رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
اقترنت حياتي بالكتاب، ذلك ما كنتُ أردّده لكلّ شخصٍ مقرّب إليّ، فعلى امتداد مسيرتي الدبلوماسيّة والثقافيّة، تعرّفت على مدنٍ كبرى وثقافات ولغات وشخصيّات، وفي كلّ أسفاري وجولاتي وتنقّلاتي من مكان إلى آخر ومن مسؤوليّة إلى أخرى، ظلّ الكتاب هو الرفيق الذي لا يُفارقني. وكلّما زرتُ بلدًا إلاّ وفكّرتُ في الاطلاع على أهمّ كتبه، وزيارة مكتباته. تحوّل الكتاب منذ صباي إلى هاجسٍ، حتّى أنّي لم أدخل باب الكتابة إلاّ من باب القراءة. تدرّبتُ طويلاً على القراءة، ومع هذا التدرّب كان عليّ أن أحيا مع الكتب، فأجمع ما راق لي منها، وأبحث فيها عن حكمة العابرين من أجداد الإنسانيّة الذين تركوا لنا إرثًا في جميع الآداب والفنون، بعد أن تنبّهتُ في بداية شبابي إلى أنّ حفظ الملوك والسلاطين في الحضارات القديمة للكتب في الخزائن هو علامة على أنّ الكتاب يفوق المعادن النفيسة في القيمة والأثر.
المكتبة ليست خزانة كتب
كانت مصادر الحكمة تُخفى في الخزائن ولا تُعرض في المكتبات. تذكّرتُ كيفَ أخفى ملك الهند دبشليم كتاب «كليلة ودمنة» الذي صنّفه الفيلسوف بيدبا في آداب الحُكم وأجراه على لسان الحيوانات، وكيف سارع ملك الفرس كسرى أنوشروان في طلبه من خلال تكليف الطبيب برزويه للسفر إلى الهند وإخراج الكتاب المخفيّ وترجمته لتكون حكمته بيد الفرس، وكيفَ نجح برزويه في مهمته وانتهت إلى إخفاء الكتاب في خزانة ملك الفرس، كأنّما قُدّر للحكمة أن يُزجّ بها في عتمة الخزائن. فكّرت طويلا في رمزيّة ذلك. واستزدت من الاطلاع على تجارب الأمم في التعامل مع الكتاب، ونظرتُ بعين الفخر إلى ما سلكه العرب في هذا الطّريق.
كانت مكتبة «بيتُ الحكمة» علامةً مضيئة في تاريخنا، أكاد أجزمُ أنّها «ملحمة» أبطالٍ آمنوا بأنّ المعرفة صراعٌ دائمٌ ضدّ ظلمات الجهل. كنتُ أتساءلُ: ما الذي كان سيحدثُ للعرب لو لم يقم العباسيّون بإنشاء هذا الصّرح الذي لم يكن مجرّد مكتبة أو خزانة كتب ومركز للترجمة؟ كانت مكتبة «بيت الحكمة» مركز إشعاع ثقافي، وجسر حوار بين الثقافة العربيّة الإسلاميّة والثقافات الأخرى، ولولاها لما استطاع العربُ التقدّم في نيل المعارف والعلوم، فقد ضربوا آنذاك أسمى معاني تبادل الثقافات وقبول الآخر الفكري، قبل مئات السنين من رفع شعارات «الحداثة» اليوم، والتوجّهات الأمميّة. في ذلك العصر العباسي تجسّمت مُثل الحوار الحضاري، وصارت بغداد أشبه بوردة تنشر رائحتها الزكيّة على كامل أنحاء المعمورة، مثلما غدا للأوروبيين لاحقًا مدينة فلورنسا التي وهبت أوروبا رائحة النّهضة. لقد بلغ إشعاع بيت الحكمة الأندلس، وأطنب الكتاب والإخباريّون العرب في وصف ما كانت تزخر به، فقد قال عنها القلقشندي في كتابه صبح الأعشى في صناعة الإنشاء:» كان فيها من الكتب ما لا يُحصى كثرة، ولا يقوم عليه نفاسة، ولم تزل على ذلك إلى أن دهمت التتار بغداد، وقتل ملكهم هولاكو المستعصم آخر خلفائهم ببغداد، فذهبت خزانة الكتب فيما ذهبَ وذهبت معالمها، وأعفيت آثارها». وبيّن القلقشندي أنّ «بيت الحكمة» هي أوّل دار كتب حكوميّة في الحضارة الإسلاميّة، وهي واحدة من ثلاث دور أثّرت في مسار الثقافة العربيّة الإسلاميّة، إلى جانب خزانة الخلفاء الفاطميين بمصر وخزانة خلفاء بني أميّة بالأندلس.
