رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في حالة الثورة المصرية ما عدنا مطالبين بالدفاع عن الحلم وحده، ولكننا بتنا مدعوين للدفاع عن الذاكرة أيضا، لأن الحملة المعلنة التي استهدفت تشويه الثوار سبقتها حملة أخرى صامتة لطمس وقائع الثورة ذاتها.
(1)
أتحدث عن العبث الذي تعرضت له أحداث الثمانية عشر يوما التي استغرقتها الثورة المصرية لإسقاط نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك (ما بين 25 يناير و11 فبراير)، وهي الأحداث التي صار لها تاريخان، أحدهما كتبه القانونيون والمحققون والثاني كتبه مخبرو وضباط أمن الدولة. والأول الذي أشرت إليه من قبل أكثر من مرة، جرى طمسه وتجاهله. أما الثاني فقد تم اعتماده وتعميمه وتوظيفه سياسيا وإعلاميا إلى أبعد مدى.
لحسن حظنا أن قرارا كان قد صدر يوم 10 فبراير 2011 بتشكيل لجنة لتقصي حقائق أحداث الثورة، والذي أصدر القرار هو الفريق أحمد شفيق الذي كان رئيس الوزراء آنذاك.
وقد أنيطت المهمة بفريق من كبار القانونيين والخبراء مشهود له بالنزاهة والثقة، على رأسه المستشار عادل قورة الرئيس الأسبق لمحكمة النقض.
لأن الأحداث كانت طازجة فإن الفريق الذي استعان بآخرين من المحققين والخبراء أنجز مهمته في نحو 55 يوما، وقدم في 19 أبريل من العام ذاته تقريره الذي جاء في 400 صفحة إلى السلطة القائمة في ذلك الوقت. وفي مؤتمر صحفي أذاعت اللجنة خلاصة التقرير وردت في 45 صفحة. وقد وجدت أن حلول الذكرى الثالثة لانطلاق الثورة مناسبة لاستعادة نماذج من مضمونه الذي جرى تجاهله وطمسه.
(2)
بعدما أعيد تركيب أحداث التاريخ في ضوء التقارير الأمنية تمت تبرئة الشرطة من جرائم قتل المتظاهرين، في حين أن تقرير تقصي الحقائق وجه إلى الشرطة إدانة صريحة، وحملها بالمسؤولية عن كل الجرائم التي وقعت، فنص على أنه:
< تبين للجنة أن رجال الشرطة أطلقوا أعيرة مطاطية وخرطوشا وذخيرة حية في مواجهة المتظاهرين أو بالقنص من أسطح المباني المطلة على ميدان التحرير. خاصة من مبنى وزارة الداخلية ومن فوق فندق النيل هيلتون ومن فوق مبنى الجامعة الأمريكية، وقد دل على ذلك أقوال من سئلوا في اللجنة ومن مطالعة التقارير الطبية التي أفادت بأن الوفاة جاءت غالبا من أعيرة نارية وطلقات خرطوش في الرأس والرقبة والصدر علما أن إطلاق الأعيرة النارية لا يكون إلا بموجب إذن صادر من لجنة برئاسة وزير الداخلية وكبار ضباط وزارة الداخلية، يسلسل ــ بالتدرج الرئاسي إلى رجال الشرطة الذين يقومون بتنفيذه.
وقد دل على أن الشرطة استعملت القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين ما يلي:
ــ إن أكثر الإصابات القاتلة جاءت في الرأس والصدر بما يدل أن بعضها تم بالتصويب وبالقنص، فإن لم تقتل الضحايا فقد شوهت الوجه وأتلفت العيون.
ــ أصابت الطلقات النارية والخرطوش التي أطلقتها الشرطة أشخاصا كانوا يتابعون الأحداث من شرفات ونوافذ منازلهم المواجهة لأقسام الشرطة. وغالبا كان ذلك بسبب إطلاق النار عشوائيا أو لمنعهم من تصوير ما يحدث من اعتداءات على الأشخاص.
ــ سحقت سيارات الشرطة المصفحة عمدا بعض المتظاهرين.
