رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أسفرت السياسات المتصلة بانفتاح الأسواق والتوجه للعولمة في الفترات الأخيرة، لزيادة اهتمام حملة الأسهم والمهتمين، وكل من أصحاب المصالح في الشركات ( الإدارة - الدائنين - مجلس الإدارة - المالكين) المدرجة بالأسواق المالية، فيما يجب أن تفصح تلك الشركات من معلومات ولاسيما المعلومات المالية و المحاسبية ذات التأثير المباشر في القرارات المالية والاقتصادية والتمويلية والاستثمارية أيضا..
وقد ساهم ذلك في تزايد الأهمية النسبية للتقارير المالية ولاسيما التقارير المرحلية (ربع - نصف) سنوية التي يتم إعدادها من قبل الشركات المدرجة بسوق الأوراق المالية، ومراجعتها من مدققي حسابات مستقلين ومعتمدين إلى تقديم معلومات محاسبية تتسم بالملاءمة والشفافية والوضوح وإمكانية المقارنة والفهم والاعتماد عليها من قبل حملة الأسهم، وأصحاب المصالح في هذه الشركات وبالتوقيت المناسب..
هذا الأمر أدى إلى عناية الجهات الرسمية المختصة بالرقابة والإشراف والمتابعة بإصدار وصياغة المعايير المحاسبية ذات الصلة بإعداد التقارير المالية المرحلية وتطوريها وكذلك معايير الرقابة والإشراف الدوري لمراجعتها مما اضطر الشركات للاتجاه لإدارة الأرباح وهو موضوع هذا التحليل"Earning Management
أولا: إدارة الأرباح
محاولة الإدارة لاختيار البيانات المحاسبية بالمؤسسة المالية للتأثير في إدارة الأرباح التي تظهر بالقوائم المالية والتقارير المحاسبية لحجب القيم الأساسية للشركة أو التأثير على تخفيض الموارد والاستخدامات عما يجب أن تكون علية باستخدام أساليب محاسبية وسياسات إدارية لا تخضع لأسباب إستراتيجية ومصممة خصيصا لذلك كحالات التقدير الشخصي للبنود الظاهرة بالقوائم المالية وتعديل التقارير المالية عن الأداء المالي والإداري للمؤسسة خلاف الحقيقة والتأثير على النتائج التعاقدية التي تعتمد على الأرقام المحاسبية بالقوائم المالية والتقارير المحاسبية بغرض التأثير على الأرباح بالمدى القصير والبعيد والوصول لرقم ربح محدد مسبقا، وموضوع من قبل الإدارة أو حسب توقعات المحللين الماليين وفق قيم متفق عليها لاستدامة الربحية.
Earning Management Styles""
ثانيا: أنواع إدارة الأرباح
ترجع أهمية إعداد التقارير المالية على فترات محاسبية (ربع - نصف) سنوية ومراجعتها من مدققي الحسابات المستقلين بهدف تقييم أداء هذه الشركات وتخفيض درجة عدم التأكد عند التنبؤ بنتائج أعمالها ( ربح - خسارة ) المتوقعة، وبالتالي عوائد أسهمها فضلا عن تعزيز كفاءة سوق الأوراق المالية نفسه والاقتصاد العام لذلك تنقسم إدارة الربحية لنوعين:
الإدارة الجيدة للأرباح(Good Earning Management)
تتمثل في إدارة الأرباح التشغيلية عندما تتخذ الإدارة قرارات اختيارية من شأنها المحافظة على أداء مالي مستقر.
الإدارة السيئة للأرباح (Bad Earning Management )
تتمثل في إخفاء إدارة الأرباح التشغيلية الحقيقية بواسطة وضع القيود غير الحقيقية أو تطبيق تقديرات غير منطقية مثل تخفيض أو زيادة مخصص الديون المشكوك فيها- تقديرات أعمار الأصول والموجودات - تقديرات أعمار الديون المستحقة- المبالغة أو التخفيض في المخصصات والاحتياطيات بجميع أنواعها.
ثالثا: دوافع إدارة الشركات المدرجة بسوق الأوراق المالية لإدارة الأرباح.
تزايد الاهتمام في القطاع المالي والاقتصادي على المدخل الأخلاقي بالمحاسبة وإدارة العمال والمراجعة وهناك العديد من النماذج السلوكية التي ما تتخذه الإدارة التنفيذية من قرارات تتحكم في المعلومات المحاسبية التي تعتمد عليها الأطراف المهتمة بالمؤسسة المالية وقد تؤدي هذه لقرارات إيجابيا أو سلبيا على صافي الربح الذي يعتبره البعض الآخر تغيرا سلوكيا قانونيا لأنه قد يصب في مصلحة الشركات ويكون ذلك بغرض تخفيض الدخل العام للمؤسسة المالية ضمن مجموعة من المبادئ المحاسبية المتعارف عليها تمتد من العمليات التشغيلية والاستثمار والتمويل ومسك الدفاتر وتحدث عندما تستخدم الإدارة التنفيذية المرونة للاختيار بين الطرق والسياسات المحاسبية كحالات التقدير والحكم الشخصي لبعض البنود الظاهرة في التقارير المالية لهيكلة التصنيفات أو تعديل التقارير المالية وذلك لدوافع منها:-
1- عرض نتائج إيجابية عن الأداء الاقتصادي للشركة.
