رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أتذكر عندما كنا طلابا صغارا قرأنا وحفظنا قصيدة «اللغة العربية» الخالدة لشاعر النيل حافظ إبراهيم- متغنياً بروعة وعبقرية لغة الضاد- لغة القرآن الكريم وأهل الجنة بأغنى وأوسع مفردات بين لغات العالم. اللغة العربية، لغة القرآن الكريم وأهل الجنة، التي يتمنى تعلمها أكثر من مليار ونصف المليار مسلم من غير الناطقين باللغة العربية. تتميز بثرائها الهائل تصل كلمات اللغة العربية لحوالي 12.3 مليون كلمة. متجاوزةً بكثير عدد كلمات الإنجليزية 600 ألف كلمة. وعدد كلماتها في القرآن الكريم حوالي 51,900 كلمة. وتُعد اللغة العربية بمقارنتها باللغات الأخرى-من أغنى لغات العالم، وحتى بجذورها التي تصل لـ 16 ألف جذر لغوي.
من أبيات قصيدة «اللغة العربية» للشاعر حافظ إبراهيم:
وَسِعتُ كِتابَ اللَهِ لَفظاً وَغايَةً... وَما ضِقتُ عَن آيٍ بِهِ وَعِظاتِ
فَكَيفَ أَضيقُ اليَومَ عَن وَصفِ آلَةٍ... وَتَنسيقِ أَسماءٍ لِمُختَرَعاتِ
أَنا البَحرُ في أَحشائِهِ الدُرُّ كامِنٌ... فَهَل سَاءَلُوا الغَوَّاصَ عَن صَدَفاتي
فَيا وَيحَكُم أَبلَى وَتَبلَى مَحاسِني... وَمِنكُم وَإِنْ عَزَّ الدوَاءُ أُسَاتي
فَلا تَكِلوني لِلزَمانِ فَإِنَّني... أَخافُ عَلَيكُم أَن تَحينَ وَفاتي
أَرى لِرِجالِ الغَربِ عِزّاً وَمَنعَةً... وَكَم عَزَّ أَقوامٌ بِعِزِّ لُغاتِ
لغة الضاد … لغة القرآن الكريم بحر في أحشائه الدر كامن..
نبارك ونهنئ قطر الشقيقة إنجاز معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربية- Doha
Historical Dictionary-بمبادرة كريمة ودعم من سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني-أمير دولة قطر-أنجز المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بعد جهد ومثابرة مع علماء اللغة العربية على مدى ثلاثة عشر عاما من العمل الدؤوب، إنجازا حضاريا مميزا وواحدا من أهم مساهمات دولة قطر-بمبادراتها ودعمها القضايا العربية والإسلامية والثقافية بما يخدم العرب والمسلمين.
خاصة لكون اللغة العربية من اللغات الرسمية الستة المعتمدة في الأمم المتحدة. وواحدة من أهم اللغات الأوسع انتشارا في العالم. واللغة الرسمية لاثنتين وعشرين دولة عربية. واللغة الأم لحوالي 500 مليون شخص، إضافة لعشرات الملايين الناطقين باللغة العربية في الدول الإسلامية والمستشرقين والعديد من المتخصصين في علم اللغات في الشرق والغرب. كما تعد اللغة العربية لغة القداديس الدينية في كنائس المسيحيين العرب. كما مكّنت اللغة العربية إقامة الحوار بين الثقافات على طريق الحرير القديم.
ومن إنجازات اللغة العربية دورها المهم في ترجمة ونقل الموروث الثقافي والفلسفي من الإغريق والرومان. وفي الوقت نفسه لعبت دورا رئيسيا في انتاج المعارف في الطب والعلوم وعلم الفلك والكيمياء والبصريات. ومن العلماء العرب والمسلمين البارزين الذين أثروا الحضارات العربية والغربية-ابن سيناء في الطب والفلسفة-والرازي في الطب-وابن رشد في الفلسفة والطب، والخوارزمي (علم الخوارزميات الذي يشكل العامود الفقري لعلم الذكاء الاصطناعي مشتق من اسم عالم الرياضيات الخوارزمي) والبيروني في علم الفلك. وجابر بن حيان في الكيمياء وابن الهيثم في علم البصريات. أثرت ترجمة إنجازات هؤلاء العرب والمسلمين لنقل تلك العلوم إلى الثقافة والعلوم الأوروبية التي كانت غارقة في العصور الوسطى. ما ساهم بنهضة أوروبا في الطب والفلك والرياضيات والعلوم. بعدما صارت انجازاتهم مراجع أساسية في جامعات الغرب على مدى قرون. وكانت أهم جامعات الغرب-جامعة قرطبة في الأندلس.
تقديرا لدور وأهمية اللغة العربية-اعتمدت الأمم المتحدة تحديد يوم 18 ديسمبر من كل عام منذ عام 1973-للاحتفال بـ «اليوم الدولي للغة الأم» الاحتفال باللغة العربية في 18 ديسمبر-بجعل اللغة العربية ضمن اللغات الرسمية الستة المعتمدة رسيما في الأمم المتحدة.
