رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ضربنا في المقال السابق أمثلة على الطرق التي يعمل بها أعداء الإنسانية على إهلاك الحرث والنسل. واليوم نكمل مع لمحات عن مخططهم لإهلاك الضرع؛ الماشية بأنواعها وخاصة الأبقار. فكما أشرنا سابقا، هم ينفذون خطة الشيطان لمستقبل البشر، ويقررون للناس ما يجب أن يأكلوا ويشربوا وما يجب أن يمتنعوا عنه أو «يُمنعوا» منه، على طريق «صناعة المجاعة» التي شرحنا سابقا أنها من بين خططهم لتقليل عدد البشر و»صناعة الكفر».
لقد قرر أعداء الإنسانية في تحد وعناد لخالق الكون أن الأنعام التي خلقها للناس- «لكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون»- أصبحت خطرا على البيئة والكوكب، وأنه يجب التخلص منها، وإنتاج «لحوم معملية» بدلا منها! ليس ذلك فقط، بل والاعتماد على الحشرات لتعويض البروتين المفقود!.
وعلى العكس من إهلاك الزرع الذي بدؤوه انطلاقا من الدول الفقيرة، فإنهم يبدؤون إهلاك الضرع من الدول «المتقدمة». والسبب أن إهلاك الحرث، بتسميم البذور وتعديل الجينات، يستغرق أوقاتا طويلة لظهور نتائجه ويمكن التنصل منه بحجج عدة. أما قتل الماشية فهي جريمة تظهر نتائجها على الفور ولا يمكن تبريرها. وتدشينها من الشمال يكون ملزما بالطبع لبقية العالم حال نجاحهم فيه. لذلك فهم يسوقون حججا واهية لدى مجتمعاتهم- التي تم غسل أدمغة شعوبها بقسوة أكبر كثيرا من قسوتهم على شعوب ما يسمونها الدول المتخلفة- من قبيل أن الماشية، بما تطلقه من غاز الميثان، تساهم بنسبة كبيرة فيما يسمونه «الاحتباس الحراري».
ولتحقيق ذلك أصدرت أذرعهم المختصة في هذا الشأن ومنها منظمة الصحة العالمية، ومفوضية حقوق الإنسان، والاتحاد الأوروبي، في السنوات الأخيرة توصيات للدول بالعمل على خفض ما لديها من ثروات حيوانية بنسب كبيرة. وقال برنامج الأمم المتحدة للبيئة إن انبعاثات الغازات العالمية يجب أن تنخفض بنسبة 7.6 بالمئة سنويا حتى عام 2030 من أجل احتواء ارتفاع درجات الحرارة. كما تحولت منظمة الأغذية والزراعة «فاو» إلى بوق دعاية يروج للحشرات كبديل عن الماشية، ويروج موقع المنظمة لما يعده فوائد جمة للحشرات التي بدؤوا إدخالها بالفعل في كثير من المأكولات.
وتحت هذا الغطاء قامت هولندا، مثلا، متسلحة بحكم قضائي، له قصة، بإصدار قرارات بإغلاق أكثر من 11 ألف مزرعة حيوانات وإغلاق جزئي لنحو 17 ألفا أخرى. كما قررت تخصيص 25 مليار دولار، كتكلفة مبدئية لإغلاق 3000 مزرعة حيوانات، من أصل نحو 140 ألفا، بحلول 2030. أما قصة ذلك الحكم القضائي «المصنوع» فتشرح كثيرا من أبعاد الجريمة التي تُرتكب على مهل أمام أعين الجميع. ذلك الحكم تقف وراءه منظمة بيئية مشبوهة تسمي نفسها «أرجندا»، رفعت قضية ضد الحكومة عام 2013 تتهمها بالتقصير في حفظ أمن الهولنديين بيئيا، بعدم خفضها للغازات المنبعثة من مزارع الماشية، ليصدر الحكم لصالحها في ديسمبر 2019. وبالبحث في خلفيات تأسيس ونشاط «أرجندا» تلك تبين أنها تعمل وفق خطط «نادي روما» وهو إحدى جهات تخطيط وتنفيذ جريمة «المليار الذهبي»، وتقول إنها غير ربحية، فمن يمولها؟.