2 – التأثير على القرارات التعاقدية التمويلية والاستثمارية التي تعتمد على نتائج التقارير المالية والمحاسبية
3- تشجيع المستثمرين لشراء أسهم الشركة.
4- ارتفاع القيمة السوقية للشركة على المديين القصير والبعيد.
5- تشجيع الإدارات التنفيذية ومجلس الإدارة لمزيد من المزايا والمكافآت.
رابعا: الأساليب المستخدمة لإدارة الأرباح بالشركات المدرجة بسوق الأوراق المالية
• إدارة الاستحقاقات (المصروفات - الإيرادات)
عملية تغيير احتمالات تحقق الإيرادات والمصروفات المستحقة مثل تغير العمر الافتراضي للأصول والموجودات أو احتمال سداد المدينين بغرض التحكم في مقدار الإيرادات والمصرفات التي تظهر في فترة مالية معينة.
• توقيت تطبيق المعايير المحاسبية والسياسات المالية سواء (جديدة- تعديل).
عند صدور معيار محاسبي جديد أو تعديل معيار سابق فيكون تطبيقه في موعد لاحق لصدوره ولكن غالبا ما يتم السماح بالتطبيق المبكر للمعيار المحاسبي أو الانتظار حتى الموعد الملائم المحدد للتطبيق حسب رؤية الإدارة التنفيذية لمدى تأثيره على الربحية.
• إجراء التغيرات المحاسبية (إجباري – اختياري) بالسياسات المطبقة.
تشمل التحول من طرق محاسبية لأخرى مثل طرق تسعير المخزون السلعي المعروفة مثلا مع ملاحظة أن استخدام أي من التغييرات المطبقة تؤثر على مستوى الربحية الكلي ( ارتفاع - انخفاض ) وتتفق هذه الأساليب مع المعايير المحاسبية المتعارف عليها ( محليا - دوليا ) وعدم ارتباطها بعمليات مع أطراف خارجية ويتم العمل بها لفترت مالية كاملة وقادمة.
خامسا: أهداف إدارة الأرباح بالشركات المدرجة بسوق الأوراق المالية
• تحقيق منافع ذاتية
المديرون في الشركات المالية والاقتصادية التي تربط خطط المزايا والمكافآت بالأرباح سوف يختارون الطرق المحاسبية التي ستزيد الأرباح الظاهرة بالقوائم المالية خلال الفترة الحالية لأن ذلك سيزيد من القيمة الحالية لمزايا الممنوحة، كما أن الإدارات التنفيذية قد تخفض الأرباح عند وصول الحوافز إلى أعلى حد ممكن لأنه في هذه الحالة لن تحقق أي زيادة في الحوافز والمكافآت للإدارة بل يمكن تحقيق الأمن الوظيفي أو مما يسمى جودة الأرباح والتي تتمثل في تأجيل الأرباح لفترات مستقبلية قادمة وبالتالي ستزيد من حصة الإدارة بالمكافآت مستقبلا في السنوات (العالية الأرباح ) إلى السنوات ( المنخفضة الأرباح ) .
• تخفيض قيم الضرائب والتعاريف المرتبطة بنسب تدريجية بالأرباح
يقوم اختيار الإدارة التنفيذية بالشركات المالية الطرق المحاسبية التي تقلل من القيمة الحالية المتوقعة لمدفوعات الضرائب المرتبطة بنسب تدريجية على قيم الأرباح الصافية، ومن إحدى هذه الطرق المستخدمة لتحقيق سياسة تقييم المخزون السلعي مثلا والتبديل من سياسة الوارد أو الصادر أولا، وسياسة الوارد أولا، أخيرا ذلك سيؤدي إلى التغيرات بالتدفقات الواردة للشركات خصوصا عند زيادة الأسعار مما يزيد معه زيادة الدخل الظاهر بالقوائم المالية والذي سيؤدي إلى زيادة الضرائب.
• شروط سداد الديون والالتزامات
يوجد تعارض بالمصالح والرغبات بين دائني الشركة والمساهمين لذلك فإن عقود الديون غالبا تتضمن شروطا لتقييد الإدارة للحد من هذا التعارض والحد من قدرة الإدارة على سداد توزيعات الأرباح على المساهمين فيما يسمى بتحويل الثروة من حملة الديون إلى حملة الأسهم أو إصدار ديون جديدة أو طلب تأجيل أو تقديم سداد الديون المستحقة ويسمى ذلك بتكلفة الوكالة التي تتحملها الإدارة التنفيذية والناتجة عن التصرفات المقيدة أو بسبب سداد تكلفة الديون والقروض لذلك تلجأ الإدارة إلى إدراج الأرباح بهدف زيادة الربحية باستخدام التغيرات المحاسبية والتطبيق المبكر أو التأجيل للمعايير المحاسبية الجديدة حسب الحالة للتخلص من قيود عقود الديون ومخالفة الشروط الواردة مثل نسب عدد مرات الفوائد أو شروط منح القروض بزيادة الطاقة الاقتراضية للشركة وانخفاض تكلفة الأموال المقترضة وتجنب الإخلال بشروط اتفاقات الديون السابقة مما يزيد من أرباح تلك الشركات عند مقارنتها بالشركات المماثلة.