لقد أشرتُ في كتابي» على قدر أهل العزم» إلى مزيّة المأمون الكبرى حين حوّل «خزانة الكتب» التي أنشأها المنصور إلى «بيت الحكمة»، فالخزانة ليست غير مستودع للكتب بينما البيت يفترض وجود سكّان به، أي تتدفّق فيه الحيويّة والنشاط ومن ذلك ما عُرف به «بيت الحكمة» من نشاط للعلماء من مختلف الأجناس واللغات في علامة لاحتضان حوار الحضارات بين الحضارة العربيّة الإسلاميّة والحضارات الهنديّة واللاتينيّة واليونانيّة والسنسكريتيّة وغيرها.
وقد حرصتُ حين كانت الدّوحة عاصمة للثقافة العربيّة عام 2010 أن يكون العرض الافتتاحي عن «بيت الحكمة» لما أؤمن به وأتوقّعه من أنّ الدّوحة عاصمة للمعرفة ولما يحمله بيت الحكمة من دلالة، وهذا نراه اليوم جليّا في عاصمتنا من اهتمام بالثقافة وما تنتهجه قطر في تسليط الأضواء على هذا البعد.
وفي العهد الفاطمي شهد العرب إنشاء مكتبة الفاطميين، فكانوا يرون فيها عجيبةً من عجائب الدّنيا، فاحتوت على آلاف الكتب من جميع العلوم، ومن الوقائع التي ظلت مقترنة بها، في علامةٍ على نفائس ما احتوته، أنّ العالم أبي الصّلت أميّة بن عبد العزيز الإشبيلي (1067-1134م) الذي أتى مصر فعاش فيها عشرين سنة، مقرّبا من الوزير الفاضل شاهنشاه بن بدر الدين الجمّالي، في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر باللّه، وبسبب افتراء واحد من حاشية الفاضل حُبس لثلاث سنوات في المكتبة، فأخذ ينهل من معارفها ودرس مخطوطاتها، فخرج منها وقد أضحى من العلماء وبعد أن ألّف كتابه «الحديقة» على أسلوب «يتيمة الدّهر» للثعالبي.
وتواصل الاهتمام بالمكتبات في الأندلس، خاصّة في عهد بني أميّة، فجمع الحكم المستنصر (915-976م) ثاني خلفاء الأندلس أربعمائة ألف مجلّد، وجمع بداره الحرفيّين من أهل صنعة النسخ والوراقة والتجليد، وأرسل رجاله بحثا عن نفائس المخطوطات في مراكز الثقافة الإسلاميّة فكانوا يشترون المؤلّفات من الكُتاب وينشرونها في الأندلس قبل أن تظهر في العراق أو الشام أو مصر. وسار الأندلسيّون عامّة على نحو ما سار عليه حكّامهم من تقدير لمنزلة الكتاب والمكتبات في الحياة العامّة. كان إنشاء المكتبات وليد الحركة العلميّة والأدبيّة والفكريّة التي عاشتها البيئة الأندلسيّة، فنشاط المكتبات هو انعكاسٌ لما في الحياة الثقافيّة الأندلسيّة من حراك، وهي تُسهم في ترويج مضامين تلك الحياة مثلما ساهمت في تطوير حركة تأليف الكتاب وكلّ الصّنائع المجاورة لها. وتنوّعت المكتبات في الأندلس في مجتمع شاعت فيه القراءة بين جميع طبقاته، فكانت المكتبات الملحقة بالمساجد، والمكتبات العامة، ومكتبات القصور، ومكتبات الوجهاء والأعيان. إنّنا حين تنفحّص الرقيّ الحضاري للأندلسيين لا يُمكننا عزله عن واقع المكتبات آنذاك، فلم تكن المكتبة عنصرا ثانويّا في حياة الأندلسيين، بل جزءا من حياتهم اليوميّة، حتّى إنّ سوق الكتاب في قرطبة تعتمد على «المزاودة»، فالكتاب بضاعةٌ قيّمةٌ مبثوثة في اقتصاد المجتمع الأندلسي، وهو ما لمسه ياقوت الحموي ( 1178-1229) بقوله «إنّ الكتب كان يُنادى عليها بالمُزاودة».