(3)
موقعة «الجمل» التي تمت تبرئة المتهمين فيها أيضا صورها تقرير اللجنة على النحو التالي:
< في صباح الأربعاء 2 فبراير تجمعت أعداد من مؤيدي النظام السابق في ميدان مصطفى محمود بشارع الجامعة العربية، وذلك بناء على توجيهات من بعض قادة الحزب الوطني، كما تجمع آخرون، من مؤيدي الرئيس السابق، الذين توافدوا من بعض أحياء القاهرة، وتمركزوا في الشوارع المؤدية إلى ميدان التحرير يسدونها بهدف منع المتظاهرين المناهضين للنظام من الوصول إلى الميدان ومحاصرة المتظاهرين داخله، بينما أندس بعض مؤيدى النظام من الشرطة السرية بين المتظاهرين داخل الميدان، واعتلت طائفة أسطح المنازل المطلة على الميدان. وفي منتصف اليوم بدأت أعداد غفيرة منهم في اقتحام الميدان خاصة من ناحية ميدان عبدالمنعم رياض وكوبري 6 أكتوبر ومن مدخل ميدان التحرير من شارع طلعت حرب، وألقوا الحجارة وقطع الرخام وزجاجات حارقة (المولوتوف) على المتظاهرين وفي ذات الوقت أطلقت الشرطة الأعيرة النارية والمطاطية والخرطوش والقنابل المسيلة للدموع على المتظاهرين وقام بعض القناصة بإطلاق الأعيرة النارية من أعلى الأبنية المطلة على الميدان وبعدها هجم على الميدان مجموعة من الرجال يركبون الجياد والجمال ومعهم العصي وقطع الحديد والتي حضرت معظمها من منطقة نزلة السمان واجتمعت في ميدان مصطفى محمود واتجهت إلى ميدان التحرير واخترقوا الحواجز الحديدية التي وضعها الجيش لتأمين المتظاهرين وانهالوا ضربا في جموع المتظاهرين، فأحدثوا بهم إصابات أدت بعضها إلى الوفاة وظل هجوم المؤيدين للنظام بإلقاء الأجسام الصلبة وقطع الحجارة والرخام على المتظاهرين.
< تمكن المتظاهرون من التحفظ على بعض راكبي الجمال ومن المندسين بينهم من مؤيدي النظام السابق ــ الذين كانوا يعتدون على المتظاهرين ــ وتبين من الاطلاع على هوياتهم الشخصية أنهم من رجال الشرطة بالزي المدني ومن المنتمين للحزب الوطني، وتم تسليمهم للقوات المسلحة لاتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم. وقد خاطبت اللجنة القوات المسلحة للاستعلام عن هوياتهم وعن الإجراءات التي اتخذت قبلهم، ولم تستقبل اللجنة ردا.
< سمعت اللجنة عددا من الشهود يكفي للقول بأن بعضا من رموز الحزب الوطني وأعضاء مجلس الشعب والشورى المنتمين للحزب وبعض رجال الشرطة ــ خاصة من المباحث الجنائية ــ وبعض رجال الإدارة المحلية قد دبروا للمظاهرات المؤيدة للرئيس السابق في 2/2/2011 والتي انطلقت من أحياء القاهرة والجيزة صوب ميدان التحرير، وهي مزودة بالعصي والحجارة والمواد المشتعلة والأسلحة البيضاء، وأن عددا من أعضاء الحزب الوطني ورجال الشرطة بالزي المدني قد شارك مع البلطجية المأجورين وراكبي الجياد والجمال في الاعتداء على المتظاهرين في ميدان التحرير.
(4)
في تحقيق الانفلات الأمني الذي حدث أثناء الثورة، ذكر تقرير اللجنة أن ذلك حدث نتيجة إطلاق البلطجية على المتظاهرين لإخراجهم من ميدان التحرير ومن ثم انتشارهم في أنحاء القاهرة والجيزة لإشاعة الفوضى بعد انسحاب الشرطة الذي كان متعمدا. ولأن اللجنة أدركت أنه أسهم في ذلك خروج أو هروب بعض المسجونين من الليمانات والسجون المتاخمة للقاهرة، فإن فريق الأمانة العامة المتفرع عنها زار السجون التالية: منطقة سجون وادي النطرون ــ منطقة سجون طره ــ منطقة سجون أبو زعبل ــ سجن المرج ــ سجن القطا الجديدة. وخلصت اللجنة من زياراتها إلى احتمال تصورين هما:
>> تصور ارتأى أن ذلك يدخل في نطاق ما حدث في انهيار في أداء الشرطة في كافة القطاعات، ورغبة البعض في ترويع المواطنين. وهو يستند إلى الدلالات التالية.
ــ ظهر في أحد أشرطة الفيديو ــ التي اطلعت عليها اللجنة ــ مجموعة من الأشخاص يرتدون زيا أسود اللون متشابه الشكل يماثل الزي الذي يرتديه أفراد الأمن المركزي ويقومون بفتح غرف السجن التابع لأحد مراكز مديرية أمن الفيوم ويطلبون من نزلاء تلك الغرف سرعة الخروج والعودة إلى منازلهم.
ــ مشاهد شريط فيديو آخر يظهر فيه المساجين ــ الهاربون من أحد سجون وادي النطرون ويحملون أغراضهم الشخصية في وجود أفراد من قوات الأمن المتمركزين بالزي الرسمي هم يحثون المساجين على سرعة الخروج من السجن.
ــ شهادة عدد من المساجين في سجن وادي النطرون وسجن طره من أن إدارة السجن قطعت المياه والكهرباء عنهم قبل تمرد المساجين بعدة أيام وهو ما يؤدي ــ بطبيعة الحال ــ إلى هياجهم وتذمرهم، ويعطي المبرر الكافي لاصطناع الاضطراب والمقاومة الظاهرية ثم الانقلاب الأمني.
