رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اقترنت حياتي بالكتاب، ذلك ما كنتُ أردّده لكلّ شخصٍ مقرّب إليّ، فعلى امتداد مسيرتي الدبلوماسيّة والثقافيّة، تعرّفت على مدنٍ كبرى وثقافات ولغات وشخصيّات، وفي كلّ أسفاري وجولاتي وتنقّلاتي من مكان إلى آخر ومن مسؤوليّة إلى أخرى، ظلّ الكتاب هو الرفيق الذي لا يُفارقني. وكلّما زرتُ بلدًا إلاّ وفكّرتُ في الاطلاع على أهمّ كتبه، وزيارة مكتباته. تحوّل الكتاب منذ صباي إلى هاجسٍ، حتّى أنّي لم أدخل باب الكتابة إلاّ من باب القراءة. تدرّبتُ طويلاً على القراءة، ومع هذا التدرّب كان عليّ أن أحيا مع الكتب، فأجمع ما راق لي منها، وأبحث فيها عن حكمة العابرين من أجداد الإنسانيّة الذين تركوا لنا إرثًا في جميع الآداب والفنون، بعد أن تنبّهتُ في بداية شبابي إلى أنّ حفظ الملوك والسلاطين في الحضارات القديمة للكتب في الخزائن هو علامة على أنّ الكتاب يفوق المعادن النفيسة في القيمة والأثر.
المكتبة ليست خزانة كتب
كانت مصادر الحكمة تُخفى في الخزائن ولا تُعرض في المكتبات. تذكّرتُ كيفَ أخفى ملك الهند دبشليم كتاب «كليلة ودمنة» الذي صنّفه الفيلسوف بيدبا في آداب الحُكم وأجراه على لسان الحيوانات، وكيف سارع ملك الفرس كسرى أنوشروان في طلبه من خلال تكليف الطبيب برزويه للسفر إلى الهند وإخراج الكتاب المخفيّ وترجمته لتكون حكمته بيد الفرس، وكيفَ نجح برزويه في مهمته وانتهت إلى إخفاء الكتاب في خزانة ملك الفرس، كأنّما قُدّر للحكمة أن يُزجّ بها في عتمة الخزائن. فكّرت طويلا في رمزيّة ذلك. واستزدت من الاطلاع على تجارب الأمم في التعامل مع الكتاب، ونظرتُ بعين الفخر إلى ما سلكه العرب في هذا الطّريق.
كانت مكتبة «بيتُ الحكمة» علامةً مضيئة في تاريخنا، أكاد أجزمُ أنّها «ملحمة» أبطالٍ آمنوا بأنّ المعرفة صراعٌ دائمٌ ضدّ ظلمات الجهل. كنتُ أتساءلُ: ما الذي كان سيحدثُ للعرب لو لم يقم العباسيّون بإنشاء هذا الصّرح الذي لم يكن مجرّد مكتبة أو خزانة كتب ومركز للترجمة؟ كانت مكتبة «بيت الحكمة» مركز إشعاع ثقافي، وجسر حوار بين الثقافة العربيّة الإسلاميّة والثقافات الأخرى، ولولاها لما استطاع العربُ التقدّم في نيل المعارف والعلوم، فقد ضربوا آنذاك أسمى معاني تبادل الثقافات وقبول الآخر الفكري، قبل مئات السنين من رفع شعارات «الحداثة» اليوم، والتوجّهات الأمميّة. في ذلك العصر العباسي تجسّمت مُثل الحوار الحضاري، وصارت بغداد أشبه بوردة تنشر رائحتها الزكيّة على كامل أنحاء المعمورة، مثلما غدا للأوروبيين لاحقًا مدينة فلورنسا التي وهبت أوروبا رائحة النّهضة. لقد بلغ إشعاع بيت الحكمة الأندلس، وأطنب الكتاب والإخباريّون العرب في وصف ما كانت تزخر به، فقد قال عنها القلقشندي في كتابه صبح الأعشى في صناعة الإنشاء:» كان فيها من الكتب ما لا يُحصى كثرة، ولا يقوم عليه نفاسة، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتار بغداد، وقتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر خلفائهم ببغداد، فذهبت خزانة الكتب فيما ذهبَ وذهبت معالمها، وأعفيت آثارها». وبيّن القلقشندي أنّ «بيت الحكمة» هي أوّل دار كتب حكوميّة في الحضارة الإسلاميّة، وهي واحدة من ثلاث دور أثّرت في مسار الثقافة العربيّة الإسلاميّة، إلى جانب خزانة الخلفاء الفاطميين بمصر وخزانة خلفاء بني أميّة بالأندلس.
