رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أمر على واحد من بلاد الربيع العربي أسأله: كيفك تمام؟ (مبتردش ليه) مكشر ليه؟ زعلان من إيه؟ ساكت ليه؟ يائس؟ قرفان من إيه؟ تعبان في شغلك؟ مادام بتتنهد يبقى العلة في شغلك، طيب اسمح لي أسألك أنت شجاع؟ جرئ؟ قيادي؟ لديك أساليب طموح للعمل ولا أحد يسمعك؟ عنيد في طلب حقك مهما كانت النتائج؟ ليس في قاموسك (نعم سيدي) لا تنحني إلا في الصلوات الخمس؟ إذا تخطاك مديرك وتجاهل ترقيتك لأنك (فاقع مرارته) بلسانك الطويل في الحق تطلب مقابلة الوزير؟ كل إجاباتك (نعم) طيب أبشر أنت أول اسم في قائمة المركونين على الرف؟! ليه؟ (ما لهش) أنت غير مطلوب في أي عمل مهما كنت جهبزاً، وما جابتك بطن، معلوم أنك تقرأ كثيراً في حقوق الإنسان وما يجب أن يكون عليه طقس العمل من أمان، معلوم أنك موظف تؤمن بديمقراطية ينبغي أن تسود وهنا نتوقف لنفتح موضوع (التحول الديمقراطي) الذي يجد عالم بلاد الربيع العربي صعوبة بالغة في قبوله وتنفيذه، وإذا تتبعنا بداية الأمر سنجد أن سلاسل التبعية بالمؤسسات، والدوائر، والقطاعات المختلفة تجعل من العلاقة بين الرئيس والمرؤوس علاقة (سيئة السمعة) بكل ما فيها من اضطهاد، وفوقية، وقهر، وتعسف، وهيمنة من أرباب العمل لمرؤوسيهم، فمدير المؤسسة صورة من رئيس الدولة الذي ينصب نفسه واحداً لا شريك له، بعينيه يقول للتابعين المرؤوسين (ولا كلمة ولا نفس) فيجد السمع والطاعة طوعاً أو كرهاً بدوافع كثيرة منها (اربط الحمار مطرح ما يقولك صاحبه) ومنها (مالنا ومال المشاكل عايزين ناكل عيش) ومنها (السكوت من دهب) حفاظاً على الكرامة من دخول (الغرامة) عصا غليظة تنزل على رأس من يحاول رفع رأسه ليقول شيئاً، لينتقد وضعاً، ليصحح مفهوماً، ليعدل مقلوباً، وتكر السنوات بوضعية التابعين وكبيرهم الذي بيده دائماً سوط لا يترجل، وتعتاد الرؤوس على وضع التنكيس، وحاضر حاضره دائماً قبل أن ينطق السيد، وتنزوي الكفاءات، ويغيب عنها التقدير ليكون من نصيب أصحاب كروت (الواو) وتغيب الرغبة في الابتكار، والتجديد، ويصبح هم التابعين حمل المباخر خلف المسؤول ورفع عقيرتهم بالتمجيد! وتئن دواخل المرؤوسين أينما كانوا بالتذمر والشكوى وعلى الأفواه (بلاستر) يمنع الكلمة والنسم، المطلوب الخضوع التام (للكبير) بغض النظر عن خططه وأفكاره، إن كانت في صالح الوطن الكبير أو (توديه في ستين وسبعين داهية) وتتعود المجتمعات على السمع والطاعة دون نقاش لتفر العقود خلف العقود والوطن الكبير (محلك سر) لا تنمية، ولا نماء، ولا ازدهار، ولا تقدم خطوة، قلة تنهب من خيرات مواقعها ليعشش الفساد، ويصبح في كل موقع (فرعون) صغير يعاون في النهاية الفرعون الكبير ليكونوا جميعاً عصبة غليظة تحكم قيدها على وطن بكامله!
هذا هو طبق الأصل وضع بلاد الربيع العربي التي عندما ضاقت رقاب ناسها بألم القيد كسروه في ثورة كانوا يظنون أنها المخلصة من أوجاع كل أشكال القهر وقد تطلعوا إلى ما يسمى بديمقراطية تسقط معاناتهم الطويلة، فإذا بهم يصطدمون بحقيقة أن المجتمع كله غير مؤهل لاستضافة الديمقراطية المزعومة وليتأكد الطامحون إلى غد أفضل أنهم خارجون من مجتمع مغلق لا يعرف كيف يختلف، ولا على ماذا يتفق، يعيش برواسب عقود من الخضوع، يصعب التخلص منها ومفاصل الوطن مازالت ممتلئة حتى النخاع بفاسدين يؤلبون الشارع ويدافعون عن مصالحهم بضراوة لا هوادة فيها مسخرين أموالهم، وبلطجيتهم، وقنواتهم المغرضة لتكون ذراعاً تضرب الوطن كل يوم في مقتل بسموم يروجها (القابضون على الدولار) من مذيعين ومذيعات.
•طبقات فوق الهمس:
•كيف لا نطالب بتغيير اتفاقية كامب ديفيد ودخول أي قوات إلى سيناء يحتاج إذناً من إسرائيل؟ كيف لا ندرك حظر أن تكون سيناء مكشوفة بدون قوات لتكون مسرحاً للمجرمين والخاطفين والمقايضين عوضاً عن أطماع عدونا التاريخي؟
•كيف لم تنتبه للفرق؟ جرب أن تقول لفلان عبارات المديح والثناء والإطراء، جرب أن تريه انبهارك بكل ما يقول ويفعل، جرب وسترى ابتسامته وقد ملأت شدقيه وستكون عنده الأثير، القريب، الحبيب، وجرب لو قلت لنفس (الفلان) إن به من الخصال غير الحميدة ما تكرهه، جرب أن تصارحه بأنه بخيل، أو مغتاب، أو لا يحفظ عهداً، أو لا يؤتمن على سر، جرب لترى بوزه شبرين وما أن يلمح طلعة حضرتك حتى يدير لك ظهره وكأنك هواء! كيف لم تنتبه للفرق؟
•كيف لم ننتبه لثقافتنا الغذائية؟ لا أكاد أرى طفلاً في متنزه أو مكان للترويح إلا ووجدت الشبسي في يد والببسي في الأخرى، هل فكرنا بتحذير أطفالنا وتوعيتهم من (بلاوي) الشبسي والببسي، والفاست فود، والملونات؟ أعجبتني جداً وهي تنهر صغيرها حازمة مفيش ببسي ولا شبسي، بكى لم تكترث، ألقى بنفسه على الأرض وراح (يرفس) لم تكترث، تركته يصرخ متشبثاً بطلبه وسبقته بخطوات غير مبالية، عندما أدرك أنه عاجز عن ابتزازها بصراخه قام وتبعها زي الأرنب! نعم التربية حزم.
•كيف نرفض الحق؟ كيف نؤنب من يقوله صادقاً بالعبارات المحفوظة انت حتعلمني؟ انت بتوجهني؟ انت حتعمل فيها أستاذ علينا، كيف لم نفطن إلى قول معلم البشرية الجميل صلوات الله عليه وسلامه (الكبر بطر الحق وغمط الناس) .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
30894
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
17655
| 16 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4434
| 15 يونيو 2026