رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كلنا مسؤولون عما جرى وما سيجري لجنوب السودان والمقبل على الانفراط من عقد الوطن سيصبح السودان ممزقا سيغادر الجنوب إلى غير رجعة فرطنا فيه بأيدينا: حكومة مركزية في الخرطوم ونخب سياسية في أنحاء الوطن شمالا وجنوبا وقيادة للحركة الشعبية مارست الالتواء والمناورة لفصل عرى السودان.
كلنا مسؤولون عن الحدث الخطير القادم في التاسع من يناير الذي سيهل علينا بعد أيام وأمة العرب مسؤولة أيضاً فهي وقفت عاجزة عن تقديم العون للمحافظة على جنوب السودان وهو جزء حيوي من وطن ينتمي للعروبة حتى لو اختلفت ألوان الوجوه فيه تركته يواجه مصيره وحيدا.
والآن جاءت النهاية لتقدم فصلا من فصول الانقسام القادمة بقوة في أرجاء الوطن العربي الكبير ويشكل رحيل الجنوب بداية لانفراط عقود أكثر من جنوب أو شمال في الدول العربية المركزية الكبرى ولعل ما دعا إليه مسعود البرزاني مؤخرا من ضرورة تقرير مصير شمال العراق أو ما يسمى بإقليم كردستان يمثل البداية وجنوب اليمن يتأهب بقوة للرحيل والمناوشات الطائفية في مصر التي تتجلى بين الحين والآخر تعكس حالة من تململ مسيحي من الاستمرار في وطن تسكنه أغلبية مسلمة جاءت وفق زعمهم بقوة الاحتلال قبل عشرات القرون بعد الفتح العربي لمصر وغيرها من الأقطار في المناطق المحيطة بالجزيرة العربية.
خائف أنا من انقسام السودان وتشطيره بين شمال وجنوب
خائف ليس على السودان فحسب وإنما على أمة العرب التي ما فتئت تواجه كل قرن مأساة تفضي إلى التهام أجزاء من أراضيها وهيمنة آخرين عليها على نحو يشكل خصما من رصيدها الجغرافي والبشري ومواردها ومقومات نهوضها والمؤسف أن الجزء المنهوب والمغتصب يتحول في غمضة عين إلى عدو والبداية كانت من الأندلس قبل ثمانية قرون ثم جاءت نكبة فلسطين في العام 1948 والتي ما زلنا نعاني من تداعياتها الخطيرة وها هو جنوب السودان يستعد لأن يتحول إلى دولة على تخوم الأمة متبنيا مفردات ولغة مغايرة وخطابا سياسيا أكثر اقترابا من الكيان الصهيوني خاصة بعد أن أعلن رئيس حكومته سلفاكير ميريت قبل فترة وجيزة أنه سيفتح أبوابه لعلاقات وأشكال من التعاون مع هذا الكيان وكلها بالتأكيد لن تصب في خانة يمكن أن تكون في مصلحة الأمن القومي العربي وبالتحديد المصري لاسيَّما أن هذا الكيان يسعى إلى محاصرة المحروسة من كل جانب ويريد أن يشكل خنجرا في أي خاصرة لها سواء في الشرق عبر احتلال فلسطين أو في الجنوب عبر تقديم الدعم اللوجستي للحركة الشعبية ولكل ألوان التمرد التي نشأت في هذه المنطقة ضد الحكومة المركزية والتي بدورها كانت ترتكب أخطاء فادحة بداية من أول حكومة بعد الاستقلال في العام 1956 ووصولا إلى حكومة الإنقاذ الوطني والتي تولت السلطة في العام 1989.
واللافت أن قادة الأمة لم يؤرقهم هذا الانفصال القادم فلم يتداع لعقد قمة استثنائية لبحث تداعيات هذا الحدث الجلل إلا نفر محدود منهم ربما لشعورهم بمخاطر الزمن الآتي وهما الرئيس المصري حسني مبارك والعقيد معمر القذافي قائد الثورة الليبية وذلك لأن دولتيهما هما الأكثر تماسا وتقاطعا مع السودان وتأثرا بما سيفضي إليه الانفصال القادم.
فقد سارع الزعيمان إلى الخرطوم واجتمعا مع كل من الرئيس البشير ونائبه الأول سلفاكير ميريت وشاركهما القمة الرئيس الموريتاني محمد عبد العزيز والذي كان موجودا بالصدفة في العاصمة السودانية في زيارة رسمية.
صحيح أن ما رشح عن هذه القمة محدود ولا يتعدى الجمل الإنشائية التي لم تخرج عن عبارات مجاملة سياسية لكنها حسب ما أكد لي خبير مصري متخصص في الشؤون الإفريقية هو الدكتور حلمي شعراوي أسهمت إلى حد ما في تهدئة خواطر شريكي الحكم بعد سلسلة من التصريحات العنيفة المتبادلة بينهما في الآونة الأخيرة
غير أن المأمول لم يكن مجرد تهدئة خواطر بقدر ما كان محاولة إقناع الطرفين للقبول بصيغة وحدوية لا تهدد الأمن القومي العربي أو مصالح الأمة أو مصالح الشمال وذلك بالتأكيد كان يتطلب عقد قمة عربية موسعة في الخرطوم من دون إجراءات بروتوكولية معقدة بشرط أن تتبنى جملة من الخطوات العملية الرامية إلى إشعار الجنوبيين بأنهم جزء فاعل من أمة تحترم التنوع العرقي والثقافي وهو ما كان أحد أهم ملامحها منذ تكون أول دولة إسلامية منذ أربعة عشر قرنا من الزمان.
