رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مما جاء عن التابعي الحسن البصري رحمه الله، قال: إنما الدنيا ثلاثة أيام، مضى أمسٌ بما فيه، وغداً لعلك لا تدركه، فانظر ما أنت عامل في يومك.
الأيام الدنيوية إذن ثلاثة، ماض وحاضر ومستقبل، أو الأمس واليوم والغد، بحكم القوانين والسنن الكونية، والحركة المستمرة للكون والأفلاك والأجرام فيه، ولأن الزمن يتغير، تتغير معه الأشياء، والأفكار، والمفاهيم، لا شيء يخلد ويبقى سوى ذكر الله.
الأمس الذي كنت تعايشه بكل لحظاته، فات وفرط وأصبح ماضياً لا يمكنه أبداً أن يرجع، ولا يمكنك بالمثل إعادته، فإن كنت أحسنت فيه واستثمرت لحظاته، فلا شك أنت المستفيد، وإن أسأت وأضعت أوقاته، فأنت المتضرر الأول كذلك، ولا أحد غيرك، هذه حقيقة كلنا يدركها وإن حاولنا تجاهلها أحياناً.
الأمس لن يفيدك الحزن عليه وعلى ما راح وولى وضاع خلاله.. ومثلما لن يفيدك البكاء على أمسك، فإنه كذلك لن يفيدك انتظار غدك أو المستقبل، القريب منه والبعيد، وأعني بالانتظار ها هنا أن تحمل همه وتشغل حواسك وفكرك ومن حولك من الناس والأشياء، بالقلق والتوتر وحمل همومه، بعيداً عن التخطيط الواعي والمحمود له، والمدرك لحقائق الحياة في نفس الوقت، فلعلك لا تدركه كما قال البصري، وربما الذي أنت قلق بشأنه وتحمل همه وتنغص على نفسك وغيرك يومك وحاضرك، لن يقع بالشكل الذي تتخيله أو كما صورته بذهنك، وقد لا يقع أي شيء من ذلك بتاتاً.. فلا تهدر وقتك سدى وأنت تنتظر غدك بأوهام وخيالات وتواكل على هذا وذاك وتلك، بل اعقلها وتوكل على الله.
الأهم من الأمس والغد، أن تعيش لحظتك ويومك بعقل حاضر واع، حاضرك هو الفعل الجاري الذي تعيشه بتفاصيله، ويمكنك في الوقت ذاته السيطرة عليه بعض الشيء أو التفاعل والتعامل الفوري معه لحين من الدهر لا يطول وقبل أن يدخل عالم الأمس وعالم الماضي. في حاضرك، عندك من الوقت الكثير لتعيشه بكل لحظاته، تستثمره وتستمتع به وتعيش حياتك كما أمرك ربك، ولكن في الوقت ذاته توقع كل جديد وكل مفاجئ.
مقدمة تمهيدية طويلة نوعاً ما، لكنها ضرورية لفهم كيفيات التعامل مع وقائع الحياة المتنوعة، ومنها المفاجآت، موضوع حديثنا اليوم، السارة منها والصادمة، إنك بفهمك لطبيعة أيام الدنيا الثلاثة، الأمس والغد والحاضر، يمكنك وضع أي حالة أو حادثة مفاجئة في خانتها المناسبة، تتعامل معها بشكل معين يتوافق مع طبيعة الحالة المفاجئة، بحيث لا يكون هناك إفراط ولا تفريط معها، لا في الأفعال ولا المشاعر.
نماذج من المفاجآت
إن اكتشفت فجأة أنك مصاب بمرض ما، عافانا الله وإياكم من الأمراض والعلل وشفى مرضانا ومرضاكم، فلا تبتئس كثيراً ولا ترفع صوتك من الأنين – كما يقول الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله - فإنك لست أول من يمرض، ولن تكون آخرهم كذلك، ولا يجب الدخول في عالم من اليأس والقنوط، بل تعامل معه على أنه اختبار من الله، أو فترة تطهيرية من الذنوب تقام لك في الدنيا، أو رسالة تذكيرية منه سبحانه على أهمية العافية والصحة، وضرورة عدم التفريط بها أو التعامل غير السوي مع الأبدان، التي خلقها الله لتؤدي عملها على أتم وجه.
إن تفاجأت ذات يوم بدخول ولد لك عالم العقوق عبر موقف ما، أو ابنة تبغي وضع قدم لها في عالم الانفلات، أو نشوزاً مفاجئاً من زوجة أو زوج، فلا يجب بادئ ذي بدء أن تسود غمامة فورية من الحزن عليك وعلى البيت كله، باعتبار أن البيوت لا تخلو من تلك المفاجآت، ولكن كلما كان التعامل هادئاً سوياً مع تلك المفاجآت، مع طلب المعونة والهداية من الله، قصرت مدة فاعليتها، وبدأت في الزوال والاختفاء التدريجي، والعكس صحيح.