وفي أيرلندا تسعى الحكومة، وبحسب صحيفة «فارم وورلد»، للتخلص من 200 ألف بقرة خلال ثلاث سنوات، من أصل 7 ملايين بقرة. وفي الإطار نفسه، تقوم استراليا بعقر وقتل آلاف الجمال وحتى الخيول بدعوى إلحاقها أضرارا ببعض القرى لدى بحثها عن الماء. وفي العام الماضي أعدمت أعدادا كبيرة من الأغنام بعد تكاثرها وانخفاض أسعارها بنسبة كبيرة. وفي دول أوروبية أخرى وفي كندا والولايات المتحدة تسير الأمور في الاتجاه نفسه بتفاصيل لا تختلف كثيرا.
ورغم الاحتجاجات التي ينظمها المزارعون بلا توقف، فأعداء الإنسانية يواصلون خططهم لتغيير خلق الله بمحو الماشية وانتاج «لحوم معملية». الشخص «المُجَنَّد» لتنفيذ تلك الخطط، يقول في كتاب بعنوان «كيف نتجنب كارثة بيئية»، وعلى طريقة «الشيطان يعظ»، إن على الدول الغنية التحول بالكلية إلى تصنيع اللحوم المعملية رغم اعترافه، وتأكيد التجارب الأولية، بأن أسعارها ستكون عالية جدا، داعيا إلى استبعاد الدول ال80 الأكثر فقرا من الخطة!. وماذا يأكل هؤلاء بعد القضاء على الماشية؟ لا يهم..، أحسب أن هذا لسان حاله.
تلك الادعاءات الشيطانية فندها متخصصون مثل د. إيان سكونز في كتاب حديث بعنوان «الماشية والمناخ وسياسات الموارد». فهو يدحض بقوة كذبة تسبب الأبقار في زيادة الاحتباس الحراري، ويقول إن ما يتم ترويجه عن تصورات حديثة لمستقبل انتاج الغذاء وتحديدا اللحوم هو «ادعاء للعلم لا يخدم إلا مصالح الشركات الكبرى». وأكد باحثون آخرون أن ادعاءات تفضيل اللحوم «المعملية» على «الطبيعية» كاذبة لأن الأولى ستسبب إصابات سرطانية وستحتاج إلى كميات مخيفة من الطاقة. وهو ما أثبتته جامعة كاليفورنيا في دراسة أظهرت أن إنتاج اللحوم المعملية سيكون أخطر على البئية من «الطبيعية» بنحو 25 مرة. وخلصت دراسة أجراها أحد فروع جامعة أوكسفورد البريطانية، فبراير 2020، إلى أن صناعة «اللحوم المعملية» قد تتخطى اللحوم الطبيعية، كمصدر للاحتباس الحراري، على المدى البعيد. كما ذكر موقع ميديكال إكسبرس أن تصنيع اللحوم معمليا قد يسبب مشكلات في الخلايا المستزرعة تجعلها ملوثة بمسببات اضطراب الغدد الصماء.
إنهم ينقضون عرى الفطرة عروة عروة، ويسيرون في الخلق بعكس مراد الله في كل شيء. وهاهم يريدون أن يستبدلوا مصنوعاتهم من السيارات و»اللحوم المعملية»، بالأنعام التي خلقها الله، وصولا إلى صناعة المجاعة والمرض والتخلف وكل ما يؤدي إلى الكفر. يقول نجيب محفوظ في مؤلَفه «الشيطان يعظ» على لسان الجني لمبعوث الخليفة، «من يحكم بالإيمان لا يحتاج للشيطان»، وفي هذه أيضا سار أعداء الإنسانية في عكس الاتجاه.