كلنا أخطأنا في حق الجنوب ولكن الجنوب أخطأ بارتكابه حماقة الانفصال، صحيح أنه قد يشعر بالزهو في البدايات غير أن معضلات عديدة ستواجهه ولن يجد نصيرا يقف إلى جانبه من هؤلاء الذين مارسوا التحريض ضده للتحرك بعيدا عن الوطن الموحد وبناء دولة يعدها الكثيرون من المراقبين بأنها ستكون دولة فاشلة بكل المقاييس.
وأخطأت القوى السياسية الشمالية المعارضة التي لم تمارس أي فعل إيجابي باتجاه وضع حد للتمدد الانفصالي في الجنوب والمدهش أن قيادات هذه القوى لم تسع إلى زيارة أي من مدن الجنوب إلا في آخر أعوام الفترة الانتقالية المكونة من ستة أعوام وقد أثرت هذا الأمر مع صديق هندي عضو المكتب السياسي للحزب الاتحادي الديمقراطي خلال زيارته الأخيرة فقال لي: إن هذه القوى كانت مغيبة عن المشاركة في رسم ملامح الواقع السياسي في العقدين الأخيرين وبالتالي تفتقد القدرة على أن يكون لها دور في مسألة الوحدة أو الانفصال وهو ما يجعلها بعيدة عن تحمل أي مسؤولية عن تقطيع أوصال وطن قائم واقعا وتاريخا وقانونا وبما يمكن أن ينتج عن ذلك من خراب ودمار وربما فوضى بعد الاستفتاء في التاسع من يناير المقبل قد تهدد بزوال الكيان الإقليمي المتمثل في الدولة السودانية ويرى أن الانفصال تقرر في التاسع من يناير من العام 2005 بالتوقيع على اتفاقية نيفاشا وما أعقب ذلك كان تجسيدا لهذا الخيار على الأرض خلال الفترة الانتقالية معربا عن اعتقاده بأن الجنوبيين كانوا مضمرين الانفصال منذ اليوم الأول لدخولهم في عملية التفاوض التي أفضت إلى هذا الاتفاق وعملوا في سبيل ذلك على إقصاء القوى السياسية الشمالية والقوى العربية من المشاركة بفعالية في هذه العملية وركزت على ما يسمى بأصدقاء الإيجاد.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل إنه تمت خلال السنوات الست الماضية تهيئة المسرح الإقليمي والدولي وتوفير الدعم العسكري والسياسي للمولود الذي ستتم ولادته قيصريا في التاسع من يناير المقبل.
السطر الأخير:
للمدينة مساءاتها ولي نهاري
وأنت أيا فتنة الروح سكوني وإعصاري
بهية عيناك وأفقك مفتوح
وعشقك ممتد بفصولي ومهب رياحي وخضرة حقولي
وسر أسراري
أكتبك تميمة لبحاري
ومعنى الصفاء لأنهاري
فكوني حنطتي في جوعي
وظمأ القلب لقصيدة أنت من غزلتها من خيوط أشعاري
تحالفات جديدة في شرق أوسط متغير
ربما يكون السؤال الأهم الذي تطرحه التحولات الأخيرة في المنطقة ليس: من هو التحالف الجديد؟ أو من سينضم... اقرأ المزيد
165
| 10 أغسطس 2026
المسيّرات إذ تعيد رسم مستقبل القوة العسكرية
يشهد مفهوم القوة العسكرية تحولاً تاريخياً؛ فقوة الجيوش لم تعد تُقاس فقط بحجم الأساطيل أو الترسانات التقليدية، بل... اقرأ المزيد
138
| 10 أغسطس 2026
تجليّات الحُسن المخبوء !