لقد أشرتُ في كتابي» على قدر أهل العزم» إلى مزيّة المأمون الكبرى حين حوّل «خزانة الكتب» التي أنشأها المنصور إلى «بيت الحكمة»، فالخزانة ليست غير مستودع للكتب بينما البيت يفترض وجود سكّان به، أي تتدفّق فيه الحيويّة والنشاط ومن ذلك ما عُرف به «بيت الحكمة» من نشاط للعلماء من مختلف الأجناس واللغات في علامة لاحتضان حوار الحضارات بين الحضارة العربيّة الإسلاميّة والحضارات الهنديّة واللاتينيّة واليونانيّة والسنسكريتيّة وغيرها.
وقد حرصتُ حين كانت الدّوحة عاصمة للثقافة العربيّة عام 2010 أن يكون العرض الافتتاحي عن «بيت الحكمة» لما أؤمن به وأتوقّعه من أنّ الدّوحة عاصمة للمعرفة ولما يحمله بيت الحكمة من دلالة، وهذا نراه اليوم جليّا في عاصمتنا من اهتمام بالثقافة وما تنتهجه قطر في تسليط الأضواء على هذا البعد.
وفي العهد الفاطمي شهد العرب إنشاء مكتبة الفاطميين، فكانوا يرون فيها عجيبةً من عجائب الدّنيا، فاحتوت على آلاف الكتب من جميع العلوم، ومن الوقائع التي ظلت مقترنة بها، في علامةٍ على نفائس ما احتوته، أنّ العالم أبي الصّلت أميّة بن عبد العزيز الإشبيلي (1067-1134م) الذي أتى مصر فعاش فيها عشرين سنة، مقرّبا من الوزير الفاضل شاهنشاه بن بدر الدين الجمّالي، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر باللّه، وبسبب افتراء واحد من حاشية الفاضل حُبس لثلاث سنوات في المكتبة، فأخذ ينهل من معارفها ودرس مخطوطاتها، فخرج منها وقد أضحى من العلماء وبعد أن ألّف كتابه «الحديقة» على أسلوب «يتيمة الدّهر» للثعالبي.
وتواصل الاهتمام بالمكتبات في الأندلس، خاصّة في عهد بني أميّة، فجمع الحكم المستنصر (915-976م) ثاني خلفاء الأندلس أربعمائة ألف مجلّد، وجمع بداره الحرفيّين من أهل صنعة النسخ والوراقة والتجليد، وأرسل رجاله بحثا عن نفائس المخطوطات في مراكز الثقافة الإسلاميّة فكانوا يشترون المؤلّفات من الكُتاب وينشرونها في الأندلس قبل أن تظهر في العراق أو الشام أو مصر. وسار الأندلسيّون عامّة على نحو ما سار عليه حكّامهم من تقدير لمنزلة الكتاب والمكتبات في الحياة العامّة. كان إنشاء المكتبات وليد الحركة العلميّة والأدبيّة والفكريّة التي عاشتها البيئة الأندلسيّة، فنشاط المكتبات هو انعكاسٌ لما في الحياة الثقافيّة الأندلسيّة من حراك، وهي تُسهم في ترويج مضامين تلك الحياة مثلما ساهمت في تطوير حركة تأليف الكتاب وكلّ الصّنائع المجاورة لها. وتنوّعت المكتبات في الأندلس في مجتمع شاعت فيه القراءة بين جميع طبقاته، فكانت المكتبات الملحقة بالمساجد، والمكتبات العامة، ومكتبات القصور، ومكتبات الوجهاء والأعيان. إنّنا حين تنفحّص الرقيّ الحضاري للأندلسيين لا يُمكننا عزله عن واقع المكتبات آنذاك، فلم تكن المكتبة عنصرا ثانويّا في حياة الأندلسيين، بل جزءا من حياتهم اليوميّة، حتّى إنّ سوق الكتاب في قرطبة تعتمد على «المزاودة»، فالكتاب بضاعةٌ قيّمةٌ مبثوثة في اقتصاد المجتمع الأندلسي، وهو ما لمسه ياقوت الحموي ( 1178-1229) بقوله «إنّ الكتب كان يُنادى عليها بالمُزاودة».