• التكاليف الرسمية
الالتزامات التي تتحملها الشركات نتيجة القوانين واللوائح التنظيمية التي تفرضها الجهات الرسمية للرقابة والإشراف والتراخيص كمعدلات الضرائب خصوصا إذا كانت مرتبطة بنسب مئوية من شرائح الأرباح المتصاعدة والتعاريف الجمركية المفروضة أو التزامات يفرضها المجتمع في صورة مشاركات ومساهمات ومرتفعة القيمة، لذلك تتوجه الإدارة التنفيذية لإدارة الأرباح باختيار الأساليب المحاسبية والسياسات المالية التي تؤدي لتخفيض الأرباح النهائية وتتجنب معها التكاليف والالتزامات المفروضة عليها كإعادة تقييم الأصول الثابتة لتخفيض ربحيتها خصوصا الشركات المعرضة لاضطرابات العمال والمطالبات العمال بزيادة الأجور أو طلبا للدعم والمعونة من الدولة بحالة انخفاض ربحيتها وخسارتها.
سادسا: العلاقة بين السياسات المحاسبية وأسعار أسهم الشركات المدرجة ببورصة الأوراق المالية..
أشارت العديد من الدراسات لشركات المساهمة أن ربحية الشركة تعد عاملا ضروريا ومهما لإدارة الأرباح إذ أنة لا يمكن الاعتماد على ربحية ضعيفة للقيام بإدارة الأرباح فكلما زادت ربحية الشركة كلما زادت احتمالية إدارة أرباحها، وذلك لعقود الوسائل والخيارات أمام تلك الشركات لاتباع الطرق الملائمة لإدارة أرباحها وزيادة توزيعات الأرباح للمساهمين (مطلب أساسي) وقدرتها على سداد إلزاماتها تجاه الدائنين ويمثل صافي الدخل القاعدة الرصينة لأصول الشركة وحقوق الملكية، كما يساعد على جذب رأس المال من المستثمرين الجدد فضلا عن العلاقة الإحصائية لمؤشر إدارة الإرباح ومؤشر أسعار الأسهم.. وكل المعاملين ذوو اتجاه إيجابي للارتفاع والانخفاض معا وأن أسعار أسهم الشركة تتأثر بشكل مباشر بأرباح الشركة لذلك فإن الشركات تسعى دوما للحفاظ على مستثمريها الذين يفضلون أن تكون أرباح الشركة مستقرة ويسعى المستثمرون كذلك، ويدفعون أسعارا عالية للأسهم في الشركات التي تكون أقل تقلبا للانخفاض في أرباحها، مما يعني عدم تأكد أقل حول اتجاه الأرباح، وبما يعزز انطباعا بانخفاض المخاطر لتخفيض تقلب الأرباح وهو الأمر الذي يؤدي عمليا إلى رفع سعر السهم ....
بين السطور
ما أكثر ما غيَّر حياتك؟ سؤال يبدو بسيطا، لكنني كلما حاولت الإجابة عنه، اكتشفت أنني كنت أبحث في... اقرأ المزيد
108
| 23 يوليو 2026
لا يختلف اثنان على أن اللعب جزء أساسي من طفولة الإنسان، فهو ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل وسيلة... اقرأ المزيد
81
| 23 يوليو 2026
د. الكواري.. وجسر المعرفة القطري
عندما تُشيَّد الجسور بين المدن والدول، فإنها لا تختصر المسافات فحسب، بل تصنع الحضارة، وتدفع عجلة الاقتصاد، وتفتح... اقرأ المزيد
267
| 23 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك أوطان تُبنى بالحجارة، وهناك أوطان تُبنى بالرؤية. وهناك دول يختصرها حاضرها، وأخرى يروي تاريخها قصة سنوات طويلة من العمل والتخطيط والصبر حتى وصلت إلى ما هي عليه اليوم. وقطر واحدة من تلك الدول التي لم تصل إلى مكانتها العالمية في ليلة وضحاها، ولم يصبح اسمها حاضرًا في المحافل الدولية بمحض الصدفة، وإنما بجهد متواصل، وإرادة لا تعرف المستحيل، ورؤية آمنت بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع. واليوم، ونحن ننظر إلى وطننا، لا ينبغي أن ننظر إليه بوصفه دولة غنية فحسب، بل بوصفه أمانة كبرى. أمانة تتمثل في أمنه، ووحدته، واستقراره، وسمعته، وإنجازاته، ومكانته التي أصبحت محل احترام العالم. فكل طريق، ومدرسة، ومستشفى، وجامعة، وميناء، ومؤسسة، وكل إنجاز تحقق على هذه الأرض، لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة سنوات من العمل والإخلاص والتضحيات. وتزداد هذه الأمانة اليوم ثقلًا في ظل أزمة إقليمية لم يعهد الخليج مثل اتساعها وخطورتها. فمن كان يتصور أن تتعرض دول الخليج، الواحدة تلو الأخرى، للصواريخ والمسيّرات والتهديدات القادمة من جهات متعددة؟ ومن كان يظن أن المدن الآمنة، والمنشآت المدنية، والممرات البحرية، ومصادر الطاقة والمياه يمكن أن تصبح في قلب المواجهة؟ لقد تعرضت دول خليجية عدة خلال التصعيد الراهن لهجمات وتهديدات طالت أمنها ومنشآتها الحيوية، ووصل الخطر إلى محطات توليد الكهرباء وتحلية المياه، وإلى خطوط الملاحة في مضيق هرمز والبحار المحيطة بالمنطقة. وهذا يكشف أن الحروب الحديثة لا تستهدف المواقع العسكرية وحدها، بل قد تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للإنسان: الماء الذي يشربه، والغذاء الذي يصل إلى بيته، والكهرباء التي تنير مدينته، والطريق البحري الذي تعبر منه احتياجاته. إن تهديد محطات تحلية المياه في الخليج ليس أمرًا ثانويًا، فدول المنطقة تعتمد اعتمادًا كبيرًا على مياه البحر المحلاة. وأي اعتداء على تلك المنشآت لا يعني تضرر مبنى فحسب، بل يعني تهديد شريان الحياة لملايين البشر. وقد أبرزت الهجمات الأخيرة على منشآت المياه والكهرباء مدى أهمية هذه المرافق أمام الحروب، ومدى ضرورة حمايتها، وتطوير البدائل، وزيادة المخزون الاستراتيجي، وعدم الاطمئنان إلى أن مصادر الحياة بعيدة عن ميادين الصراع. والغذاء كذلك أصبح جزءًا من الأمن الوطني، لأن اضطراب الملاحة أو إغلاق الممرات البحرية أو تعطل سلاسل الإمداد يمكن أن يرفع الأسعار ويؤخر وصول السلع الأساسية. وقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أن الدولة التي لا تنوّع مصادر استيرادها، ولا تدعم إنتاجها المحلي، ولا تبني مخزونها الاستراتيجي، قد تجد أمنها الغذائي رهينة قرار أو حرب وقعت خارج حدودها. وتشير تقديرات متخصصة إلى أن التوترات الإقليمية الحالية تهدد سلاسل التصدير والإمداد، وتضاعف مخاطر الأمن الغذائي في المنطقة والعالم. لهذا فإن المحافظة على قطر لم تعد مجرد عبارة وطنية نرددها، بل ضرورة وجودية تتطلب وعيًا شاملًا. فالأمن اليوم ليس حراسة الحدود فقط، بل حماية الماء والغذاء والطاقة والاقتصاد والمعلومات، وحماية المجتمع من الشائعات والفوضى والخوف. وليس كل اعتداء يبدأ بصاروخ، فقد يبدأ بخبر كاذب ينتشر في لحظات، أو إشاعة تدفع الناس إلى الهلع والتدافع وتخزين السلع، فتربك المجتمع وتخدم أهداف العدو من حيث لا يشعر ناشرها. في أوقات الأزمات يظهر المعدن الحقيقي للمجتمعات. يظهر المواطن المسؤول الذي يأخذ معلوماته من المصادر الرسمية، ولا يعيد نشر كل ما يصله، ولا يثير الذعر، ولا يستغل حاجة الناس، ولا يكدس السلع بلا ضرورة. ويظهر التاجر الأمين الذي لا يرفع الأسعار، والموظف المخلص الذي يؤدي واجبه، والإعلامي الذي يزن كلماته، والأسرة التي تربي أبناءها على الثبات والوعي، لا على الخوف والانفعال. إن حماية قطر مسؤولية كل مواطن، ولا تنتهي عند المقيم. فكل من يعيش على هذه الأرض وينعم بأمنها واستقرارها يحمل جزءًا من مسؤولية الحفاظ عليها. الوطن لا تحميه الجدران وحدها، وإنما يحميه الإنسان الواعي الذي يعرف قيمة ما بين يديه، ويحسن التصرف وقت الرخاء والأزمة. وقد أحسنت قطر الاستفادة من التجارب السابقة، فعملت على تنويع مصادر الغذاء، وزيادة الإنتاج المحلي، وبناء مرافق ومخزونات استراتيجية، وتعزيز قدرتها على مواجهة اضطرابات الإمداد. وتؤكد التقارير الحديثة أن الأمن الغذائي في قطر ما زال مستقرًا، نتيجة الاستعداد المبكر وتنوع الخطط والبدائل. لكن قوة الاستعداد لا تعني أن نركن إلى الطمأنينة، بل أن نواصل التطوير، لأن التحديات تتغير، والحروب تكشف كل يوم أدوات جديدة للضغط والاستهداف. إن أعظم الأخطاء أن نعتاد النعمة حتى ننسى كيف جاءت. فمن السهل أن يرث الإنسان وطنًا قويًا، لكن الأصعب أن يحافظ على قوته. ومن السهل أن يعيش في دولة مستقرة، لكن الأصعب أن يكون سببًا في استمرار هذا الاستقرار. فالأوطان لا تتراجع فجأة، وإنما تبدأ بالتراجع عندما يضعف الشعور بالمسؤولية، ويحل محله الاعتقاد بأن الإنجازات ستبقى مهما أهملنا. إن المحافظة على قطر تبدأ من المدرسة والجامعة ومكان العمل والشارع والمنزل ووسائل التواصل الاجتماعي. تبدأ حين يتقن الموظف عمله، ويحترم الطالب علمه، ويخلص التاجر في تجارته، ويحافظ الفرد على الممتلكات العامة، ويحسن استهلاك الماء والغذاء والطاقة، ويدرك أن الإسراف في زمن الأزمات ليس حرية شخصية، بل سلوك يمس أمن المجتمع كله. كما تبدأ المحافظة على الوطن بالوحدة. فالأزمات لا تختبر قوة السلاح وحده، بل تختبر تماسك المجتمع وثقته بقيادته ومؤسساته. وكل محاولة لإثارة الانقسام، أو نشر الكراهية، أو ضرب العلاقة