حقوق المؤلف بين القانون ومسؤولية مجتمع
يحتفى هذا الشهر باليوم العالمي للكاتب وحقوق المؤلف، ليس هذا فحسب، بل يحتفى بالكلمة التي تصنع الوعي، وبالفكرة... اقرأ المزيد
33
| 28 أبريل 2026
الاعتداءات الإيرانية على الخليج والصهيونية على غزة وجهان لعملة واحدة
يقول الأكاديمي الكويتي الدكتور فيصل أبو صليب على قناة الجزيرة: (يجب ألّا تُنسينا الأحداث الحالية حقيقةً ثابتة، وهي... اقرأ المزيد
33
| 28 أبريل 2026
في زمن الأزمات ... من يكتب ولماذا؟
ليست الصحف مجرد صفحات تُطوى مع نهاية اليوم، بل هي سجل لما يختار مجتمع أن يقوله عن نفسه... اقرأ المزيد
39
| 28 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامي وباحث سياسي
ماجستير العلوم السياسية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أصبح ملاحظًا في الآونة الأخيرة تزايد شكاوى المعلمين وأساتذة الجامعات من سطحية بعض الطلاب وضعف قدرتهم على التحليل، بل وقلة اهتمامهم بالشأن العام وغياب الحس بالمسؤولية المجتمعية. وهذه الظاهرة لا يمكن إلقاء اللوم بها على المناهج أو أساليب التدريس، بل ترتبط بشكل كبير بغياب المتابعة الأسرية وانشغال الوالدين أو اعتمادهم الكامل على المؤسسات التعليمية لتأدية دور الوالدين أو توكيل الخدم بكل ما سبق، وهذه طامة أخرى سنأتي عليها لاحقًا. هل يُعقل أن طالبًا جامعيًا لا يعرف من وزير خارجية بلاده؟! وكم هي مساحة الدولة التي يعيش فيها؟! بل أكثر من ذلك، ففي مثل هذه الأيام التي تمر فيها المنطقة في صراع إقليمي وحرب تُغيّر خريطة العالم وتحالفاته وتقلب طاولة الاقتصاد رأسًا على عقب، هو لا يعرف من وكيف ولماذا، وهل هو مع أو ضد توجه معين أو رأي بلاده من كل هذا؟! وبسبب ما سبق عملنا مع بعض الزملاء مسحًا سريعًا للبحث عن هذه الأسباب، فتبيّن أن الأم والأب يقضيان أكثر من ٤ ساعات يوميًا على الهاتف بين برامج التواصل الاجتماعي بما لا ينفع بل بما يضر أحيانًا، ولم نحسب ساعات متابعة الأفلام والمسلسلات ضمن هذا. إن مسؤولية تربية الأبناء لا يمكن تفويضها أو التهرب منها. فتربية الأبناء ليست ما تنتجه المدارس أو المعاهد أو الجامعات، بل هم انعكاس لبيئة كاملة تبدأ بالأسرة. وإذا أردنا جيلًا واعيًا مثقفًا وقادرًا على تحمل مسؤولياته فعلينا أن نعيد الاعتبار لدور الوالدين، وأن ندرك أن التربية الحقيقية تُبنى في البيت أولًا ثم تُستكمل في بقية مؤسسات المجتمع. لأن التربية ليست مهمةً يمكن اختصارها في مؤسسة واحدة أو جهة رسمية بعينها. ومن هنا فإن إلقاء المسؤولية على وزارة التربية والتعليم فيما يتعلق بمستوى الأبناء الفكري والسلوكي والثقافي، هو طرحٌ ناقص يُغفل الدور الجوهري الذي يقع على عاتق الوالدين أولًا ثم بقية مكونات المجتمع. الأسرة هي النواة الأولى التي تتكون فيها شخصية الطفل، وهي البيئة التي يتعلم فيها القيم الأساسية والدينية قبل أن يتعلم الحروف والأرقام. في البيت يتعلم الأبناء معنى المسؤولية واحترام الوقت وأهمية المعرفة والقدرة على الحوار. فإذا نشأ الطفل في بيئة تشجعه على التساؤل وتمنحه مساحة للتعبير وتعطيه قدرًا من الثقة والشعور بالمصداقية وتتابع اهتماماته الدراسية والثقافية، فإنه يدخل المدرسة والجامعة وهو يحمل أدوات التفكير والفهم لا مجرد قابلية للحفظ والتلقين. أما