ولكنّ تاريخ المكتبات العربيّة لم يسلم من المآسي، مثلما لم يسلم الفكر الحضاري العربي الإسلامي من محاولات إقصائه عن دوره الطلائعي في الثقافة الإنسانيّة، فقد شهد ذلك التاريخ في فترات مختلفة وبأيدٍ داخليّة وخارجيّة حرقًا وهدما للمكتبات، فهدمت مكتبة بيت الحكمة من طرف المغول عام 1258م، الذين ألقوا الكتب في نهر دجلة، وطالت النّار كتب ابن رشد في الأندلس مثلما هُدمت فيها المكتبات ممّا جعل بولسترون يعترف بأمانة في كتابه الشيّق «كتب تحترق، تاريخ هدم المكتبات»:» لقد عاشت قرطبة في القرن العاشر أكبر تجربة مرعبة لحرق المكتبات في القرون الوسطى كلّها».
وتعكس لنا وقائع هدم المكتبات وحرقها عبر التاريخ تلك الأهمية التي تمثّلها المكتبات في صناعة المجتمعات وفي حفظ ماضيها والتعبير عن حاضرها، وهو ما دفع بأعداء الحياة والمعرفة على أعمال الهدم والحرق، لأنّ المكتبة تشكّل الكيان الاعتباري لثروة أمّة ما من الأمم. ذلك أنّا لمكتبات ارتبطت منذ القديم بهذه الفكرة الجوهريّة: لا تقدّم للإنسانيّة إلاّ بمدى تقدّم معارفها.
المكتبة رحلة معرفة
تُعدّ المكتبة منبعا للمعرفة، بل حصنها الحصين، فهي تمنح القارئ والباحث عامّة القدرة على الدّخول إلى مصادر المعرفة الورقيّة أو الرقميّة، وكثيرا ما يشعر فيها بالأمان، لأنّها تعبير ملموس عن الكلمة المفتاحيّة «اقرأ» التي وهبت حضارتنا دافعيّة الوجود، فجعلت حياة المجتمعات متّصلة بالمعرفة، وعبّرت أيضا عن الشّرط الأساسي للتقدّم والبناء الحضاري.
كنتُ أفكّر دائما بشأن تلك الصّلة المُشوّقة بين المكتبة والاكتشاف، فالعيش في مكتبة أشبه بقبول المغامرة بلقاء من لا تعرف، وقبول باستضافة المختلف. لذلك صمّمت على أن تكون مكتبتي جزءا من مجلسي الشّخصي، فتكون جلسات النقاش والتفكير بين روّاد المجلس في بيئة الكتاب، ويكون التعارف بين الجميع نوعا من استحضار الهدف من القراءة وجمع الكتب وهو اكتشاف المعرفة التي دفع الإنسان ثمنها باهظا على امتداد تاريخه.
طالما استعدتُ رواية «اسم الوردة» للكاتب الإيطالي إمبرتو إيكو حين اعتبر أنّ « الكتب أحلام» وهو يستدعي جرائم تسميم الرّهبان في دير أثناء تصفّحهم لكتاب أرسطو، حيثُ تُعاقب الكنيسة في القرون الوسطى بشكل رمزي كلّ من تُسوّل له نفسه بالاطلاع على معرفة تعارض آراءها وتفتح العقول آنذاك. ففي أحد الأديرة يتولّى الرهبان نسخ الكتب اللاهوتيّة، وإذا ما فكّر أحد منهم قراءة كتاب الفلسفة في مكتبة الدّير سرّا يُواجه مصير الموت مسموما، بعد أن عمد كبيرُ الرهبان على نسخ الكتاب بالحبر المسموم. وقد وجدتُ في الحيلة التي استخدمها إيكو لبناء أحداث روايته وبلوغ مقصده شيئا مقاربًا لذلك في الليلة الخامسة من كتاب «ألف ليلة وليلة» حين شفى حكيمٌ الملك بعد سقمه فقرّبه الملك منه ممّا أثار حقد وزيره فأوغر قلبه على الحكيم الأمر الذي دفع الملك إلى إعلان رغبته في التخلّص من الحكيم فأعلمه بأنّه سيعدمه، وإذا بالحكيم يطلب الذهاب إلى بيته قبل الإعدام ليجلب كتابا يهديه له، وما إن عاد بالكتاب حتّى أخذ الملك يتصفّحه فكان يبلّ إصبعه بريقه ويوّرق الصّفحات إلى أن ماتَ مسموما. وقد أدركت على امتداد مسيرتي الفكريّة أنّ عالم الكتاب والمكتبة من العوالم التي تبني إنسانيّة الإنسان، لذلك يخشاها أعداء التفاعل الحضاري بين الأمم.
