رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يرجع فشل الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي في قدر كبير منه إلى عدم حسم العلاقة بين مفهومي التحرر السياسي والعلمنة. فقد استهدفت العديد من القوى المدنية (العلمانية) التي شاركت في الثورة تحررا سياسيا وتحررا من الدين في الوقت ذاته، وبناء عليه فقد كان فوز التيار الإسلامي بنصيب الأسد في الاستحقاقات الانتخابية التي تلت الموجة الأولى من الثورات عاملاً أساسيا في انقلاب شركاء الثورة على بعضهم البعض، فمن شاركوا في الثورة امتلكوا تصورات مختلفة بخصوص الدولة المنشودة والنظام السياسي المستهدف، وكانت العلاقة بين الديني والسياسي في القلب من هذه الاختلافات، الأمر الذي انتهى بعاصفة من الاتهامات المتبادلة بين الأطراف التي جمعت بينها "الثورة على الاستبداد" ثم فرقت بينها "تصورات إدارة مجتمع ما بعد الثورة".
ولا يستبعد أن تتجدد هذه الاتهامات مرة ثانية إذا ما أحرزت الموجة الحالية من الاحتجاجات الجماهيرية نجاحا، ولو جزئيا. فالأطراف العلمانية تثور وفي ذهنها تصور منبثق عن التصور الغربي، مفاده أن الدولة هي الكل، وأن الدين هو الجزء، ولا يمكن للجزء أن يسمو على الكل، بل إن بقاءه رهن ببقاء الكل. ويتم هنا تمثل العلاقة بين الجسد والأعضاء، فإذا انعدم الجسد فلا معنى من بقاء اليد أو الساق، أما إذا انعدمت اليد أو الساق فمن الممكن أن يظل الجسد قائما.
والدولة وفق هذا التصور وليدة الطبيعة المادية، وهذه الطبيعة نظام منغلق على ذاته، متكامل ومتجانس، لا توجد بداخله تناقضات تستلزم استدعاء قوى خارقة للطبيعة (مثل الدين) لحلها، فالطبيعة تحوي قوانينها الملازمة لها، والتي يمكن للفكر الإنساني أن يكتشفها، ومتى كشفها أمكن له أن يستفيد منها لتحقيق سعادته الدنيوية.
ولما كانت الدولة ظاهرة طبيعية، فمن المفترض ألا ينشأ بينها وبين الفرد الطبيعي أي نوع من أنواع التناقض، وإذا ما حدث مثل هذا التناقض فإنه يكون بفعل أخطاء إنسانية، كأن ينشأ الاستبداد بفعل الخروج على حكم الطبيعة وقوانينها، وليس بفعل الانحراف عن تشريع غيبي المصدر، متجاوز لحدود وقدرات عالم البشر.
الدولة وفق هذا التصور الوضعي تدعي المقدرة على الكمال في ذاتها وعلى تحقيق الحياة المكتملة للأفراد بمعزل عن الدين. ولا يملك الدين وفق هذا التصور إلا أن يقبع في إطار الترتيبات الداخلية للدولة وإلا واجه خطر الاستبعاد تماماً.
والتماسك السياسي وفق التصور العلماني لا يتحقق بفضل اعتناق الدولة لدين معين، ومن ثم لا يحق لأي دين أن يسعى لنشر مذهبه أو معتقده في إطار الدولة، فبعد أن كان هذا يؤدي إلى المزيد من التماسك في الماضي، أصبح ينظر إلى تمدد الظاهرة الدينية على أنه يحمل تهديدا في الوقت الحاضر.
وفي إطار التصور العلماني، تنهض الدولة الحديثة على أساس من القوة المادية، ويمكنها أن توظف الدين لزيادة قوتها تلك، وعلى العكس لا يمكن للدين أن يشاركها لا في قوتها ولا في السعي لكسب قوة خاصة به، فعلى الدين أن يظل تابعاً، وأن يتأقلم مع الأوضاع التي تفرضها الدولة، بحيث تصير المؤسسة الدينية مؤسسة وطنية، تتبع الدولة وتلتزم بقواعدها السياسية.
وبعيدا عن عالم الأفكار وبالرجوع إلى أرض الواقع، نجد أن الدولة وفقا للتصور العلماني قد حددت لنفسها منذ اللحظة الأولى لنشأتها موقفا صارما من الدين. فقد نص صلح وستفاليا الشهير، والذي يؤرخ به كبداية للدولة القومية الحديثة، نص على أن تمتنع الحكومات الموقعة عليه عن دعم من يدينون بدينها في النزاعات التي يخوضونها. كما ألزم الاعتراف بالسلطة الإقليمية الملوك بعدم التدخل في شؤون الآخرين، الأمر الذي مكن الدولة الحديثة من أن تستقل بشؤونها وهي في مأمن من تدخل القوى الخارجية فيها بحجج دينية. وقد نجح نظام الدولة القومية في جعل الاستقرار هو الغاية النهائية، وتمت التضحية بالأهداف الدينية، التي كانت في وقت من الأوقات المحرك الأساسي لسياسات الدول.
من ناحية أخرى مكنت مفاهيم السيادة الدولة الحديثة من فرض التطابق الثقافي والسياسي على مواطنيها بطريقة أكثر فاعلية، حيث أصبح من حق الدولة سياديا أن تفرض نمطا ثقافيا وطابعا قوميا في كل زاوية من زوايا إقليمها الجغرافي. وهو ما أدى إلى تراجع قدرة الدين أو بالأحرى قدرة من يتصدون للدعوة الدينية على إحداث أي تأثير داخلي، اللهم إلا في المساحة التي تسمح لهم الدولة بها.
بهذا المعنى فإن التصور العلماني لا يقبل من الدين إلا أن يتحول إلى نظير علماني، يمكن استيعابه داخل بنى ومؤسسات الدولة القومية، بحيث يصبح عاملاً من عوامل استقرار الدولة، أو دعم شرعية القائمين عليها، وذلك عن طريق تطويع أحكامه وشرائعه بما يتفق مع شرائع الدولة وأحكامها.
فهل تعي وتقبل تيارات الإسلام السياسي هذه التصورات العلمانية للدولة قبل مطالبتها للقوى المدنية بإعادة الاصطفاف معها، وما هو تصور الدولة الذي تستهدفه القوى الدينية وهي تسعى لاستئناف ثوراتها من جديد؟
أسئلة سوف تخسر القوى الإسلامية الكثير إن هي لم تقدم إجابات مبكرة عنها.
للاستزادة يراجع كتاب "مفهوم الدولة"، لعبد الله العروي.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5724
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5256
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1734
| 13 مايو 2026