للاحتفال والتذكير بأهمية وتاريخ اللغة العربية وثقافاتها وتطورها.
لهذا كله نتوجه بالشكر ونبارك لدولة قطر الإنجاز التاريخي المميز-»معجم الدوحة التاريخي للغة العربية» للعرب والمسلمين ولغير الناطقين باللغة العربية كلغة. ليكون المعجم مرجعا مهما وملهما للجيل الحالي وللأجيال القادمة. ليبقى المعجم إرثاً خالدا قابلا للتطوير والإضافة والاستزادة ولبنة مهمة وإضافة نوعية للغة
العربية- لغة القرآن الكريم. ليبقى إرث اللغة العربية الوعاء الحضاري والثقافي ما دامت الحياة.
كما لا يفوتنا الإشارة والإشادة بمنجز مهم تقدمه قطر للعالم العربي متمثلا بـ «جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي. التي كرمت الفائزين في دورتها الحادية عشرة لعام 2025. وكانت جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي انطلقت في دولة قطر عام 2015. وتكمن أهمية الجائزة بأنها «أكبر جائزة ترجمة عالمية تهدف إلى بناء جسور التفاهم بين الثقافات. بدعم وتشجيع الترجمة من وإلى اللغة العربية، وتكريم المترجمين، بجوائز تتجاوز مليونين دولار سنوياً. وتقدير دورهم في نشر المعرفة والحوار الإنساني، وإثراء المحتوى الثقافي والمكتبة العربية بالترجمات القيمة من لغات العالم وإثراء التراث العالمي». وتشمل فئات الترجمة بين العربية والإنجليزية ولغات عالمية: التركية، الإسبانية، الفرنسية، الألمانية. وجائزة إنجاز للمشاريع الكبرى.
تستمر قطر مراكمة مزيدا من الإنجازات على مختلف الأصعدة الثقافية والسياسية والدبلوماسية. كما في حقل الوساطات وحل النزاعات. ابرزها وأهمها الوساطة لوقف حرب إسرائيل على غزة، برغم جميع العقبات وخروق الاتفاقيات واستمرارها بقتل الفلسطينيين، والمماطلة والتسويف واختراع الذرائع الواهية. حتى باتت دولة قطر لاعبا مؤثرا، وتطلب دول عديدة وساطتها لحل النزاعات وآخرها بين الكونغو ورواندا. والكونغو وحركة 23 مارس، وحتى بين روسيا وأوكرانيا.
وحققت قطر إنجازات غير مسبوقة في مجال مختلف أنواع الرياضة. باستضافة الفعاليات الرياضية العالمية. وتابعنا بفخر وإعجاب استضافة قطر بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022-والتي شكلت إنجازا يحسب لقطر. أول دولة خليجية وعربية وفي العالم الإسلامي تنجح وتتميز باستضافة أهم حدث رياضي على مستوى العالم. كما تابعنا وعلى مدى شهر كامل فعاليات استضافة ملاعب قطر كأس العرب… التي فازت المغرب بها. شكراً قطر... وإلى المزيد من الإنجازات والتميز.
من يحاسب الرادار؟
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في الأصل، لم تُخلق المتابعة لتكون هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة... اقرأ المزيد
1164
| 31 مارس 2026
اليمن غير مؤهل للحرب
أخيرا وقع ما اعتقدنا أنه سوف يحصل عاجلا أم آجلا وتدخلت اليمن في الحرب الإسرائيلية الإيرانية رغم عدم... اقرأ المزيد
222
| 31 مارس 2026
جغرافيا على حافة الاختناق الرقمي
لحظات التوتر الكبرى لا تغيّر العالم بقدر ما تكشفه، تتراجع مشاهد القوة التقليدية، ليظهر ما هو أعمق: بنية... اقرأ المزيد
165
| 31 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال زمان الدمار كان هاجس إعادة الإعمار حاضراً بقوة في أذهان صانعي القرار، قد تكون الحرب اختباراً للقدرات والإمكانات وللقدرة على الصبر وتحمُّل أعباء خسائر الحرب من قتل ودمار ولكن صانعي القرار ومن هو مسؤول عن دولة وعن نظام وعن شعب يجب أن يظل حاضراً في ذهنه ماذا بعد الحرب، فقد عانت إيران من الحصار لأكثر من 40 سنة مما دفع بالكثير من بنيتها التحتية وبنية قطاع الطاقة للتهالك خلال تلك الفترة، فإذا جاءت الحرب بدمارها من جديد فإن موضوع الإعمار إن كان قبل الحرب ضرورة فإنه بعد الدمار وبعد الحرب ضرورة قصوى، كما عانت إسرائيل من دمار