بين المواطن والمقيم، إنما تستهدف جدارًا من جدران الوطن. فالناس في السفينة الواحدة، وأي ثقب فيها لن يسأل عن جنسية من يصيبه الماء. واليوم، وقد أصبحت قطر دولة ذات حضور عالمي، فإن مسؤوليتنا أصبحت أكبر. نحن لا نحمل اسم وطننا داخل حدوده فقط، بل نحمله أينما ذهبنا. العالم يعرف قطر ويراقب تجربتها ويحترم نجاحاتها، ولذلك فإن كل مواطن ومقيم سفير لهذا الوطن، يمثله في أخلاقه وعمله والتزامه قبل أن يمثله بكلماته. قطر اليوم ليست مجرد وطن نعيش فيه، بل إرث حضاري ومسؤولية تاريخية وأمانة أخلاقية. وما نملكه من أمن ورخاء واستقرار ومكانة ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد، بل نعمة تحتاج إلى الشكر، وإنجاز يحتاج إلى الحماية، ووطن يحتاج إلى رجال ونساء يعرفون أن الولاء الحقيقي يظهر حين تتبدل الأيام وتشتد الأزمات. فليكن سؤال كل واحد منا: ماذا قدمت اليوم لقطر؟ هل حافظت على أمنها؟ هل صنت وحدتها؟ هل كنت مصدر وعي أم مصدر شائعة؟ هل كنت لبنة في البناء أم ثغرة ينفذ منها الخوف؟ الخليج يمر اليوم بامتحان عسير، وقطر ليست بعيدة عن رياحه، لكن الأوطان التي بنت مؤسساتها، ووحّدت صفوفها، وأعدّت أبناءها للأزمات، لا تسقط أمام العواصف، بل تخرج منها أصلب عودًا وأعمق وعيًا. قطر أمانة في أعناقنا، وحمايتها ليست مهمة يوم واحد، بل عهد يتجدد كل صباح، ومسؤولية يؤديها كل إنسان من موقعه، حتى تبقى هذه الأرض آمنة عزيزة، ويظل علمها مرتفعًا، ويصل إرثها إلى الأجيال القادمة أقوى مما تسلمناه.
5772
| 20 يوليو 2026
هناك لحظات في تاريخ الأوطان تتجاوز حدود الزمن، لأنها ترتبط برجالٍ تركوا أثرًا عميقًا في وجدان شعوبهم، وأسهموا في صناعة مراحل جديدة من البناء والتطور. ومن بين تلك اللحظات، يأتي رحيل سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، ليحمل مشاعر الحزن والفقد في قلوب أبناء قطر، لكنه في الوقت ذاته يفتح صفحات مشرقة من سيرة قائد ترك بصمة راسخة في تاريخ الوطن، وأسهم في رسم ملامح الدولة الحديثة. ونحن أبناء هذا الوطن نستحضر اليوم سيرة قائدٍ ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ دولتنا، لا بوصفها صفحات في سجل التاريخ فحسب، بل باعتبارها مرحلة عشنا آثارها ورأينا خلالها قطر تنتقل بخطى ثابتة من مرحلة البناء المتدرج إلى مرحلة الحضور المؤثر إقليميًا ودوليًا. فقد امتلك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، رؤية بعيدة المدى جعلت من التنمية مشروعًا شاملًا يقوم على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وترسيخ مكانة الدولة بين الأمم. لقد أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أن الثروات الطبيعية لا تصبح مصدر قوة حقيقية إلا عندما تُدار بعقلية استراتيجية تستثمرها لصالح الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، شهدت دولة قطر تحولًا اقتصاديًا كبيرًا، كان من أبرز مظاهره تطوير قطاع الغاز الطبيعي المسال، الذي أصبح أحد أهم ركائز الاقتصاد الوطني، وأسهم في دعم مشاريع التنمية وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا. ولم يكن الاقتصاد في تلك المرحلة هدفًا منفصلًا عن الإنسان، بل كان وسيلة لتحقيق حياة أفضل للمواطنين. فقد انعكس النمو الاقتصادي على مختلف جوانب الحياة من خلال تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات العامة، وخلق فرص جديدة أمام أبناء الوطن، مما عزز رفاه المجتمع ورسخ الثقة بمستقبل قطر. وقد احتل بناء الإنسان مكانة مركزية في فكر سمو الأمير الوالد، رحمه الله، انطلاقًا من إيمانه بأن الإنسان هو الثروة الحقيقية لأي وطن. ولهذا حظي قطاع التعليم باهتمام كبير، وشهدت الدولة توسعًا في المؤسسات التعليمية، ودعمًا للبحث العلمي، وانفتاحًا على أفضل التجارب العالمية. كما تطور القطاع الصحي بصورة لافتة، من خلال بناء منظومة صحية حديثة تهدف إلى توفير خدمات ذات جودة عالية، بما يعكس اهتمام الدولة بصحة الإنسان وكرامته. وفي الجانب المؤسسي، شهدت قطر خلال تلك المرحلة خطوات مهمة نحو ترسيخ دعائم الدولة الحديثة. فقد جاء إقرار الدستور الدائم لدولة قطر محطة بارزة في مسيرة التطور الوطني، حيث أسهم في تعزيز