رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على بورسعيد مسحة من حزن تجعل السائر في شوارعها يستشعر فرقا موجعا بين الشوارع الفرحانة زمان والشوارع الواجمة الآن، اتجول في شوارع المدينة أرى كسادا ملحوظا وصدورا ضاقت بانتظار الفرج، الغلاء مسعور بشكل ما كان يوما، والأعصاب تستثار لأتفه الأسباب، لا بيع ولا شراء، أصبحت (بورسعيد) بور حزين كما قال أبو العربي، الحزن يمشي مع الناس في الطرقات وقد ضاقت سبل العيش وضاع الأمان، وسادت البلطجة في بلد كان يهرب الناس اليه يلتمسون هجعة راحة وأمان، تبدد كل جميل ليمشي مع السائرين حزنهم، وقد عجزت أياد كثيرة عن كسب قوت يومها.
سريعا تركت بورسعيد، المدينة الحزينة الى القاهرة، في الطريق لم تخطئ عيني كم البنايات المخالفة التي اغتالت المساحة الخضراء، زمان كانوا يبنون خلسة دورا أرضيا في قلب الزراعات لا تكاد العين تراه، ما رأيته كانت عمارات عالية على طول الشريط المزروع، وكأنها فجأه ارتفعت كنبت شيطاني أثناء الفوضى العارمة التي شغلت البلاد والعباد في أجرأ حالة بلطجة مارسها الفساد على الأرض، ولتخسر مصر ثلاثة أفدنة كل ساعة من أخصب الأراضي الزراعية التي لا يمكن أن تعوض.
أخذت طريقي الى (ميدان التحرير) مع صديقة تراجع للحصول على الجنسية لأبنائها، في الطريق ركضت الذاكرة بالشريط المأساوي الذي مر بنا خلال الثورة، حيث شحنت نفوسنا بصور القسوة التي عاملت بها فصائل من الشرطة الشعب الموجوع، خاصة عربات دهس المتظاهرين وقناصة الأسطح، وقناص العيون الذي أشعل نار الغضب في قلوب المصريين فجعلهم حانقين على أجهزة الشرطة كلها دون فصل.
وكرهنا الشرطة كلها دون تمييز، وناصبناها العداء ايضا دون تمييز، وكتبنا نكيل لهم اللوم والتقريع، وأوقع الشعب هيبة الشرطة مع سبق الاصرار والترصد، ورفضنا المصالحة أو مجرد الاقتراب من المسامحة لان بيننا وبين أجهزة الشرطة دم أبنائنا! الشريط يركض والسائق يركض بنا، في سهو منه دخل في شارع خطأ فحاول استدراك الأمر بأن عاد عكس السير ليتمكن من تصحيح وضعه، نهرته قائلة (كده غلط ممكن تضربنا سيارة مسرعة أو تخالفك أي سيارة شرطة خلي بالك)، اذهلني ان يرد بمنتهى اللامبالاة (شرطة مين، الشرطة تخلي بالها من نفسها)، أدركت لحظتها ان الشارع هو من يقوم بالفوضى ويستخف بالقانون، ويستحق أيضا العقاب!
المهم تنفسنا الصعداء بنزولنا من التاكسي، وكان علينا ان نمشي مسافة لنصل الى (مجمع التحرير)، طالعتنا خيم كثيرة أشكال وألوان، وشعارات أكثر لمؤيدي الشيخ (حازم أبو اسماعيل) الذي قال لهم انفضوا فلم ينفضوا ليمتلئ مدخل التحرير بزحام يعرقل مهمة الداخلين الى المجمع. أما ذهولي فكان لما رأيت على الصفين مفروشا ومعلقا، كل ما يتصوره المتسوقون موجود، ورق عنب، بط، بتي فور، كعك، كبيبه شامي، فراخ متبلة، (مونبار) وكمان سمك، وكل المعروض مغلف في أطباق ومرصوص على الارض وأمامه شابة تنادي على المارة وتقنعهم بأن المعروض (عمايل بيتي)، غير الأكل لعب وملابس أطفال، قمصان نوم، بلوزات، تشرتات، (نصبة شاي)، ووسط كل هذا المولد بياع العرقسوس يضرب صاجاته ويلعلع بصوته الجهوري (اشرب السائع).