ولكنّ تاريخ المكتبات العربيّة لم يسلم من المآسي، مثلما لم يسلم الفكر الحضاري العربي الإسلامي من محاولات إقصائه عن دوره الطلائعي في الثقافة الإنسانيّة، فقد شهد ذلك التاريخ في فترات مختلفة وبأيدٍ داخليّة وخارجيّة حرقًا وهدما للمكتبات، فهدمت مكتبة بيت الحكمة من طرف المغول عام 1258م، الذين ألقوا الكتب في نهر دجلة، وطالت النّار كتب ابن رشد في الأندلس مثلما هُدمت فيها المكتبات ممّا جعل بولسترون يعترف بأمانة في كتابه الشيّق «كتب تحترق، تاريخ هدم المكتبات»:» لقد عاشت قرطبة في القرن العاشر أكبر تجربة مرعبة لحرق المكتبات في القرون الوسطى كلّها».
وتعكس لنا وقائع هدم المكتبات وحرقها عبر التاريخ تلك الأهمية التي تمثّلها المكتبات في صناعة المجتمعات وفي حفظ ماضيها والتعبير عن حاضرها، وهو ما دفع بأعداء الحياة والمعرفة على أعمال الهدم والحرق، لأنّ المكتبة تشكّل الكيان الاعتباري لثروة أمّة ما من الأمم. ذلك أنّا لمكتبات ارتبطت منذ القديم بهذه الفكرة الجوهريّة: لا تقدّم للإنسانيّة إلاّ بمدى تقدّم معارفها.
المكتبة رحلة معرفة
تُعدّ المكتبة منبعا للمعرفة، بل حصنها الحصين، فهي تمنح القارئ والباحث عامّة القدرة على الدّخول إلى مصادر المعرفة الورقيّة أو الرقميّة، وكثيرا ما يشعر فيها بالأمان، لأنّها تعبير ملموس عن الكلمة المفتاحيّة «اقرأ» التي وهبت حضارتنا دافعيّة الوجود، فجعلت حياة المجتمعات متّصلة بالمعرفة، وعبّرت أيضا عن الشّرط الأساسي للتقدّم والبناء الحضاري.
كنتُ أفكّر دائما بشأن تلك الصّلة المُشوّقة بين المكتبة والاكتشاف، فالعيش في مكتبة أشبه بقبول المغامرة بلقاء من لا تعرف، وقبول باستضافة المختلف. لذلك صمّمت على أن تكون مكتبتي جزءا من مجلسي الشّخصي، فتكون جلسات النقاش والتفكير بين روّاد المجلس في بيئة الكتاب، ويكون التعارف بين الجميع نوعا من استحضار الهدف من القراءة وجمع الكتب وهو اكتشاف المعرفة التي دفع الإنسان ثمنها باهظا على امتداد تاريخه.