من أجمل الإدراكات والتجارب التي يستخلص منها الإنسان صفو المعرفة، أن يعي أنه كلما تماثلت نفس المرء للتعافي،... اقرأ المزيد
156
| 10 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4893
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1479
| 09 أغسطس 2026
منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء، لم يتوقف عن سؤال محوري يتكرر بصور مختلفة: أين نقف؟ وعلى أي أرض نسير؟ قد يبدو السؤال بسيطاً في ظاهره، لكنه في الحقيقة من أكثر الأسئلة التي حيّرت الفلاسفة، وأربكت العلماء، وأشعلت الجدل بين الحضارات. والأعجب من ذلك أن هذا الاستفهام ما زال حتى اليوم يثير انقساماً فكرياً واسعاً، رغم كل ما بلغته البشرية من تقدم هائل في علوم الفضاء والاستشعار عن بُعد. فهل الأرض كرة كاملة؟ أم أنها مفلطحة عند القطبين وأقرب إلى الشكل البيضاوي؟ أم أن هناك من يرى أنها ليست كذلك أصلًا، وإنما هي سطح واسع لم نفهم تمام كنهه بعد؟ إن المتأمل المنصف لا يستهين بأي سؤال، ولا يقدس رأياً لمجرد شيوعه؛ فتاريخ العلم كله قائم على مراجعة المسلّمات. لقد كان الناس يعتقدون أن الشمس تدور حول الأرض ثم تبدلت الصورة، وظنوا أن الذرة أصغر جزء في الكون حتى انقسمت إلى عالم أعجب، وكانوا يرون الزمن ثابتاً حتى جاء أينشتاين ليجعله قابلاً للتمدد والانكماش. وهذا يدلك على أن العلم ليس كتاباً أُغلق، بل رحلة استكشاف لا تنتهي. النموذج العلمي السائد تتبنى المؤسسات العلمية في العالم أن الأرض ليست كرة تامة، بل جسم مفلطح قليلًا عند القطبين ومنتفخ عند خط الاستواء، وهو ما يُعرف في الفيزياء بـ "القطع الناقص الدوراني" ويستند هذا النموذج إلى صور الأقمار الصناعية، وحسابات الجاذبية، وملاحة الطائرات والسفن، والقياسات الدقيقة مما جعله الأكثر قبولاً في المجتمع العلمي. لماذا يستمر الجدل؟ في المقابل، ترى فئة أخرى أن كثيراً مما يُقدَّم للناس يعتمد على الثقة بالمؤسسات أكثر من اعتماده على التجربة الشخصية المباشرة. ويطرح أصحاب هذا الاتجاه أسئلة من قبيل: كيف يشعر الإنسان بوجود دوران الأرض؟ ولماذا يبدو الأفق مستقيماً؟ وهل تعكس جميع الصور الفضائية الواقع كما هو؟ قد يختلف الباحث مع هذه التساؤلات أو يوافقها، لكنها تبقى جزءاً من حركة الفكر الإنساني التي لا يجوز مصادرتها بالسخرية؛ فالعلم الحقيقي لا يخاف من السؤال. المقاربة القرآنية ومن اللافت أن القرآن الكريم لم يجعل الشكل الهندسي للأرض قضية إيمانية، ولم يربط الهداية بأبعادها؛ بل وجَّه الإنسان إلى ما هو أعظم وأشمل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾. دعا القرآن إلى التفكر في التكوين، ولم يفرض نموذجاً هندسياً محدداً. ولهذا نجد ألفاظاً مثل "مدّ الأرض"، "دحاها"، و"سطحت"، وهي تعابير تناولها المفسرون بطرائق متعددة دون أن يجعلوا منها سبباً للتنازع أو الخلاف. عالم الأراضين السبع… أبعاد تتجاوز الإدراك ومما يزيد الأمر ذهولاً وتأملاً، أن النص القرآني لم يقف عند حدود هذه الأرض التي نعيش عليها ونقيس أبعادها، بل أشار إلى أبعاد وعوالم أخرى بوضوح في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾. إن هذا التماثل بين السماوات والأراضين يفتح الباب أمام أسئلة أكثر عمقاً وأشد إبصاراً: هل أرضنا هذه مجرد طبقة واحدة من منظومة أعظم؟ وهل الأراضين الأُخرى طبقات جيولوجية داخلية، أم أبعاد كونية موازية لا نراها بأعيننا ولا تدركها مراصدنا؟ لقد أشار المفسرون الأوائل - كابن عباس رضي الله عنهما - إلى أن في كل أرض خلقاً وعوالم لا نعرف حقيقتها. واليوم، تقترب الفيزياء النظرية الحديثة من هذا المفهوم حين تتحدث عن "الأبعاد المتعددة" و"الأكوان الموازية"، مما يثبت أن محاولة حصر "الأرض" في شكل هندسي مجرد (كرة أو سطح) قد يكون تبسيطاً قاصراً لواقع كوني معقد جداً لم نكتشف منه إلا القشور. هل الحقيقة أكبر مما نتصور؟ يخبرنا التاريخ أن الإنسان كثيراً ما ظن أنه وصل إلى نهاية المعرفة، ثم اكتشف أنه كان في بدايتها فقط. فلعل أجيال القرن القادم سيبتسمون لبعض نقاشاتنا اليوم كما نبتسم نحن لنظريات القرون الوسطى، وربما يكتشف العلم مستقبلاً أن توصيف الأرض أعقد بكثير من مجرد حصرها في كلمات مثل "كرة" أو "بيضة" أو "سطح"؛ فالطبيعة لا تُختصر في المصطلحات. إن المشكلة الحقيقية ليست في شكل الأرض، بل في شكل العقول؛ فهناك من يحوّل الرأي العلمي إلى عقيدة جامدة لا تُناقش، وهناك من يتخذ النظرية غير المثبتة يقيناً مطلقاً، وكلا الطرفين يبتعد عن روح البحث العلمي السليم. فالقيمة الكبرى ليست في الوصول إلى الشكل النهائي، بل في بقاء العقل حراً يجمع بين الإيمان، والتواضع، والبرهان.
990
| 06 أغسطس 2026