ــ قرر بعض المساجين ــ في سجون لم يهرب منها أحد ــ أن الشرطة أطلقت الأعيرة النارية والخرطوشية في اتجاه العنابر والزنازين رغم عدم وجود تمرد، وأن عددا من المساجين قتلوا أو أصيبوا أثناء وجودهم داخلها.
ــ قرر العميد عصام القوصي وسائر رجال الشرطة القائمين على إدارة سجن وادي النطرون أنه في يوم 29/1/2011 حدث تمرد داخل السجن واكبه هجوم عدد من الأشخاص المسلحين على السجن، أطلقوا أعيرة نارية في مدافع جرينوف وغيره من الأسلحة النارية في اتجاه السجن وأن الحراسة المعينة على الأبراج بادلوهم إطلاق الأعيرة النارية حتى نفدت الأخيرة، غير أنه بمعاينة سور السجن تبين عدم وجود أي آثار لطلقات نارية على السور أو الأبراج، مما يدل على عدم صحة ما قرره رجال الشرطة المشار إليهم.
ــ ثبت من المعاينة بسجن وادي النطرون أن أعمال التخريب ونزع الأقفال ونشر حديد الهوايات بالغرف يستغرق وقتا أطول كثيرا مما قرره ضباط السجن.
ــ قررت الدكتورة منال البطران أن شقيقها المرحوم اللواء محمد البطران حادثها تليفونيا قبل مقتله وقال «حبيب العادلي أحرق البلد وأن هناك ثمانية عشر قسم شرطة تم فتحها وخرج منها المساجين وإن تكرر الأمر في السجون فستكون كارثة، وإنه لن يسمح بذلك».
ــ إن السجون التي خرج منها المساجين هي السجون المتاخمة للقاهرة والتي بها عتاة المجرمين بما يشير إلى أن ذلك تم عن قصد ليثيروا الذعر والفزع لدى المواطنين في العاصمة وما حولها، ضمن خطة الفراغ الأمني.
>> ذهب أصحاب التصور الثاني إلى أنه تم تهريب المساجين بعد اعتداءات مسلحة على السجون واستندوا في ذلك على الدلائل الآتية: ــ ثبت بمعاينة منطقة سجون أبو زعبل (تضم أربعة سجون) تعرضها لهجوم خارجي مسلح تظهر آثاره واضحة في الأعيرة النارية المطلقة على بوابة السجن الرئيسية وعلى السور الشرقي المجاور لسجني أبو زعبل 1 و2 كما تظهر على هذا السور وجود آثار لإطلاق أعيرة ثقيلة (جرينوف أو متعدد).
ــ ثبت أن سجون أبو زعبل تضم المحكوم عليهم بأحكام جنائية من أهالي منطقة شمال وجنوب سيناء. كما ثبت وجود خمسة مسجونين من حركة حماس بسجن أبو زعبل واحد، إضافة إلى عدد 24 آخرين من ذات الحركة ومن خلية حزب الله بالسجون التي تم اقتحامها والذين أبانت وسائل الإعلام سرعة وصولهم إلى ديارهم خارج البلاد بعد الهرب بساعات قليلة بما يؤكد التخطيط لتهريبهم عن طريق الهجمات الخارجية على السجون.
ــ ثبت بأقوال ضابط القوات المسلحة المكلف بتأمين سجن القطا أن السجن تعرض لهجوم خارجي وتعاملت معه القوات المسلحة ونجحت في صده كما شهد ثلاثة من أصحاب المزارع المجاورة للسجن أنهم نجحوا في رد مجموعات مسلحة حاولت التوجه للسجن واقتحامه لتهريب أبنائهم المسجونين.
ــ في ختام تحقيق هذا الشق ذكر تقرير اللجنة أنه يجب التوقف عند منطقة سجون وادي النطرون. الآثار التي رصدتها اللجنة عند المعاينة لا تنم عن حدوث اعتداء تعجز أمامه الشرطة عن المواجهة ومن ثم لا يوجد مبرر قوي لحدوث الانفلات وهروب السجناء من سجون وادي النطرون.
ثمة كلام آخر كثير لا يقل أهمية في التقرير يقدم قراءة مغايرة لبقية أحداث تلك الفترة. إلا أنني قصدت أن أعرض لما أورده بخصوص مسؤولية الشرطة عن قتل المتظاهرين وما جرى في موقعة الجمل، ثم قصة الهروب من السجون، خصوصا سجن وادي النطرون الذي نسجت من حوله قصة مغايرة تماما، لأن المعلومات المذكورة كاشفة لمدى الجرأة التي مورست في قلب الحقائق وإعادة تركيبها لكي تناسب أهواء السياسة وتقلباتها.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11691
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8679
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3723
| 22 أكتوبر 2026