رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما السر في بقاء سلطة الزعماء على الملايين والاستمرار في السلطة لمدة نصف قرن؟ لماذا هذا التشبث بالكرسي والإصرار العجيب على القتل وإراقة الدماء! ضرورة تجاوز الانتقام والتشفي في مرحلة ما بعد إزالة النظام الديكتاتوري
نهاية القذافي وأبنائه ونظامه بمثابة درس العمر الذي بات من الضروري أن يستفيد منه القادة والزعماء العرب الذين انقطع تواصلهم مع شعوبهم وأصبحت علاقتهم من جانب واحد، علاقة السيد بالعبد، والخادم بالمخدوم، ولا عجب أن البعض منهم لا يزال يطالب شبيحته بإرغام الناس على الإيمان بالربوبية والألوهية له ولعائلته وطائفته ويطالب بأن تسبح بحمده ونعمته الخليقة والسموات السبع وهو الذي افسد الأرض واهلك العباد! إنها عبرة قد يتعلم منها اليوم الأسد في سوريا وصالح في اليمن وبقية الدول القابلة للانفجار في العالم العربي قبل فوات الأوان.
(1)
كنا نجلس في القاعة المقابلة نستمع لخطب الزعماء والقادة العرب في قمة الدوحة (2009) ولم نتمالك أنفسنا من الضحك عندما سمعنا كلمة العقيد الليبي وهو يعلن تنصيبه ملك ملوك أفريقيا والقائد الأممى وعميد حكام العرب وإمام المسلمين وهو آخر الألقاب المركبة التي أطلقها على نفسه ولم يتفضل بها احد عليه؟! كم كنا نتمنى ألا يقتل العقيد المهرج ولا يختفي عن المشهد بهذا الشكل وبهذه السرعة ويتم القبض عليه ومحاكمته ودراسة وتحليل وتفكيك شخصيته غير السوية من قبل العلماء والمختصين في الشرق والغرب لكي يتم الكشف عن الجوانب التي لا نستطيع أن نفهمها ونهضمها ونستوعبها في علاقة القادة والزعماء العرب مع شعوبهم، وما السر الذي استطاع فيه أمثال هؤلاء البشر غريبي الأطوار أن يبسطوا سلطتهم ونفوذهم على الملايين من البشر ويبقوا في السلطة لمدة تقارب نصف قرن متفوقين على اكبر القادة الديكتاتوريين في التاريخ أمثال ستالين وفرانكو وبوكاسا وعيدي امين؟! مهما طال الزمن كان لابد أن تأتي ساعة الخلاص الأبدية، وفي ليبيا بدأت تدق بعد ثورتي تونس ومصر واستمرت إلى ما يقارب ثمانية أشهر عصيبة مريرة وكان الخوف كله يتمثل في أن يتم إجهاض الثورة الجنينية وقتلها في مهدها من قبل التحالفات الخارجية ومساعدة زعماء بعض الدول العربية الذين كان يمدون النظام القاتل بالمرتزقة على الحدود (الجزائر) ويدعمونه إعلاميا ولوجستيا (دمشق) ومن قبل الحاشية والموالين والقبائل والرموز التي نمت وترعرعت وتكسبت مع النظام في ظل القهر والقمع والفساد، ومن صحف ووسائل إعلام عربية وأجنبية كانت ترسل لها الشيكات والمبالغ الشهرية منها صحف بعض المهاجرة في العاصمة البريطانية التي تتكسب على حساب الشعوب، بالإضافة إلى الفتوى الدينية من قبل رجال الدين وعلماء السلطة في دول الخليج والدول العربية وإيران وتركيا وهو السيناريو ذاته يتكرر مع الثورة في سوريا واليمن ولكن بشكل أكثر عنجهية ووقاحة وصلف ولا نعرف بالتحديد كم من الوقت سيأخذ لكي تسقط هذه المشاهد القبيحة ورموزها كما سقطت مع نظام عميد الطغاة العرب، وملك ملوك التهريج في أفريقيا والعالم الذي خلف وراءه الاف الضحايا والأرامل واليتامى. انتهى مصير القذافي بنهاية مريرة في اصطياده في حفرة أنبوب للصرف الصحي مشابها إلى حد كبير في حفرة الرئيس العراقي السابق صدام، بينما هرب الرئيس التونسي بن علي وفر بجلده، واستسلم الرئيس المصري وانتهى الأمر به في المحاكم والمحاكمة، فما هو يا ترى المصير الذي ينتظر البقية الباقية؟!
