رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
صفقة الأسرى الفلسطينيين التي حررت بموجبها حركة حماس ما يزيد على ألف أسير وأسيرة من جميع الفصائل هي صفقة كلها خير والمفترض أن تكون فتحت صفحة جديدة من الثقة والتفاهم والتعاون الوطني بين الفلسطينيين عموما والحركتين الكبريين حماس وفتح خصوصا ، وقد تفاءل الجميع بتشابك يدي السيد محمود عباس بأيدي عزيز الدويك وحسن يوسف من قادة حماس يوم استقبال الأسرى المحررين في رام الله كإعلان عن قبول رسالة الوحدة الوطنية التي سطرتها حماس بهذه الصفقة .. لقد كانت حماس ذكية وخلوقة وشديدة التواضع عندما ضمنت انتصاراتها من الصفقة انتصارا إضافيا على الذات وانتصارا إضافيا على الانقسام الذي له ما يبرره واقعيا من أسباب لم تتم معالجتها حتى الآن .. تعالت حماس على جراحها وعلى مصالحها فلم تفرق بين أسراها وأسرى فتح أو الشعبية أو الديموقراطية .. وإن كان عدد المحررين من حماس أعلى من محرري غيرها فلأن أسراها أكثر ولأنها ركزت على المحكوميات العالية التي لها فيها حظا وافرا .. لقد أحسنت حماس ؛ فهل أحسنت فتح في تقبل الرسالة والتعاطي مع معناها وإشاراتها ؟ وإذا كانت حماس قد عززت بهذه الصفقة إمكانية تحقيق جدي وصادق للمصالحة التي صارت كل الظروف مناسبة لها ودافعة باتجاهها فهل تسعى فتح للتلاقي على ذلك وبالأخص بعد أن أصبحت عملية التسوية لا أمل في إحيائها ولا جدوى من إطلاقها ..
هذه الرسالة التصالحية التي صدرتها حماس والتي كان من المفترض أن تتلقاها فتح بالقبول وأن تتلقفها بالشكر وأن تردها بالجميل .. سرعان ما ضاعت وتاهت عندما انطلق متحدثو فتح الرسميون وإعلامها الرسمي بذم الصفقة واتهامها بالنقص وتشويهها بالافتراءات .. وأكثر من ذلك قامت أجهزتها - بحسب النائب في المجلس التشريعي فتحي القرعاوي - باستدعاء بعض الأسرى المحررين إلى مقارّ تلك الأجهزة " لشرب فنجان قهوة " وأجبرت ذوي الأسيرة المحررة في صفقة التبادل " قاهرة السعدي " من حركة الجهاد الإسلامي بإنزال رايات التوحيد التي كتبت عليها عبارة " لا إله إلا الله " .. وفيما يبدو تصعيدا متسقا مع الاحتلال قامت باعتقال ثمانية من أنصار حماس يوم الاثنين الماضي 24 / 10 وباعتقال القيادي في حماس وعضو مجلس بلدي مدينة قلقيلية المنتخب والمحاضر في الكلية الشرعية الإسلامية بالمدينة " سامح محمود عفانة " .. هذا كله يحدث في أقل من أسبوع واحد بعد تحرير الأسرى ..
ذلك يذكرنا بما فعلته يوم توقيع اتفاق المصالحة في 4 / 5 / 2011 مع حماس وإذ كان الشعب الفلسطيني فرحا ومستبشرا بما تم ، إذا بها تصر على اعتقال أنصار حماس وتترك كل المبشرات والمسرات لتستمر في تصفير وتسويد صحفها ومواقعها الإلكترونية بشتم حماس والتشكيك بصدقيتها وتنقل عن الصحف " الإسرائيلية " اتهامات وافتراءات على قادتها ورموزها .. وأقول :
أتمنى أن تكون هذه التصرفات نشازا عن القاعدة المعتمدة لدى فتح مع أن المتحدثين بها رسميون ، وأتمنى أن تتمكن فتح من تطوير خطاب وطني يناسب مقتضى أدب المصالحة ومبادرات استعادة الثقة التي تتقدم بها حماس ، وأتمنى أن تكون المصالحة التي تريدها فتح مصالحة تكامل ترتقي إلى برنامج مشترك يأخذ بنظر الاعتبار الحاجة للمناورة السياسية التي تجيدها فتح بقدر ما يؤكد الثوابت التي تحميها حماس ؛ برنامج مشترك ينبني على المقاومة وأسر الجنود وتحرير الأسرى والصمود في وجه العدو وردعه الذي أثبتت وجودها وإبداعها فيه حماس بقدر ما يستفيد من الديبلوماسية الرسمية والعلاقات الدولية التي تملكها فتح .. لا أن تكون مصالحة الاستراق والتوريط ولا مصالحة المناورات السياسية ولا مصالحة المغالبة الجافة من الوداد والجامدة عن التفاهم والتي ما إن تنهض حتى تقعد وما إن تنطلق حتى تحور على كور وتعود على نقض ..