وفي استقراء لتاريخ مكتبات الغرب وأثر المكتبة في بناء نهضتهم، عدت لتذكّر ما أقبل عليه الكاتب الإيطالي بترارك (1304-1374) الذي أسّس جماعة الإنسانيين في عصر النهضة، فقد عاد إلى الآداب الكلاسيكيّة رغم موقف معاصريه منها، وقام برحلات واتصالات للحصول على المخطوطات فصار صائدا لها، واعتمد على نفسه في تحقيقها ودراستها، إذ كان يؤمن بأنّه لا معنى لتجميع الكتب دون أن ينتفع بها الجامع. كانَ شغوفا بالكتب فأنشأ مكتبة خاصّة عظيمة، وجعلَ عليها حرّاسًا، حتّى أنّه وُجد لشدّة ولعه بالكتاب ميّتا على الأرض وبجانبه كتاب مفتوح كان يُطالعهُ. وواصل «الإنسانيّون» من بعده عملية جمع المخطوطات الكلاسيكيّة اللاتينيّة واكتشاف ذخائر ما تُرك إثر سقوط الامبراطوريّة البيزنطيّة يدفعهم العطش إلى المعرفة. كنتُ أستعيدُ ذلك العصر بما فيه من حماسةٍ لتلقّف المخطوطات بمخيال من يُتابع مغامرة الإنسان في تحصيل المعرفة.
إنّ هاجس بترارك ومن قبله العرب المسلمين، لم يكن مُجرّد تحصيل الكتب وجمعها، فقد كانت المكتبات صروحا للمُثل والقيم الإنسانيّة المشتركة أيضا. فالمكتبات حاضنة لكلّ القيم الإنسانيّة التي تدعو إلى التعايش وتقارب الثقافات والحضارات واحترام الهويّات والآخر عموما، وهي قيم تحقّق تنمية حقيقيّة للمجتمع لأنّها تجعله متوازنا مع نفسه مثلما تجعله منفتحا على العالم. وبقدر ما تُشجّع على المعرفة والانفتاح على الآخر، فإنّها تدعو إلى الإبداع بما تحمله من معارف لا يؤخذ لمجرّد استظهار المعلومات. وكلّما استعدت هذه المعاني السامية لما تهبه المكتبات للإنسان ظللت أتساءلُ عن مصير المكتبات في العصر الشبكي، فهل تستمرّ المكتبات في أدوارها السابقة أم تسير اليوم في اتّجاه مجهول؟.
