رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يشهد العالم في العامين الأخيرين تحوّلًا لافتًا في وعي الشعوب واتجاهاتها الأخلاقية إزاء القضية الفلسطينية، وبخاصة ما يجري في غزة. فقد خرجت الملايين في ساحات العالم، وتقدّمت الأصوات المساندة للضحايا والمندّدة بالاحتلال، ووجدت الرواية الإسرائيلية نفسها للمرة الأولى أمام مساءلة حقيقية، بعدما اعتادت لعقود طويلة احتكار تفسير الأحداث والتأريخ وتصدير خطاب المظلومية، رغم ما تحمله أيديولوجيتها وسلوكها من نزعة عنصرية وإقصائية واضحة تجاه الآخر.
وجاء قرار المحكمة الجنائية الدولية بتجريم عدد من قادة إسرائيل واتهامهم بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية ليُشكّل ضربة قاسية غير مسبوقة لسمعة هذا الكيان. فقد وثّقت المحكمة منهجيّة القتل واسع النطاق، واستهداف الأطفال والنساء والعجزة، عبر القصف أو التجويع أو الحرمان من مقومات الحياة الأساسية، وهو ما كشف بصورة لا لبس فيها حجم الفجوة بين الادعاءات الإسرائيلية الزائفة وصورة “الدولة الضحية” !!! وبين الواقع الذي يعيشه أهل غزة منذ سنتين في عدوان همجي بربري غير مسبوق يستهدف وجودهم ولا يستثني احدا.
هذا التحوّل العالمي، الذي شمل النخب الفكرية والأكاديمية والفنية وقطاعات واسعة من الجمهور، يمثل انتصارًا أخلاقيًا وإنسانيًا للشعب الفلسطيني، لكنه في الوقت ذاته يثير قلقًا لدى العديد من المتابعين للشأن الدولي وحركات التضامن العالمي.
فالتجارب السابقة تُظهر أن إسرائيل – ومعها أذرعها الأمنية وعلى رأسها الموساد – عندما تجد نفسها في مأزق وتعجز أدواتها الدبلوماسية والإعلامية وكل ما يمكن ادراجه تحت عنوان القوة الناعمة !! فإنها لا تتردد في اللجوء إلى الإجراءات الميدانية القاسية أو العمليات السرّية بهدف اختلاق حدث صادم، يحرف الأنظار عن الابادة وحملات التجويع ويعمل بنفس الوقت على شيطنة الضحية او المدافعين عنها..!!
وعلى الرغم من أن مؤيدي إسرائيل في الغرب ردوا على الفور، بالعزف بشدة على وتر الاسلامفوبيا، او اتهام الحركات والتيارات الشعبية المناصرة للقضية الفلسطينية بالإرهاب ! كما حصل مع شبكة احتجاجات «فلسطين اكشن Palestine Action «! في بريطانيا، او التضييق على الطلبة الدارسين في جامعات معتبرة في الولايات المتحدة وفصلهم من الدراسة، او اعتقالهم او تسفيرهم …الخ او عدم الترخيص لمؤتمرات عالمية تعنى بالقضية الفلسطينية كما حصل في فرنسا مؤخراً …لكن جميع هذه المساعي لم تثمر في تعطيل زخم الوعي الجماهيري المتصاعد حول العالم.
ومن هنا تنشأ المخاوف من ردّة فعل معاكسة، قد تأخذ شكل حدث عنيف يستهدف مرفقًا يهوديًا معروفًا في إحدى العواصم الغربية، على غرار ما حدث عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 فمثل هذا الحادث المفترض – إن وقع – قد يُوظَّف بسرعة لتشويه صورة الضحايا، وإعادة خلط الأوراق، وإلصاق تهمة “الإرهاب” بكل جهة تتعاطف مع غزة أو تدافع عن حقوق الفلسطينيين.
هذه “الاستراتيجية” ليست غريبة على قاموس الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية، وقد شهد التاريخ الحديث أمثلة عديدة على توظيف أعمال عنف بطريقة تُعيد صياغة الرأي العام، وتحوّل الأنظار من الاعتداءات الاسرائيلية إلى “الخطر المزعوم القادم من الضحية”.
نعم يمكن الحديث عن حوادث كبرى في التاريخ وُجِّهت ضد أطراف معيّنة، بينما ظلّت الدوافع الحقيقية موضع جدل أو اتهامات “بالفعل المدبَّر” (False Flag).
ونذكر بعض الحوادث التاريخية كدليل على صحة ما ذهبنا إليه:
*عملية سوزانا (فضيحة لافون) – إسرائيل في مصر (1954)
• شبكة استخبارات إسرائيلية فجّرت مراكز خدمية وثقافية ودبلوماسية مصرية وغربية في القاهرة والإسكندرية، للإيحاء بأن الدافع وطني، لكن الهدف الحقيقي كان ينصرف إلى سعي إسرائيل لإحراج النظام الوطني في مصر وخلق ازمة بين مصر والدول الغربية.