قادة حماس كثيرا ما أكدوا في تصريحاتهم الرسمية وغير الرسمية أنهم توصلوا إلى مصالحة لن تكون على حساب المقاومة ، وأنهم سينفذون ما يخصهم منها بكل جدية وإخلاص .. وأنهم يعتقدون أن الطرف المقابل لم يعد معنيا بإبقاء الانقسام .. إلى آخر ذلك من الطموحات التي تعتمد أساسا على حسن الظن .. إلا أن ما نراه اليوم يجعل من المنطقي التساؤل : إذا كانت هذه هي فتح والسلطة في أحسن الأحوال وعند المجاملات ؛ فهل هي بالفعل راغبة في إتمام المصالحة ؟ وإذا كانت راغبة فيها فما نوعية وصورة ومحددات هذه المصالحة ؟ وإذا كانت مفاعيل المصالحة لم تصل إلى الضفة ومعتقلي حماس وملفات التنسيق الأمني فيها فأي مصالحة هذه التي يحسنون بها الظن ؟ ولنسأل بصراحة هل المقصود أن تعود غزة لبيت طاعة فتح ولا شيء سوى ذلك ؟ وعند ذلك سنسأل : إذا كانت عودة غزة لفتح هي المقصود الأول والأخير فهل ستكون تحت " بساطير " جنود الاحتلال كما الضفة ؟ ثم ما مصير عشرات الآلاف من المجاهدين الذين انكشفت أسماؤهم وهوياتهم ؟ وما مصير القادة ؛ هل سيقتلون أم يطاردون أم يستسلمون ويستقيلون من الواجب ومن الوطن ؟ أم أن أحدا ما سيتوسط لهم عند الاحتلال لعله يحصل لهم على اتفاق " كف طلب " أو " بيعة نساء " ليأكلوا ويشربوا ويناموا ويتنقلوا ببطاقات ال( في آي بي ) ؟ وإذا كانت حماس بعد سيطرتها على غزة وأسرها الجندي قد حررت به مئات أسرى المؤبدات وبيضت السجون من النساء والأطفال ووحدت بشكل عملي كل الوطن من الضفة لغزة ومن ال 48 إلى الجولان ومن فتح لحماس ومنهما إلى الجهاد والشعبية .. إذا كانت حماس قد حققت كل هذا بأسر جندي واحد استطاعت أسره أولا ثم الاحتفاظ به ل1940 يوما ثانيا والمفاوضة عليه خمس سنوات ثالثا ، واستطاعت رد العدو وإفشاله وردعه في حرب كسر العظم على غزة .. أقول : إذا كانت حماس استطاعت كل ذلك من خلال سيطرتها على غزة فهل عليها أن تسلمها للسيد عباس – مع كل الاحترام له ومع كل الرفض لمنهجه وبرنامجه – ليقوم بإعادة التائهين من جنود العدو بعد أن يقدم لهم واجب الضيافة العربية في مقرات الحماية الأمنية والتنسيق الأمني كما تفعل في الضفة ؟ فما الذي يجعل أحدا يظن أن حماس ستقبل بذلك ؟
إن الذين استطاعوا أن يهينوا الجيش الذي كان يقال إنه لا يقهر ويتركوا لواء جفعاتي وراءهم يبكي كما تبكي النساء ليستحقون مصالحة لا تهينهم ولا تمرغ كرامتهم تحت أقدام ذات الجيش ! وإن الذين استطاعوا أن يقهروا أجهزة أمن العدو وأن يحتفظوا رغما عنها بالجندي الأسير كل هذا الوقت لا يجوز أن يصبحوا ألعوبة بيد التعاون الأمني مع تلك الأجهزة .. وإن الذين استطاعوا أن يركعوا نتنياهو على ركبتيه يستجدي صفقتهم لحري أن لا يجثوا هم لنتنياهو على ركبهم وأن لا يستجدوا حمايته ..
وبصراحة أكثر إن الزمان قد تغير كثيرا منذ خمس أو ست سنوات ، وتغير كثيرا بعد سقوط حسني مبارك وهبوب " ثورات الربيع العربي " وبعد موت وتشييع عملية التسوية البائسة .. وبعد مستجدات تحرير غزة ، وبعد صفقة تحرير الأسرى وخروج المئات من القائدة والرواد بموجبها .. وإن الشعب الفلسطيني لم يعد يريد غزة لغزة فقط ولم يعد في وارد أن يفرط بالمقاومة ولا بقادتها ولا بجيشها الذي تتعزز الحاجة إليه اليوم وكل يوم .. فإن كانت فتح مستعدة وكانت فوق ذلك قادرة على المجيء لغزة بكل ما تعنيه غزة من ذات ومن مقاومة ومن مكتسبات ومن سلاح .. فألف أهلا وألف سهلا بها ولتأت منذ الغد ولها أن تقود الدفة إن شاءت والظن أن كل قوى المقاومة ستقبل بها من حماس إلى أصغر فصيل وستكون تحت تصرفها وتحت طلبها في ذلك ، أما إن كانت ستأتي لتقيم السجون والمعتقلات ولتنزل أعلام المقاومة ولتمنع رايات " لا إله إلا الله " ولكي تعتقل الشرفاء وتستدعي المحررين لفنجان القهوة – إياه - ثم ليأتي معها ضابط احتلالي صهيوني برتبة عقيد ليحكم غزة وليصول ويجول فيها كما يشاء وقتما يشاء وحيثما يشاء وليعلق هنية والزهار وغيرهما من القيادات في " الشبح " , فلا أهلا ولا سهلا وليقل بعد ذلك من شاء ما يشاء ..
آخر القول: عندما تتواصل اعتداءات فتح على حماس في كل الوقت ولا تفرق بين إقبال وإدبار ولا بين مسرة ومضرة ، وعندما يأتي ذلك من قيادات رسمية ومن متحدثين رسميين ، وعندما يأتي رد حركة فتح على مبادرة حماس كما رأينا تزهيدا فيها وتقليلا من قيمتها وإشاعة افتراءات عليها , فإن من حق حماس وشعبها أن يضعوا علامات استفهام على كل المصالحة وعلى كل العناوين التفصيلية تحت هذا العنوان الكبير ..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11721
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8685
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3723
| 22 أكتوبر 2026