إن صدمتك أخبار مفاجئة في مال لك تفيد بخسارتك في تجارة أو بورصة أو معاملة مالية ما، فلا تنزعج كثيراً رغم صعوبة الأمر، باعتبار أن النفس البشرية تحب المال حباً جماً. لكن مع ذلك، فإن الحكمة تقتضي في مثل تلكم الحالات، عدم إطالة مدة الانزعاج والضيق والحزن، ولا أقول بعدمها مطلقاً. ولكن بما أنها نزلت ووقعت وصارت محنة، فربما تكون داخلها منحة لن تشعر بها سريعاً، أو ربما كما أسلفنا، رسالة إلهية تستوجب منك إعادة النظر على ما أنت عليه في تعاملك مع المال، الذي هو مال الله أولاً وأخيراً، فقد يريد الله من تلك المفاجأة اختبار صبرك في أمر عزيز عليك وما أنت فاعله، المهم إذن هو حُسن إدارة تلك المفاجأة، فلست أول من يخسر ماله، ولن تكون آخر الخاسرين، ولكل جواد كبوة.
إن تفاجأت يوماً أن عدداً من أصدقائك قد بدا على معاملتهم لك بعض التغيير ولأي سبب كان، وبدأ بالتالي الواحد منهم تلو الآخر في الاختفاء التدريجي، وصولاً إلى تبريد الصداقة أو إنهائها، فلا تبتئس ها هنا أيضاً، ولا تحاول هدم ما كان بينك وبينهم سريعاً، حتى إن هم ساروا وابتعدوا، ولا تحاول كذلك الانتقاص منهم أو القيام بأفعال وسلوكيات تجاههم من تلك التي قد يعتقد أحدنا وهو في تلك الحالة المفاجئة، أنها فرصة للرد على ما بدر منهم تجاهك، الأمر طبيعي لا يستوجب ذلك الانتقام، أو الدخول في حالات من الكآبة والحزن والضيق، فالحياة ما زالت مليئة بالبشر، ومثلما تعرفت على كثيرين طوال حياتك، وقد استمر منهم من استمر، واختفى من اختفى، فالحكمة تقتضي ها هنا إذن، وفق تلك السُنّة الحياتية، التأقلم معها أولاً ومن ثم أن تتذكر دوماً بأن حياتك ستستمر، سواء بأصدقاء وزملاء حولك أو بدون أحد، والأهم من ذلك، أنك آتيه سبحانه يوم القيامة فرداً، أي لن يكون معك صاحب ولا صديق ولا عزيز، أنت وعملك الصالح، وهل هناك أعز من العمل الصالح يومئذ؟.
إن تفاجأت في مثال أخير، بتغير الحالة السياسية أو الاجتماعية أو غيرها في البلد الذي تعيش فيه، ووجدت صباحاً من يحكمها مثلاً ليس على هوى أهلها، أو فاجأتك سياسات اقتصادية أو مظاهر اجتماعية غريبة أو غيرها، فلا يجب أن تجزع وتفزع، بل المطلوب أن تتمالك وتترابط وتتجاسر مع آخرين لمواجهة الحالة، وبحث كيفية التعامل معها بحكمة ودراية، فإن كانت الأمور ميسرة للتغيير، فلا يجب النكوص عن المساهمة، وإن كان الوضع غير ذلك، فلا أقل إذن أن تنتظر وتتحين الفرصة المواتية للمشاركة في التغيير، وفق سنّة التدافع والصراع المستمر بين الخير والشر.
خلاصة الحديث
الحياة ما هي سوى وقائع وأحداث، قد تكون بعضها عادية وأخرى مفاجئة صادمة، وقد يتكرر الكثير منها وبنفس السيناريوهات أيضاً، والعاقل من اتعظ بالأمس، ورسم وخطط للغـد، دون أن يؤثر ذلك سلباً على معايشة حاضره لحظة بلحظة، على رغم أن هناك مدرسة تنادي اليوم بقبول الواقع بخيره وشره، وقوة تأثير هذه المدرسة على واقعنا المعاش، لكن هذا مخالف لطبيعة الإنسان وطبيعة الحياة وقوانينها، التي لا تعرف معنى للسكون، بل الحركة المستمرة، إلى ما شاء الله لها أن تكون.
ليس قبول الواقع في حياتنا هو الحل الأمثل لكثير من الأمور. نعم، ربما هذا الواقع يكون مفيداً والقبول به إيجابياً في بعض الأحيان، ولكن في أحايين كثيرة ليس شرطاً أن يكون كذلك، وبالتالي نجد أهمية التعامل الجاد معه لتغييره نحو الأفضل، سواء على المستوى الفردي أم العائلي أم المجتمعي، ولكن بحكمة وفهم وتأن.. وهذا المطلوب كذلك أن يكون مع المفاجآت الحياتية المتنوعة المستمرة، وما أكثرها.. والله دوماً وأبداً، كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3432
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3234
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1248
| 01 أكتوبر 2026