إذا غاب هذا الدور فإننا نجد أنفسنا أمام طالب يفتقر إلى الأساس الذي يُبنى عليه كل شيء. فحين يجلس الأب أو الأم مع الأبناء لمناقشة حدثٍ ما أو كتابٍ قرأوه أو فكرةٍ سمعوها، فإنهم يزرعون فيهم بذور التفكير النقدي، ويعلمونهم كيف يكونون جزءًا من مجتمعهم لا مجرد متفرجين عليه، كما أن للشارع والأصدقاء دورًا لا يقل أهمية، فهم يشكلون جزءًا من البيئة التي يتفاعل معها الأبناء يوميًا. لذلك فإن اختيار الصحبة الصالحة، وتوجيه الأبناء نحو الأنشطة المفيدة، ومتابعة سلوكهم خارج المنزل، كلها أمور تقع ضمن مسؤولية الوالدين. إضافة إلى ذلك، فإن وسائل الإعلام ومؤسسات الدولة المختلفة تتحمل دورًا تكامليًا في تعزيز القيم الثقافية والاجتماعية من خلال تقديم محتوى هادف، وخلق بيئات داعمة للنمو الفكري. إن التربية مشروعٌ مشترك تتكامل فيه الأدوار ولا تتقاطع. فوزارة التربية والتعليم تؤدي دورًا مهمًا في تنظيم العملية التعليمية وتوفير المناهج والتربية كذلك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع وعيًا أو تبني شخصية متكاملة. هذا الدور يبدأ من البيت حيث تتشكل القيم ويتأسس الفكر ويتعلم الأبناء أين يقفون في هذا العالم المتغير من حولهم.
3135
| 22 أبريل 2026
من خلال متابعتنا للمستجدات الصادرة في الثامن من أبريل ٢٠٢٦، حول تحديث قواعد الضريبة الانتقائية بموجب القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٢٦، بداية فإن موضوع الضريبة الانتقائية بشكل خاص لا يتعلق بمفهوم الزيادة في الأسعار ولا السعر الجبري الذي تفرضه الدولة بالمعنى الشائع؛ بل هو آلية تنظيمية تلقائية للأسعار تعني ببعض السلع الانتقائية والذي يحفز الفرد على الاستغناء عنها أو تقليلها تدريجياً وهي خطوة ذكية لتعزيز المناعة المجتمعية. هذا التعديل الذي أصدره سمو الأمير يأتي في وقت تضغط فيه الأزمات العالمية على موازنات الدول، مما يجعل صحة الناس والبيئة المحيطة بمثابة الحصن الحقيقي، خصوصاً في زمن الحروب والظروف الجيوسياسية المتقلبة. فالدولة التي يمتلك أفرادها صحة جيدة، وميزانية لا تهدر في فواتير علاج الأمراض المزمنة، هي الأقدر على الصمود في وجه أي تحديات عالمية. وحسب ما هو مفهوم من هذه الأداة الاقتصادية والتحديث المقصود، نجد أن الضريبة الانتقائية هي ضريبة تُفرض على سلع محددة تضر الصحة أو البيئة عموماً. والهدف ليس تحصيل العوائد فحسب، بل تشجيع الناس على تغيير عاداتهم واستبدال المشروبات المليئة بالمحليات المضافة، سواء كانت سكراً طبيعياً أو بدائل صناعية، ببدائل طبيعية ومفيدة أكثر. كما أن هذا التوجه يتماشى مع سياسات دول مجلس التعاون الخليجي، التي بدأت تتحرك ككتلة واحدة لحماية أسواقها، والضغط على الشركات العالمية لتقديم منتجات أكثر جودة وصحة لمنطقتنا. إن جوهر هذا القانون والذي سيبدأ تطبيقه في يوليو ٢٠٢٦، لا يهدف لتقييد خيارات الناس، بل لإعادة هيكلة هذه الخيارات داخل المنظومة الاقتصادية. فالسوق لا يزال مفتوحاً للجميع وعادات الاستهلاك غير مقيدة لكن القواعد تغيرت؛ حيث صار المشروب المحلى يتحمل تكلفته الصحية مسبقاً عبر الضريبة الانتقائية. والجديد هنا هو الاعتماد على النموذج الحجمي، أي أن الضريبة تُحسب بناءً على كمية السكر أو المحليات في كل ١٠٠ ملل من محتوى المنتج. وللتوضيح، المشروب الذي تشتريه الآن بـ ٤ ريالات قد يصل سعره إلى ٥ أو ٥.