(2)
لماذا هذا التشبث بالكرسي والإصرار العجيب على القتل وإراقة الدماء إلى آخر نفس عند القادة الزعماء العرب الفرصة كانت سانحة في الانفتاح على الداخل وقيادة التغيير والالتحام والتناغم مع مطالب الشعب الثائر، وكانت في سوء الأحوال المعقدة هو التنازل والرحيل وعدم الدخول في الصراعات والمواجهات والحروب الدموية وهو المشهد الذي نراه باستمرار في دول الشرق والغرب التي تبنت الخيار الديمقراطي والتداول على السلطة والإيمان بصناديق الاقتراع إلا في الدول العربية التي تعتقد انها استثناء في التاريخ وهو المبدأ الذي احترق مع اشتعال عربة البوعزيزي. حكاية العقيد تختلف عن كل الذين سبقوه وعن الذين سيأتون بعده، أكثر من أربعة عقود شغل فيها هذا العسكري الطائش المشهد العربي والعالمي ووصل إلى الحكم على ظهر دبابة عسكرية في انقلاب عسكري على الملكية الدستورية ليمارس كل عقده ومغامراته وفهلوته التي انتهكت كل الأعراف والقواعد والقيم ليحاول تغيير التاريخ وتبديل الجغرافيا ووضع نفسه فوق البشر واستبدل التقويم وتاريخ الدين فقرّر أن وفاة الرسول هي نقطة البداية لا هجرته ووضع أسس تعاليمه الدينية الجديدة بكتابه الأخضر البشع الذي تفوق على حكمة الأنبياء والعظماء وتجاوز أسرار الجن والإنس الذين لا يستطيعون أن يأتوا بشبيه له ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا؟! حرق الدستور واستبدل العلم وقضى على الدولة وفكك مفاصلها ومؤسساتها وحولها إلى لجان شعبية تحكمها عقلية صحراوية قبلية تسبح بحمده بكرة وعشية ونصب نفسه قائدا عليها لا يملك أي منصب وفي الوقت نفسه يشغل جميع المناصب فهو الملهم والمفتي والمفكر والطبيب والمهندس والكاتب والأديب والروائي والصحفي والمذيع والمخرج وهو الذي يحيي ويميت يرفع من قيمة الحثالة والمرتزقة والماسحين للجوخ والمؤمنين بجمهوريته ويقتل ويلاحق ويعتقل المخالفين والمعارضين من الفئران والجرذان والكلاب الضالة "بيت بيت، دار دار، زنقة زنقة". سيطر على الثروة الاقتصادية الوطنية في أغنى بلد في العالم وحولها إلى مزرعة له ولعائلته، استخدم سلاح النفط في شراء الولاءات وحياكة المؤامرات والتخطيط لتصفيات وزرع القنابل والمتفجرات في المطارات أشهرها حادثة لوكيربي، ودعم المعارضات المسلحة من عالم العربان مرورا إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية من أبونضال الى كارلوس والألوية الحمراء الإيطالية والجيش الأحمر الياباني والجيش الجمهوري الأيرلندي وجماعة الدرب المضيء في بيرو، ودفع مليارات التعويضات ليعود مرة أخرى إلى الحظيرة الدولية ويمارس مغامراته الصبيانية.
(3)
في الجانب الآخر المضاد لثورات الشعوب كان هناك من يمنى النفس أن يطول الصراع ويتمكن القذافي من الصمود مع المرتزقة وبعض القبائل الموالية وينشر الفوضى والتخريب ويشعل الحرب الأهلية ويحول البلد إلى محرقة وجهنم صغرى ويحرق آبار النفط عن بكرة أبيها لكي يكون مثالا حيا يستشهد به لتأديب الشعوب التي تصر وتطالب بالخلاص والحرية ولكن خاب مسعاهم وتبددت أمانيهم. الأهم من كل ذلك هو ضرورة تجاوز الانتقام والتشفي في مرحلة ما بعد إزالة النظام الديكتاتوري الذي أورث الخراب والدمار والفرقة والتناحر بين أبناء الشعب والتركيز على طي صفحة المضي والقيام ببناء الدولة والتعمير وإرساء العملية السياسية ووضع الدستور وقوانين الانتخاب والأحزاب والإعلام وصولاً إلى إجراء الانتخابات التشريعية، والتعاون وقبول الجميع تحت راية الوطن الواحد بلا عزل وتهميش وإقصاء وان يتعلموا من أخطاء وعثرات المرحلة الانتقالية في كل من مصر وتونس. نهنئ اخواننا الأحرار في ليبيا بنصرهم الكبير وبنجاح ثورتهم الخالدة، ونتمنى أن يقطف الشعب الليبي الحر ثمار ثورته التاريخية من خلال بناء وطن قائم على الحرية والديمقراطية الحقيقية وعقبال العرب الآخرين
مسالخ ميانمار!
مأساة كبيرة يعيشها الروهينغا المسلمون كأقلية عددها حوالي مليون نسمة، فهم محرومون من الجنسية وملكية الأراضي والتصويت والسفر... اقرأ المزيد
870
| 13 سبتمبر 2017
ضد الكراهية!
مؤشر صعد اليمين الأمريكي المتطرف وصل إلى أعلى مستوياته مع وصول دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض بعد... اقرأ المزيد
678
| 30 أغسطس 2017
داء العنصرية!
ردود الفعل الواسعة على أعمال العنف في مدينة شارلوتسفيل بولاية فرجينيا الأمريكية، عكست مدى اتساع الانقسام الذي يعيشه... اقرأ المزيد
660
| 16 أغسطس 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8730
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2832
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2655
| 30 أكتوبر 2026