العمل المؤسسي، وتنظيم العلاقة بين سلطات الدولة، وترسيخ مفهوم المسؤولية الوطنية في إدارة شؤون البلاد. أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد تمكنت قطر من بناء حضور دولي مميز قائم على الحوار والتعاون واحترام سيادة الدول. وأصبحت الدبلوماسية القطرية عنوانًا للحوار والوساطة في عدد من الملفات الإقليمية والدولية، مما عزز مكانة الدولة وأثبت أن تأثير الدول لا يقاس بمساحتها الجغرافية، بل بقدرتها على المبادرة وصناعة الأثر. ومن أبرز المحطات التي جسدت نهج سمو الأمير الوالد، رحمه الله، في السياسة الخارجية، زيارته التاريخية إلى قطاع غزة في أكتوبر عام 2012، حيث كانت زيارة ذات أبعاد إنسانية وسياسية مهمة، وعكست اهتمام دولة قطر بدعم الشعب الفلسطيني والوقوف إلى جانب قضاياه الإنسانية والتنموية. وقد ارتبطت هذه الزيارة بإطلاق منحة لإعادة إعمار القطاع بلغت 400 مليون دولار، أسهمت في تنفيذ عدد من المشاريع الإسكانية والتنموية، من أبرزها مدينة الشيخ حمد السكنية، وتطوير عدد من الطرق الحيوية، إلى جانب دعم القطاع الصحي من خلال إنشاء مستشفى سمو الشيخ حمد بن خليفة للتأهيل والأطراف الصناعية. كما حملت الزيارة رسالة تؤكد أهمية دعم التنمية وتعزيز مقومات الحياة الكريمة للشعوب. كما أدرك سمو الأمير الوالد، رحمه الله، أهمية الإعلام والمعرفة في تعزيز حضور الدولة وبناء قوتها الناعمة، فشهدت قطر خلال تلك المرحلة تطورًا إعلاميًا وثقافيًا لافتًا، كان من أبرز مظاهره تأسيس قناة الجزيرة عام 1996، التي أصبحت إحدى المنصات الإعلامية العربية المؤثرة، وأسهمت في تعزيز حضور قطر على الساحة الإعلامية الدولية. كما واصلت الدولة اهتمامها بالمجالات الثقافية والتعليمية والمعرفية، بما يعكس رؤية شاملة للتنمية تجمع بين الإنسان والعلم والهوية. ومن التحولات التاريخية المهمة في مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، تسليم مقاليد الحكم عام 2013 إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، في خطوة عكست رؤية تقوم على استمرارية الدولة وتجدد القيادة. وقد مثل هذا الانتقال لحظة مهمة في تاريخ قطر السياسي، إذ أكد أن بناء الوطن مشروع مؤسسي تتواصل فيه الأجيال، وأن مسيرة التنمية تستند إلى مؤسسات قوية ونهج واضح للمستقبل. ولم تتوقف مسيرة التنمية عند هذه المحطة، بل واصلت الدولة طريقها نحو تحقيق المزيد من الإنجازات، وكان من أبرزها استضافة بطولة كأس العالم 2022، التي شكلت علامة فارقة في تاريخ قطر والمنطقة. فقد عكست هذه الاستضافة مستوى التطور الذي وصلت إليه الدولة في مجالات البنية التحتية والتنظيم والقدرة على استضافة أكبر الأحداث العالمية، كما قدمت صورة مشرقة عن المجتمع القطري وثقافته وقيمه. وعندما نتحدث عن أثر هذه المسيرة على المواطن القطري، فإننا لا نتحدث فقط عن مشاريع اقتصادية، بل عن واقع عاشه المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فالتطور الذي شهدته الدولة انعكس على التعليم والصحة والخدمات، وأسهم في تعزيز شعور المواطن بالأمن والاستقرار والفخر بما تحقق لوطنه. وأرى أن أهم ما يميز هذه المسيرة التنموية هو قرب أثرها من المواطن، إذ أصبحت نتائجها واضحة في حياته اليومية وفي البيئة التي يعيش فيها، مما عزز شعوره بالانتماء والثقة بمستقبل وطنه. إن القادة الحقيقيين لا يُقاس أثرهم فقط بما ينجزونه خلال فترة مسؤوليتهم، وإنما بما يتركونه من أسس تستمر بعد رحيلهم. وسيبقى اسم سمو الأمير الوالد، رحمه الله، حاضرًا في تاريخ قطر وذاكرة أبنائها، بما حملته مسيرته من رؤية وإنجازات أسهمت في بناء الدولة الحديثة وتعزيز حضورها في العالم. وسيظل رحيل سمو الأمير الوالد، رحمه الله، محطة حزن في وجدان القطريين، لكنه سيبقى أيضًا مناسبة لاستحضار مسيرة قائد لم يترك وراءه إنجازات ومؤسسات فقط، بل ترك شعورًا راسخًا لدى أبناء وطنه بأن البناء الحقيقي هو ما يستمر أثره عبر الأجيال. فالأوطان لا تحفظ أسماء قادتها بما حققوه من مشاريع فحسب، بل بما زرعوه من ثقة وأمل في نفوس أبنائها، وستبقى مسيرة سمو الأمير الوالد، رحمه الله، جزءًا من ذاكرة قطر، وشاهدًا على مرحلة صنعت الكثير من ملامح حاضرها ومستقبلها.