٥٠ ريال إذا كان محتفظاً بنسبة سكر مرتفعة، بينما ستحافظ المشروبات قليلة التحلية على أسعارها الحالية أو قد تفرض عليها النسبة الدنيا من الضريبة، نظراً لانخفاض كثافة المحليات مقارنةً بنظيراتها المشبعة بالسكر، مما يدفع الشركات لتغيير مكوناتها لتبقى منافسة في السعر. هذا التغيير يفتح باباً للمنافسة العادلة، فالنموذج الحجمي يلغي الأفضلية السعرية التي كانت تُنسب عادةً للمشروبات الرخيصة المليئة بالسكر على حساب البدائل الصحية المبتكرة. اليوم المنافسة صارت على الجودة والابتكار، وهذا يحفز مصانعنا الوطنية لتقديم منتجات صحية منافسة محلياً وعالمياً. أما عن المردود المادي فالدولة في هذا السياق تنهض مرتين؛ الأولى عبر تنويع الدخل لدعم الخدمات العامة والبنية التحتية، والثانية عبر توفير المليارات التي كانت تُصرف على علاج السكري والسمنة والأمراض الأخرى المرتبطة باستهلاك السكاكر بشكل مفرط. ولضمان الشفافية خصص القانون نسبة ١٪ من هذه الضريبة لميزانية وزارة الصحة لتمويل برامج التوعية المختلفة، بينما تذهب بقية العوائد لدعم المشاريع الوطنية، مما يجعل المنتج الضار وسيلة لتمويل البناء والنهوض بالمجتمع. وباعتبار هذه الرؤية هي الركيزة لتعزيز الأمن القومي الغذائي والصحي؛ أضحت الوقاية التي ندركها من روح وجوهر هذا القانون خط الدفاع الأول ضد الأزمات، والمجتمع القوي صحياً هو المحرك الحقيقي لاقتصاد صامد في ظل أي ظرف، يحمي سيادة الوطن وصحة مكوناته الوطنية وأجياله القادمة.
954
| 24 أبريل 2026
ليس الحديث عن اليمن ترفًا سياسيًا، بل هو حديث عن عمق إستراتيجي لا يمكن تجاهله في معادلة مجلس التعاون. فاليمن بحكم موقعه وتاريخه ليس جارًا عابرًا، بل امتداد طبيعي للجزيرة العربية، وحاضنة بشرية يمكن أن تشكّل رافدًا مهمًا لدول الخليج. وقد أشار إلى هذه الحقيقة عدد من كتّاب الخليج، ولعل من أبرز ما قيل في ذلك ما عبَّر عنه الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله، حين قال إن اليمن قدره أن يكون في هذه البقعة من الجزيرة العربية، ولا يمكن إغفال هذا الواقع. وفي خضم التحديات والنزاعات التي تواجه دول الخليج، يصبح من الضروري إعادة النظر في بعض التصورات التي تختزل اليمن في كونه عبئًا اقتصاديًا أو مصدر إنفاق. هذه النظرة قصيرة المدى، تتجاهل المكاسب الإستراتيجية بعيدة الأثر. ولنا في تجربة إعادة توحيد ألمانيا مثال واضح؛ إذ لم تتردد ألمانيا الغربية في ضم الشرقية بعد سقوط جدار برلين، رغم الكلفة الاقتصادية الكبيرة، لأنها نظرت إلى المآلات الإستراتيجية لا إلى الخسائر الآنية. إن اليمن اليوم يمثل: خزانًا بشريًا يمكن أن يرفد دول الخليج بالعمالة العربية الماهرة فرصة لبناء منظومة تعليمية متخصصة تُخرّج كوادر تخدم المنطقة امتدادًا صناعيًا محتملًا، خصوصًا في مجالات قد يصعب توطينها داخل الخليج كالصناعات الحربية. كما أن الاستثمار في اليمن يساهم في إعادة التوازن الديموغرافي، وتقليل الاعتماد المفرط على العمالة غير العربية، بما يحفظ الهوية الثقافية والاجتماعية لدول الخليج. الخلاصة أن اليمن ليس عبئًا، بل فرصة مؤجلة… وفرصة كهذه، إن لم تُدرك في وقتها، قد تتحول إلى تحدٍّ يصعب تداركه.
687
| 27 أبريل 2026