سنين الحرب السابقة للحرب على إيران ويزداد الدمار يوماً عن يوم وبوتيرة متسارعة يدفع للتساؤل من أين سيأتي الإعمار. عندما تضع الحرب أوزارها ستكون إيران منهكة كلياً وتحتاج للإعمار، في الوقت نفسه أمريكا لم تعد قادرة على الإعمار فأعباء الديون على أمريكا يجعلها في خطر فقدان القدرة على الوفاء بخدمة الدين وفقدان جدارتها الائتمانية التي استمتعت بها على مدى عقود وعقود ولذلك فتوقع أي إعمار من أمريكا توقع يفتقد للموضوعية، وإسرائيل في نفس المعضلة ولذلك من سيكون قادراً على الإعمار سوى دول الخليج لوفرة رؤوس الأموال وعمق صناديق الاستثمار والاحتياطات الكبيرة المتوفرة في القطاع المصرفي والمصارف المركزية لديها والقدرات في تجاوز تبعات الحرب بشكل سريع، ولذلك مراعاة أمن دول الخليج من قبل الأطراف المتحاربة كونها ليست طرفا في الحرب فهي ضرورة أساسية لما بعد الحرب، إذن من يملك القدرة على الإعمار هي دول الخليج، فمن الحكمة لصناع القرار من البيت الأبيض وطهران وغيرها الأخذ في الحسبان عدم توتير العلاقة مع دول المنطقة والعمل على عدم تجاوز الخطوط الحمراء بالنسبة لدول الخليج. إذا أراد النظام الإيراني البقاء فهو يعلم أنه ملزم بتوفير ما يطلبه الشعب الإيراني ما بعد الحرب من إعمار ومستشفيات وغذاء واقتصاد وعملة مستقرة، هل سيكون قادرا لوحده على الإيفاء بمتطلبات الشعب الإيراني بعد الحرب، فترامب أقصى الحلفاء واستهزأ بهم وادعى أنه لا يحتاج أحداً فأمريكا لديها القدرات والإمكانات أن تعمل ما تريد ورأيناه حين أغلق مضيق هرمز يبحث عن دعم الحلفاء ويضرب أخماسا بأسداس على أنهم تبرأوا منه حين الحاجة، فهل ستجد إيران نفسها بعد الحرب بحلفاء قادرين على إعمار ودعم الاقتصاد الإيراني والاستثمار فيه أم ستكون وحيدة تضرب أخماسا بأسداس على أنه ليس هناك من له رغبة في إعمار إيران أو الاستثمار فيها. قد يعتقد البعض أن إيران استطاعت أن تتحمل الحصار الاقتصادي وكانت قادرة على الاستمرار في تلك الظروف ولأنها استمرت لفترات طويلة استطاع الشعب الإيراني التعايش معها ولو أنه كان هناك فترات فقد فيها مثل هذا الهدوء فعندما تتراجع العملة بشكل كبير ويرتفع معدل التضخم لدرجات غير مسبوقة فإن الشعب الإيراني يخرج في الشوارع. فما حدث في الأربعين سنة الماضية شيء وما سيحدث بعد وقف الحرب مباشرة شيء آخر سيكون كل يوم ما بعد الحرب معادلا لفترة ما قبل الحرب، فالدمار وحضور مثل هذا الدمار أمام التجار وأمام السوق وأمام الشعب سيبعث على التشاؤم وإن حدث هذا دون أي أفق يبعث على الأمل سنرى تراجع التومان العملة الإيرانية كما لم نره سابقا وستزداد معدلات التضخم بشكل غير مسبوق وسيفقد الناس الأمل في حياة أفضل ولذلك سيفقد النظام قدرته على إدارة الدولة، أما إذا كان هناك رؤية لمشاريع إعمار فانها ستكون الداعم الحقيقي للنمو الاقتصادي والنشاط الاقتصادي وسيملأ الناس الأمل بأنه ما بعد الحرب هو وضع أفضل مما قبل الحرب فإن طغى على الناس الإحساس بالأمل وبالعمل وبالاستثمار سيكون هناك استتباب في إيران، أما إذا طغى التشاؤم وفقد الناس الأمل قد تفقد إيران الكثير من وحدتها لأن كل منطقة سترى أنها أقدر على إدارة شأنها الاقتصادي وأن طهران لم تعد قادرة على مد يد العون. وما لم تحققه أمريكا وإسرائيل في حربهما لتفكيك إيران سيتحقق ما بعد الحرب إذا لم يكن هناك مشاريع إعمار، كل يوم تستمر فيه الحرب تزداد فيه الحاجة للإعمار، فكما عمَّرَت قطر بقيادة الأمير الوالد جنوب لبنان في حرب 2006 من سيعمر جنوب لبنان ومن سيعمر إيران وإلى أي مدى غزة والضفة وإيران وجنوب لبنان سيكونون في حاجة ماسة للدعم ولمشاريع الإعمار.
4521
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2472
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1950
| 24 مارس 2026