رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

رائد حمزة مقداد

مساحة إعلانية

مقالات

528

رائد حمزة مقداد

دموع لا تراها العيون

27 يونيو 2025 , 05:07ص

في أماكن لا تزورها الكاميرات، ولا تمر بها الكلمات، تنبض حياة لا تُروى. هناك، في الزوايا المنسية، حيث تختنق الأرواح بالصمت، يعيش رجال غرباء عن كل شيء: عن أوطانهم، عن أحلامهم، وعن أنفسهم. أجساد تتوسد الغربة، وتلتحف التعب، وتنتظر ما لا يأتي في غرف صغيرة لا تسع حتى أنفاسهم، يتقاسم العشرات، بل المئات، مساحات خانقة لا تليق بظل إنسان. كل شيء مشترك: النوم، الحزن، الهواء الملوث، حتى الحلم. لا خصوصية، لا كرامة، لا دفء. كل زاوية شاهدة على وجع صامت. مطبخ صغير مشترك، أدوات طعام متسخة، حمام بلا أبواب، لا نظافة، لا أمان، ولا حياة. الأماكن مشبعة برائحة الإنهاك، والخوف، واللامبالاة.

الكهرباء تنقطع، والحرارة لا ترحم، فتتحوّل غرفهم إلى أفران مغلقة. تنفجر الأسلاك فجأة، تشتعل نيران الطبخ، ولا إنذار ولا مخرج. أجسادهم تسكن بين الغاز واللهب، في أماكن لا يزورها رجال السلامة ولا تصلها قوانين الرحمة. أياديهم تقاوم الحريق بالصبر، وتقاوم العيش بلا حماية كما لو كانوا بلا حق، بلا صوت، بلا وجود.

وحين يحلّ الليل، لا يسكن الضجيج، بل يتكاثر. أصوات متداخلة، لغات مختلفة، أنين لا يُفهم، وأمل يتلاشى مع كل زفير. تتقافز الأمراض بينهم، كما تتقافز الذبابات فوق طعامهم المكشوف. لا ماء نظيف، لا وقاية، لا رعاية. والروائح تُخبرك أن الإنسان هنا... يُهمل.

من يمرض، يظل مكانه. من يتألم، لا يُسأل عنه. من يُهينونه، يصمت. وإن اشتكى، انتهى. هنا لا تُذكر الأسماء، بل تُعدّ الرؤوس. لا يسألهم أحد عن حالهم، فقط عن إنتاجهم. كأنّهم آلات. أو أقل.

يتعامل بعض المشغلين معهم كعبء، لا ككائنات بشرية. يُلقى بهم في غرف ضيقة، يُجبرون على العمل ساعات طويلة، بلا حماية، بلا تأمين، بلا صوت. من يراهم؟ من يسمعهم؟ أين أصحاب القلوب؟ أين من يخاف الله؟

ورغم كل هذا، يقال: «كل شيء بخير». لكن العيون لا تكذب. من ينظر إلى أعينهم يرى الحقيقة: تعب، وحزن، بشرٌ يعيشون وكأنهم لا يُرَون، كأنهم مجرد ظل.

أليس من الرحمة أن نراهم؟ أليس من العدل أن نحميهم؟ أليس من الإيمان أن نشعر بهم؟ أم أصبح اعتياد القسوة فضيلة، والصمت حكمة، واللامبالاة نظامًا؟

في عالم يموت فيه الإنسان داخل جسده كل يوم، تبقى الشمس بعيدة... لا تضيء، بل تحرق. ويبقى الأمل، ضعيفًا، في أن هناك من سيكتب، ومن سيصرخ، ومن سيبكي... لأجل من لا يُبكون.

مساحة إعلانية