3420
| 18 يوليو 2026
«المقياس قطر».. لا توجد ترجمة حرفية لهذه العبارة، لكنها تعني في جوهرها أن كل ما يُنجز إنما يُنجز من أجل قطر، لا لمصلحة شخصية، ولا سعيا وراء الشهرة أو المجد، وإنما لخدمة الوطن وأهله. هذه العبارة كانت البوصلة التي تهديني في كل ما أقوم به. وهي الشعار الذي أحمله في حياتي، تعلمته من والدي (يُبا)، الذي عاشها واقعا يوميا. فقد كان يضع وطنه وشعبه قبل نفسه. كلما كنا معه، كان الحديث دائما عن قطر. لم يكن هناك فاصل بين يوم عمل في المكتب وإجازة عائلية؛ فشؤون الدولة كانت حاضرة في ذهنه باستمرار. كان يتمتع بشخصية آسرة، وكاريزما معدية، وقدرة استثنائية على أن يجمعنا جميعا خلف رؤيته، وهي الإيمان بأن قطر تستحق الأفضل. وبتوجيهه، تحولت أفكار كانت تبدو يوما أحلاما بعيدة المنال إلى مشاريع واقعية عظيمة، ألهمت واحتضنت المواهب العربية من مختلف أنحاء العالم. وكثير من تلك المواهب أخبروني أنهم لم يشعروا بالفخر بكونهم عربا كما شعروا به في قطر. وصل والدي إلى الحكم، ثم تخلى عنه، بطريقة غير مألوفة. كان هدفه دائما أن ينقل وطننا من الفقر إلى اقتصاد قوي يجعل الإنسان وقيمته في المقام الأول. تولى المسؤولية ليُحدث التحول، ثم تنازل عنها ليمنح ابنه العزيز الفرصة لقيادة المرحلة التالية، مؤمنا بأنه أوفى برسالته، وأن أخي قادر على حمل الأمانة من بعده. بالنسبة له، كانت عبارة «المقياس قطر» تعني أيضا إفساح المجال للقيادة الشابة لتتولى زمام المسؤولية. وفي آخر لحظاتي معه، حدثني عن مدى فخره بأخي. وبعد وفاته أدركت أن قراره بالتنازل عن الحكم، رغم غرابته في منطقتنا، كان القرار الصائب. فقد أعطى كل ما يستطيع تقديمه، وحان الوقت ليسلم المسؤولية إلى جيل جديد. كنت واحدة من الشباب الذين منحهم ثقته، لكنني قبل ذلك كنت ابنته، التي منحها من الدعم والتمكين بقدر ما منح أبناءه الذكور. منذ طفولتي، لم يسمح لي أن أؤمن بوجود حدود لما أستطيع تحقيقه. علمني السباحة، والغوص، والقيادة، ولعب الورق، والتنس، والسفر، والحب، والضحك، والحياة، والأهم من ذلك كله: العطاء. شجعني على الدراسة في الولايات المتحدة، ثم في باريس، وكان يدفعني دائما إلى آفاق أوسع. وفي كل صيف كان يهيئ لي فرص التدريب العملي، ولم أتردد يوما في اتباع نصيحته، لأنه كان يعرفني أكثر من أي شخص آخر. إذا اتصل بي وشعر أنني لست بخير، كان يطمئن علي يوميا، وإذا لاحظ شيئا في نبرة صوتي كان يقول ببساطة: «صوتك مب عاجبني». كان والدي قويا ورقيقا في الوقت نفسه، عميق الشخصية ورفيع الفكر. كان يتمتع بحدس مميز، ويعطي كل ذي حق حقه. وكان يبحث عن أصحاب الكفاءة لقيادة المشاريع المختلفة، فإذا اختار أحدا منحه الثقة الكاملة ومكّنه من النجاح. كنت أتحدث معه باستفاضة عن المشاريع التي أعمل عليها، وكان يفاجئني بقدرته على تذكر التفاصيل عندما يعود ليسألني لاحقا عن تطوراتها. ولم تكن هذه العناية مقتصرة عليّ، بل كان كل من حوله يشعر بها. امتلك والدي مواهب كثيرة، لكن أعظمها بالنسبة لي كانت قدرته على الإصغاء والاهتمام بالناس. في اليوم التالي لتخرجي من الجامعة عام 2005 بدأت العمل معه. وخلال أيام قليلة كنا نسافر حول العالم، من شيكاغو إلى نيويورك، ومن طوكيو إلى سنغافورة. كانت طاقته تفوق الوصف، وإصراره الدائم يدفع الجميع إلى الأمام. وكان لكل قرار يتخذه معنى عميق. كنت في الثالثة والعشرين من عمري عندما طلب مني