طالما استعدتُ رواية «اسم الوردة» للكاتب الإيطالي إمبرتو إيكو حين اعتبر أنّ « الكتب أحلام» وهو يستدعي جرائم تسميم الرّهبان في دير أثناء تصفّحهم لكتاب أرسطو، حيثُ تُعاقب الكنيسة في القرون الوسطى بشكل رمزي كلّ من تُسوّل له نفسه بالاطلاع على معرفة تعارض آراءها وتفتح العقول آنذاك. ففي أحد الأديرة يتولّى الرهبان نسخ الكتب اللاهوتيّة، وإذا ما فكّر أحد منهم قراءة كتاب الفلسفة في مكتبة الدّير سرّا يُواجه مصير الموت مسموما، بعد أن عمد كبيرُ الرهبان على نسخ الكتاب بالحبر المسموم. وقد وجدتُ في الحيلة التي استخدمها إيكو لبناء أحداث روايته وبلوغ مقصده شيئا مقاربًا لذلك في الليلة الخامسة من كتاب «ألف ليلة وليلة» حين شفى حكيمٌ الملك بعد سقمه فقرّبه الملك منه ممّا أثار حقد وزيره فأوغر قلبه على الحكيم الأمر الذي دفع الملك إلى إعلان رغبته في التخلّص من الحكيم فأعلمه بأنّه سيعدمه، وإذا بالحكيم يطلب الذهاب إلى بيته قبل الإعدام ليجلب كتابا يهديه له، وما إن عاد بالكتاب حتّى أخذ الملك يتصفّحه فكان يبلّ إصبعه بريقه ويوّرق الصّفحات إلى أن ماتَ مسموما. وقد أدركت على امتداد مسيرتي الفكريّة أنّ عالم الكتاب والمكتبة من العوالم التي تبني إنسانيّة الإنسان، لذلك يخشاها أعداء التفاعل الحضاري بين الأمم.
وفي استقراء لتاريخ مكتبات الغرب وأثر المكتبة في بناء نهضتهم، عدت لتذكّر ما أقبل عليه الكاتب الإيطالي بترارك (1304-1374) الذي أسّس جماعة الإنسانيين في عصر النهضة، فقد عاد إلى الآداب الكلاسيكيّة رغم موقف معاصريه منها، وقام برحلات واتصالات للحصول على المخطوطات فصار صائدا لها، واعتمد على نفسه في تحقيقها ودراستها، إذ كان يؤمن بأنّه لا معنى لتجميع الكتب دون أن ينتفع بها الجامع. كانَ شغوفا بالكتب فأنشأ مكتبة خاصّة عظيمة، وجعلَ عليها حرّاسًا، حتّى أنّه وُجد لشدّة ولعه بالكتاب ميّتا على الأرض وبجانبه كتاب مفتوح كان يُطالعهُ. وواصل «الإنسانيّون» من بعده عملية جمع المخطوطات الكلاسيكيّة اللاتينيّة واكتشاف ذخائر ما تُرك إثر سقوط الامبراطوريّة البيزنطيّة يدفعهم العطش إلى المعرفة. كنتُ أستعيدُ ذلك العصر بما فيه من حماسةٍ لتلقّف المخطوطات بمخيال من يُتابع مغامرة الإنسان في تحصيل المعرفة.
إنّ هاجس بترارك ومن قبله العرب المسلمين، لم يكن مُجرّد تحصيل الكتب وجمعها، فقد كانت المكتبات صروحا للمُثل والقيم الإنسانيّة المشتركة أيضا. فالمكتبات حاضنة لكلّ القيم الإنسانيّة التي تدعو إلى التعايش وتقارب الثقافات والحضارات واحترام الهويّات والآخر عموما، وهي قيم تحقّق تنمية حقيقيّة للمجتمع لأنّها تجعله متوازنا مع نفسه مثلما تجعله منفتحا على العالم. وبقدر ما تُشجّع على المعرفة والانفتاح على الآخر، فإنّها تدعو إلى الإبداع بما تحمله من معارف لا يؤخذ لمجرّد استظهار المعلومات. وكلّما استعدت هذه المعاني السامية لما تهبه المكتبات للإنسان ظللت أتساءلُ عن مصير المكتبات في العصر الشبكي، فهل تستمرّ المكتبات في أدوارها السابقة أم تسير اليوم في اتّجاه مجهول؟.
المقال القادم: المكتبات في العصر الرقمي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3426
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3195
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1236
| 01 أكتوبر 2026