المقال القادم: المكتبات في العصر الرقمي
اضبط لسانك
انتبه! احفظ لِسانَكَ أَيُّها الإِنسانُ لا يَلدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعبانُ تشبيه بليغ لبيان خطورة الكلام الجارح الساقط أياً كان... اقرأ المزيد
54
| 09 يوليو 2026
بين دفتي الجغرافيا والمصير.. إعادة تعريف «البيت الخليجي»
لم تعد الجغرافيا في القرن الحادي والعشرين مجرد حدودٍ ترسمها الخرائط، بل أصبحت مسرحًا لخيارات وجودية معقدة. في... اقرأ المزيد
39
| 09 يوليو 2026
هل الكفاءة تكفي للقيادة؟
حين الحديث عن القيادة ومعاييرها، تطرح عدة أسئلة نفسها على طاولة النقاش، منها: ■ هل الكفاءة وحدها في... اقرأ المزيد
63
| 09 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3798
| 04 يوليو 2026
ليست الإجازة الصيفية مجرد أيام تُطوى بعيداً عن الدراسة، وليست فترة فراغ تُستهلك بين النوم الطويل والشاشات الممتدة وساعات الانتظار، في الحقيقة هي موسم استثنائي لصناعة الشخصية، وفرصة ثمينة لإعادة اكتشاف المواهب وتنمية القدرات وبناء القيم التي قد لا تجد المساحة الكافية خلال العام الدراسي. ولهذا السبب تحرص الدولة، من خلال مؤسساتها وهيئاتها ومراكزها المتخصصة، على تقديم عشرات البرامج والأنشطة والفعاليات التي تستهدف مختلف الفئات العمرية، وتراعي احتياجات الأبناء والبنات، وتمنحهم بيئة آمنة ومفيدة تجمع بين المتعة والفائدة. لقد بذلت الجهات المعنية في الدولة من وزارات ومؤسسات ومراكز وجمعيات جهوداً كبيرة في تصميم برامج صيفية متنوعة تشمل المجالات الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والتطوعية والتقنية، مع مراعاة أن تكون في متناول الأسر من حيث التكلفة والوقت والمكان. كما رُوعي أن تتمكن أكبر شريحة ممكنة من أفراد المجتمع من الاستفادة منها، وأن تكون الأعباء المالية محدودة بحيث لا تشكل عائقاً أمام مشاركة الأبناء. ولذلك لم يعد هناك مبرر حقيقي لترك الأبناء أسرى الفراغ أو رهن ساعات طويلة أمام الأجهزة الإلكترونية، بينما تتوافر أمامهم فرص حقيقية للتعلم والنمو واكتساب الخبرات. إن مشاركة الأبناء في الأنشطة الصيفية ليست ترفاً، بل استثمار طويل الأمد في مستقبلهم. فكل مهارة يتعلمها الطفل اليوم قد تتحول غداً إلى موهبة متميزة أو مشروع ناجح أو مسار مهني واعد. وكل قيمة إيجابية يكتسبها من خلال العمل الجماعي أو التطوع أو تحمل المسؤولية سترافقه طوال حياته. كما أن هذه البرامج تسهم في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية مهارات التواصل، وترسيخ روح المبادرة والاعتماد على الذات. ومن المؤسف أن ينظر بعض أولياء الأمور إلى هذه الأنشطة على أنها مجرد وسائل لملء الوقت، بينما هي في الواقع أدوات تربوية وتعليمية متقدمة. فالدول المتقدمة تدرك أن بناء الإنسان لا يقتصر على التعليم النظامي داخل المدارس، بل يمتد إلى كل تجربة تثري الفكر وتصقل الشخصية. ولذلك تستثمر كثير من المجتمعات الناجحة في برامج النشء والشباب خلال الإجازات الصيفية بمبالغ وجهود كبيرة، إدراكاً منها أن الطالب في هذه الفترة يكون أكثر استعداداً للتجربة والاكتشاف، وأكثر تقبلاً للتعلم عندما يُقدم له بأسلوب تفاعلي ممتع بعيد عن ضغوط الاختبارات والواجبات. والجميل في الأنشطة الصيفية الحديثة أنها لم تعد تقدم المعرفة بصورة تقليدية جامدة، بل أصبحت تمزج بين الترفيه والتعليم بطريقة احترافية تجعل الأبناء يتعلمون وهم يستمتعون. فالطفل قد يكتسب مهارات القيادة من خلال لعبة جماعية، ويتعلم مبادئ البرمجة عبر ورشة تفاعلية، ويكتشف أهمية العمل التطوعي من خلال مبادرة مجتمعية، وكل ذلك في أجواء محفزة وممتعة. إن المسؤولية اليوم لا تقع على الجهات المنظمة وحدها، بل تبدأ من الأسرة التي تملك القرار الأول في توجيه أبنائها نحو الاستفادة من هذه الفرص. فكما نحرص على نجاح أبنائنا الدراسي، يجب أن نحرص على بناء شخصياتهم وتنمية مهاراتهم واستثمار أوقاتهم فيما يعود عليهم بالنفع. الإجازة الصيفية ستمضي سريعاً، لكن أثرها قد يبقى سنوات طويلة. وبين صيف يضيع في الفراغ وصيف يُبنى فيه الإنسان، يكمن الفرق بين وقت مستهلك ووقت مستثمر. والقرار في النهاية يبدأ من الأسرة، لأنها الشريك الأول في صناعة جيل أكثر وعياً وقدرةً وإسهاماً في خدمة وطنه ومجتمعه.
2937
| 07 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1527
| 02 يوليو 2026