تولي مسؤولية متحف الفن الإسلامي. وأتذكر جيدا أنه في اليوم التالي لافتتاح المتحف نظر إليّ وسألني ببساطة: «ما هو المتحف التالي الذي سنفتتحه؟» لم يكن هناك وقت للاحتفال بما تحقق، بل كان التركيز دائما على الخطوة التالية. فقد كان يرى أن البنية التحتية الثقافية ليست مجرد مبانٍ، بل محرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وجودة الحياة، وتطور الإنسان. كان يدفعني دائما إلى الاجتهاد، ويبقيني متواضعة، وقبل كل شيء إنسانة حقيقية. وكان يحب أن يضحك على نفسه، وعلمني أن أفعل الشيء نفسه. ثقته في اتخاذ القرار ومواجهة التحديات منحتني الثقة لأفعل ذلك أيضا. لقد علمني كل ما أعرفه، ليس بالمواعظ، وإنما بالقدوة. عندما تولى الحكم، ألغى الرقابة الإعلامية، وأنشأ قناة الجزيرة. وأعتقد أن هذا كان أكثر إنجاز يفخر به، ليس لقطر فقط، بل للعالم العربي بأسره. كان يريد الارتقاء بحياة العرب، وأن يعيشوا بكرامة، وأن يمتلكوا صوتا مؤثرا في الإعلام، والتعليم، والثقافة، والسينما، والرياضة، وغيرها. وكان يؤمن بالحوار لحل النزاعات، ويملك الصبر للاستماع إلى آراء الآخرين. ولم يكن يعتبر الاختلاف مواجهة، بل كان يشجعنا على قول الحقيقة، والبحث عن الرأي الصائب حتى نصل إلى الحل. وكانت القرارات تُتخذ دائما وفق ما يخدم مصلحة قطر، لا وفق الميول الشخصية. فقطر تستحق الأفضل، وكل ما يجب عمله ينبغي أن يُنجز بأفضل صورة ممكنة. وفي كل عصر، كان يقود سيارته ليتفقد المشاريع الجديدة والأحياء السكنية، وأحيانا يتوقف عند بيوت الناس ليسأل عن أحوالهم. ظل قريبا من شعبه، وكأنهم جميعا أبناؤه. فلم يكن هناك طفل أو كبير، مواطن أو مقيم، يشعر أنه بعيد عن حضوره أو عن ابتسامته. وراء القائد صاحب الرؤية، كان هناك ببساطة زوج مخلص، وأب محب، وجد حنون. كان يكنّ لوالدتي احتراما بالغا، ويثني دائما على دورها الكبير في تربيتنا وخدمة المجتمع. وكانت القيم التي يطالب بها في العمل هي نفسها التي يطالب بها داخل المنزل. لم تكن الإجازات وقتا للكسل، بل كان يوقظنا باكرا لنستثمر كل يوم، ويغرس فينا روح الانضباط. وكانت موائد الغداء تجمع السياسيين، والمفكرين، والكتّاب، والفنانين، والأصدقاء القدامى. كان والدي كريما بقلبه، ووقته، واهتمامه، وفضوله المعرفي. لا يضيع لحظة من عمره، ولا يجعل أحدا يشعر بأنه أقل أهمية منه. وكان كثيرا ما يعرّف نفسه ببساطة قائلا: «أنا حمد». وبابتسامته الدافئة وعينيه البنيتين المفعمتين بالود، كان لقاء واحد أو حديث واحد كافيا ليترك أثرا لا يُنسى. عندما يأتي الموت، لا يبقى إلا الحب والإرث. وفي أيام الحداد، بينما يتوافد الناس من مختلف أنحاء العالم إلى قطر لتقديم العزاء، أرى أعظم إنجاز تركه والدي: وطنٌ موحد، يجتمع أبناؤه ومحِبّوه من القريب والبعيد على الحزن لفقده. وأفضل طريقة لتكريمه هي أن نبقى متحدين، ومركزين، ومنضبطين، وعازمين على تقديم الأفضل لوطننا ولمنطقتنا. وستظل ثقته المطلقة وفخره بأخي مصدر إلهام لنا، لنواصل تحقيق ما يبدو مستحيلا، وأن نبقى ثابتين على هدفنا دون أن تشتتنا الأمور الجانبية. لذلك، عندما نعود إلى أعمالنا، فلنعمل بجد أكبر، متذكرين ما كان ينتظره منا: أن نكون أفضل نسخة من أنفسنا، وأن نخدم وطننا بأفضل ما نستطيع، وأن نظل متواضعين، ولطفاء، وكرماء، ومضيافين كما عهدنا أنفسنا. رحم الله والدي، ولتظل ذكراه ترشدنا طوال حياتنا
1896
| 19 يوليو 2026