مدخل التحرير بزحام يعرقل مهمة الداخلين الى المجمع. أما ذهولي فكان لما رأيت على الصفين مفروشا ومعلقا، كل ما يتصوره المتسوقون موجود، ورق عنب، بط، بتي فور، كعك، كبيبه شامي، فراخ متبلة، (مونبار) وكمان سمك، وكل المعروض مغلف في أطباق ومرصوص على الارض وأمامه شابة تنادي على المارة وتقنعهم بأن المعروض (عمايل بيتي)، غير الأكل لعب وملابس أطفال، قمصان نوم، بلوزات، تشرتات، (نصبة شاي)، ووسط كل هذا المولد بياع العرقسوس يضرب صاجاته ويلعلع بصوته الجهوري (اشرب السائع).
تمهلت أفحص الوجه الآخر للثورة وحالة (السبوبة) لبائعين يريدونها (والعة) دائما فمن جمهور التحرير يسترزقون. مين يكسب مش مهم، الاهم أن تباع معروضاتهم، وفي هذا الزحام رجال محترمون يلعنون ويسبون المتجمهرين الذين يعطلون سيرهم الى مبتغاهم بينما الشرطة تفحص حقائب السيدات الداخلات الى مبنى المجمع، انتهينا من التفتيش، بعد السؤال وصلنا الى المكتب المختص لتسأل صديقتي لماذا تأخر ابنها في الحصول على الجنسية رغم ان اخوته حصلوا عليها، هناك كان يجلس برتبته اللافتة ومكتبه المتواضع، جلست الاحظه وفي مخيلتي كل ما يوجعني من جهاز الشرطة وناسه، كان وجهه يخاصم الجهامة والجمود المعتاد بابتسامة خفيفة يرد على التحية ويوجه السائل الى مبتغاه، كثيرون كانت مشاكلهم عويصة كان يحاول بصبر لافت افهام السائل ما الذي عليه فعله ليسهل الأمر عليه، في ذات الوقت تتوافد موظفات شباك المراجعة ليسألنه ماذا يفعلن في أوراق ناقصة، أو معلومات مطلوبة، لم يكن يعسر كان ييسر على الناس ويحاول قدر امكانه المساعدة بغية التخفيف عن المراجعين، لم الحظ أنه فرق بين المرسل اليه من اللواء فلان الفلاني وبين الداخل اليه من الغلابة الذين ليس لهم لا لواء ولا حتى عسكري، وبين فترة وأخرى وكلما خفف عن عجوز او مسن أو جاهل، ارتفع له دعاء يقشعر له البدن من فرط صدقه، وطوال جلستي عنده لم الحظ تبرمه، أو ضيقه، لم ألحظ تكشيرته أو تذمره، كان يتابع عمله دون تأفف من انهمار المراجعين بنفس الأسئلة بل باتساع صدر ملحوظ، وبابتسامة راضية، خرجت وصديقتي من مكتبه وقد غسل برحمته، ولطفه، وصبره، كثيرا من حنقي وضيقي من شريط الثورة الدامي، حقيقة استشعرت امانا كنت أحسه مهاجرا، احسست انني كنت أمام رجل من رجال الشرطة الذين يحبون هذا الوطن بكل ما في قلوبهم من صدق، وكل ما في وجدانهم من اخلاص، وكل ما في نفوسهم من انتماء، تركت مجمع التحرير، بضجيجه، كما تركت خلفي صراخ بائعي البيض، والسميط، والبطاطا، والترمس، واللب، المنتشرين في الميدان وبذاكرتي علقت صورة رجل طيب يحمل رتبة كبيرة وقلبا اكبر، اسمه (محمد شاكر) شكر الله له.
* طبقات فوق الهمس
* تحية باسقة واجبة لكل ضباط الشرطة والجنود الذين يتوالى استشهادهم كل يوم خلال اكمنة القبض على البلطجية والخارجين على القانون لضبط الأمن.
* عندما تنفرد بلقب (جرئ في الحق) تستحق تحية باسقة.
*هناك دائما بشر يجعلوننا نؤمن بأننا الذين نعطي الاحلام لونها، والدنيا فصولها، والطقس جماله، والربيع بهجته، الغريب انك قد تفتقد هؤلاء البشر عمرا طويلا ثم صدفة على قارعة شارع الحياة تلتقيهم.
* اذا كنت تجيد قراءة أحزان من حولك عبثا تستطيع أن تشعر بالفرح!
* قادة شعوب (الخريف العربي) سرقوا قدرة الناس حتى على الفرح!
* الذين يتصارعون على الكراسي اشبه بقنافد تمد أشواكها في كل اتجاه لتدمي الآخر حتى ما عاد مكان دون وخز. السؤال..هل يفكر الفائز بالكرسي ماذا سيقدم لوطن جريح ينزف أم أن الأمر والغاية كانت الكرسي.
*عندما زار فضيلة المفتي علي جمعة القدس قابله رجل قال له اليهود يريدون شراء دكاني الصغير الملاصق للحرم بثلاثة ملايين دولار وقد رفضت رغم اني لا أجد قوت أسرتي. هذه قصة قصيرة جدا لمن زعموا ان الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود!
تحالفات جديدة في شرق أوسط متغير
ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه التحولات الأخيرة في المنطقة ليس: من هو التحالف الجديد؟ أو من سينضم... اقرأ المزيد
63
| 10 أغسطس 2026
المسيّرات إذ تعيد رسم مستقبل القوة العسكرية
يشهد مفهوم القوة العسكرية تحولاً تاريخياً؛ فقوة الجيوش لم تعد تُقاس فقط بحجم الأساطيل أو الترسانات التقليدية، بل... اقرأ المزيد
57
| 10 أغسطس 2026
تجليّات الحُسن المخبوء !
من أجمل الإدراكات والتجارب التي يستخلص منها الإنسان صفو المعرفة، أن يعي أنه كلما تماثلت نفس المرء للتعافي،... اقرأ المزيد
45
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4881
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1410
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
987
| 06 أغسطس 2026