تمهلت أفحص الوجه الآخر للثورة وحالة (السبوبة) لبائعين يريدونها (والعة) دائما فمن جمهور التحرير يسترزقون. مين يكسب مش مهم، الاهم أن تباع معروضاتهم، وفي هذا الزحام رجال محترمون يلعنون ويسبون المتجمهرين الذين يعطلون سيرهم الى مبتغاهم بينما الشرطة تفحص حقائب السيدات الداخلات الى مبنى المجمع، انتهينا من التفتيش، بعد السؤال وصلنا الى المكتب المختص لتسأل صديقتي لماذا تأخر ابنها في الحصول على الجنسية رغم ان اخوته حصلوا عليها، هناك كان يجلس برتبته اللافتة ومكتبه المتواضع، جلست الاحظه وفي مخيلتي كل ما يوجعني من جهاز الشرطة وناسه، كان وجهه يخاصم الجهامة والجمود المعتاد بابتسامة خفيفة يرد على التحية ويوجه السائل الى مبتغاه، كثيرون كانت مشاكلهم عويصة كان يحاول بصبر لافت افهام السائل ما الذي عليه فعله ليسهل الأمر عليه، في ذات الوقت تتوافد موظفات شباك المراجعة ليسألنه ماذا يفعلن في أوراق ناقصة، أو معلومات مطلوبة، لم يكن يعسر كان ييسر على الناس ويحاول قدر امكانه المساعدة بغية التخفيف عن المراجعين، لم الحظ أنه فرق بين المرسل اليه من اللواء فلان الفلاني وبين الداخل اليه من الغلابة الذين ليس لهم لا لواء ولا حتى عسكري، وبين فترة وأخرى وكلما خفف عن عجوز او مسن أو جاهل، ارتفع له دعاء يقشعر له البدن من فرط صدقه، وطوال جلستي عنده لم الحظ تبرمه، أو ضيقه، لم ألحظ تكشيرته أو تذمره، كان يتابع عمله دون تأفف من انهمار المراجعين بنفس الأسئلة بل باتساع صدر ملحوظ، وبابتسامة راضية، خرجت وصديقتي من مكتبه وقد غسل برحمته، ولطفه، وصبره، كثيرا من حنقي وضيقي من شريط الثورة الدامي، حقيقة استشعرت امانا كنت أحسه مهاجرا، احسست انني كنت أمام رجل من رجال الشرطة الذين يحبون هذا الوطن بكل ما في قلوبهم من صدق، وكل ما في وجدانهم من اخلاص، وكل ما في نفوسهم من انتماء، تركت مجمع التحرير، بضجيجه، كما تركت خلفي صراخ بائعي البيض، والسميط، والبطاطا، والترمس، واللب، المنتشرين في الميدان وبذاكرتي علقت صورة رجل طيب يحمل رتبة كبيرة وقلبا اكبر، اسمه (محمد شاكر) شكر الله له.
* طبقات فوق الهمس
* تحية باسقة واجبة لكل ضباط الشرطة والجنود الذين يتوالى استشهادهم كل يوم خلال اكمنة القبض على البلطجية والخارجين على القانون لضبط الأمن.
* عندما تنفرد بلقب (جرئ في الحق) تستحق تحية باسقة.
*هناك دائما بشر يجعلوننا نؤمن بأننا الذين نعطي الاحلام لونها، والدنيا فصولها، والطقس جماله، والربيع بهجته، الغريب انك قد تفتقد هؤلاء البشر عمرا طويلا ثم صدفة على قارعة شارع الحياة تلتقيهم.
* اذا كنت تجيد قراءة أحزان من حولك عبثا تستطيع أن تشعر بالفرح!
* قادة شعوب (الخريف العربي) سرقوا قدرة الناس حتى على الفرح!
* الذين يتصارعون على الكراسي اشبه بقنافد تمد أشواكها في كل اتجاه لتدمي الآخر حتى ما عاد مكان دون وخز. السؤال..هل يفكر الفائز بالكرسي ماذا سيقدم لوطن جريح ينزف أم أن الأمر والغاية كانت الكرسي.
*عندما زار فضيلة المفتي علي جمعة القدس قابله رجل قال له اليهود يريدون شراء دكاني الصغير الملاصق للحرم بثلاثة ملايين دولار وقد رفضت رغم اني لا أجد قوت أسرتي. هذه قصة قصيرة جدا لمن زعموا ان الفلسطينيين باعوا أرضهم لليهود!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2823
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1065
| 26 فبراير 2026