• انكشف الأمر واعتُقل عناصر الشبكة من اليهود.
( وسجلت الحادثة من ضمن العمليات “القذرة” الموثّقة في تاريخ الموساد)
*عملية نورثوودز – الولايات المتحدة (1962)
• خطة اقترحها البنتاغون على الرئيس الراحل جون كينيدي؛ تضمنت تنفيذ هجمات داخل أمريكا أو ضد مصالحها بأياد أمريكية !! ثم اتهام كوبا بها.
• الهدف: تبرير غزو كوبا.
• الوثائق رُفعت عنها السرية وتأكد وجود الخطة، مع العلم ان الرئيس كينيدي رفض تنفيذها.
*عديد من التفجيرات ضد يهود في مناطق مختلفة (قيتوات المغرب، العراق، أوروبا)
– بعض التحقيقات التاريخية (خاصة في العراق والمغرب) أظهرت تورط عناصر صهيونية في تنفيذ تفجيرات استهدفت مرافق يهودية وأماكن عبادة وقتلت واصابت عددا من اليهود المحليين لتخويف الجالية اليهودية ودفعها للهجرة القسرية إلى فلسطين المحتلة.
– عملية « علي بابا « و حادثة تفجير قاعة “مسعودة شمعون” في بغداد 1950-1951 تُعد مثالًا متداولًا.
الحكومة العراقية في حينه وجّهت الاتهام إلى حزب “يوتن” الصهيوني السري.
*حادثة قصف السفينة الأمريكية “يو إس إس ليبرتي” (USS Liberty) – 1967
حادثة “ليبرتي” تُعد اليوم من أبرز الأمثلة الحديثة على عمليات قد تكون مفتعلة أو ذات دوافع خفية، رغم وقوعها في سياق حرب 1967
ففي 8 حزيران / يونيو 1967 وبينما كانت السفينة “ليبرتي” وهي سفينة استطلاع إلكتروني أمريكية (Technical Research Ship) تُجري مراقبة اتصالات في شرقي المتوسط. تبحر في المياه الدولية شمال سيناء، خلال حرب الأيام الستة تعرضت لهجوم جوي وبحري إسرائيلي استمر أكثر من ساعة ونصف أوقع خسائر 34 قتيلًا من البحارة الأمريكيين و 171 جريحًا، كما أُصيبت السفينة بأضرار شديدة وكادت أن تغرق، إسرائيل كذبت حين ادعت أنّ الهجوم كان “خطأً غير مقصود” نتيجة تشخيص خاطئ للسفينة، ظنها الإسرائيليون “سفينة مصرية”. بينما كانت الغاية الحقيقية هي اغراق السفينة وما تحمل من ادلة على تورط اسرائيل هي وليست مصر بالشروع بالعمليات العسكرية ضد الآخر.
وفي الجعبة الكثير ….
وعلى الرغم من أن هذه المخاوف تبقى في إطار التحذير والتحليل، إلا أن التحسّب واجب، فلكل فعل ردة فعل، والكيان الذي وجد نفسه في الزاوية بعد اتهامات الإبادة، ودمار سمعته العالمية، قد يلجأ إلى خطوات غير متوقعة لإعادة إنتاج سرديته القديمة.
إنّ العالم اليوم يقف أمام لحظة مفصلية:
إما أن يستمر في دعم العدالة وحقوق الإنسان، أو يسمح بإعادة تدوير الخوف وتغيير الأولويات عبر افتعال أزمات تُربك المشهد وتعيد نبضًا لسرديات فقدت شرعيتها ومصداقيتها.
والمطلوب هو الوعي، واليقظة، والمساءلة المستمرة، حتى لا تضيع الحقيقة مرة أخرى تحت ركام حدثٍ مُفبرك.
سيأتي الربيع...
في الإدارة، كما في الزراعة، ليس كل من يزرع هو من يحصد، وليس كل من يغرس شجرة يجلس... اقرأ المزيد
417
| 05 أغسطس 2026
أكتب غالبًا عن كرة القدم، لكن بعض القصص الرياضية تتجاوز حدود اللعبة نفسها، فهي لا تتحدث عن التنس... اقرأ المزيد
204
| 05 أغسطس 2026
لماذا لا يغير التدريب بعض السلوكيات؟
قد يخرج المتدرب من قاعة التدريب مقتنعًا تمامًا بما تعلمه، قادرًا على شرح المفاهيم، بل ومتحمسًا لتطبيقها، ثم... اقرأ المزيد
288
| 05 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
● سياسي من العراق
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
3615
| 03 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2265
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
2136
| 29 يوليو 2026