رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلان فوز محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية كان الحلقة الأخيرة في مسلسل أداء الإخوان المعادي للثورة والمناقض لمنطق الثورة في تتابع المهام حال إسقاط رأس النظام والذي بدأ مع لجنة البشري، وانتهى باحتفالية الإخوان أنهم فازوا بمنصب الرئيس. وليس من الإنصاف وصف انتخاب مرسي أنه خطوة على طريق الثورة، ويمكن أن يكون سقوط أحمد شفيق هو رفض للنظام السابق، ولكن لا أستطيع تسكين مرسي ضمن حركة الثورة، وإلا وجب وضع استفتاء مارس وقانون انتخابات مجلس الشعب وأداء الإخوان طوال الفترة الماضية وخلال كافة المواجهات التي سقط فيها الشباب قتلا وسحلا وصمتهم على ذلك كله وأداؤهم في شأن الدستور والجمعية التأسيسية لوضعه، وأخيرا موقفهم من قرار المحكمة الدستورية بشأن عدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب، وجب أن نضع كل ذلك لصالح الثورة!
مراجعة أعداد الأصوات بين المرحلتين الأولى والثانية، يجلب أمامنا حقيقة أن قرابة السبعة ملايين صوت أضيفت إلى كلا المرشحين، وهذه الملايين السبعة على كلا الجانبين كانت ترفض إعادة النظام من ناحية وترفض الإخوان من ناحية أخرى، وهي أصوات ليست لأي من المرشحين بقدر كونها أصواتا لا تملك سوى الرفض لما يعبر عنه أي منهما.
يجوز للإخوان أن تقيم الأفراح لفوز مرسي، ولكن هل هذا معناه أن أداء الإخوان خلال السبعة عشر شهرا الماضية نال الرضا، وانتقل من خندق مضاد للثورة وغلَّب مصلحة الجماعة على أهداف الثورة ومهامها الواجبة، ووضع الجميع في متاهة الانفلات القانوني والدستوري، لتستعذب الجماعة في نهاية الفترة الماضية أن تطرح نفسها تعبيرا عن الثورة!؟ وهو أمر لا وجود له في يوميات الفترة الماضية.
والأكثر افتقارا للمنطق موقف الجماعة ومريديها، ومن اصطفوا إلى جانبها، من حكم المحكمة الدستورية بشأن حل مجلس الشعب، ومرد الرفض، أكثر تشوها وتناقضا في التعامل مع العقول، فقال قائل منهم "كيف تحكم المحكمة الدستورية في شأن مجلس الشعب، وهناك قانون بشأن المحكمة الدستورية داخل اللجنة التشريعية بالمجلس؟" وهو أمر يثير الريبة عن ماهية القصد من وراء مشروع القانون ذلك، وهل عرض قانون إخواني بشأن المحكمة الدستورية يعني إيقاف عملها؟ ويخرج متحدث آخر يتباكى على تكلفة عملية الانتخابات وتكلفة المرشحين في أعمال الدعاية، وكأن الأموال المنصرفة تجيز إهدار حكم عدم دستورية قانون الانتخابات! ويصل الرأي لدى بعض آخر بالتعامل مع القانون بنظام التجزئة، ويقولون إن الحكم ينصرف على ثلث الأعضاء وليس كلهم!؟ ما هو المنطق الذي يضع هذه الآراء والمواقف في إطار الثورة؟، وتجب لها الحشود الجماهيرية بالتحرير، بل ويجتمع عليها بعض ممن يحسبون على الثورة وعيا، منادين وجوب التعلم من الخروج من التحرير يوم 11 فبراير، وهو ما يعني عدم الخروج من التحرير إلا بإلغاء الحكم!!، قولة حق ولكنها ليست للثورة أو لدعم إرادة التغيير الشعبية، ولكنها انسياق وراء رغبة الجماعة في امتلاك اليد العليا لما تقرر وما ترفض.
آفة ما نعانيه في مصر الآن هو النسيان، وفقدان الذاكرة القريبة، وتغيير المواقف على الأهواء، فلأن شعار "لا لحكم العسكر" يجد رنينه عند الكثيرين، يسقطون من الحساب تحليل القوى التي وقفت في مواجهة الثورة، ولا تنتمي لها أداء ومنهجا وسياسات وموقفا من أمريكا وإسرائيل أو حتى وعيا بالهوية المصرية، فهل صكوك الغفران لأعداء الثورة انتقائية أيضا؟
هل يملك أحد إجابة تحدد من حصل على كرسي الرئاسة؟ مرسي أم جماعة الإخوان؟
هل يقبل أحد بأن مرسي خرج من عباءة الجماعة؟
هل يستطيع أحد أن يجري توصيفا للخطاب السياسي لمرسي؟ أعتقد أن ذخيرة الرجل السياسية واللغوية أيضا، تعجز عن التعبير عن الثورة المصرية وحاجاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟
هل يملك أحد القدرة على الفصل بين الجماعة وحزب الحرية والعدالة؟ وهل هذا أمر متسق مع قانون الأحزاب؟ هل يملك المستشار الجليل رئيس لجنة الأحزاب تفسيرا لهذا؟
هل يملك أحد مبررا قانونيا لاستمرار وجود الجماعة خارج القانون؟
هل يستطيع أحد أن يكشف أغوار خطة الجماعة تجاه الصحافة المصرية؟ والإعلام المملوك حتى اللحظة للدولة؟
هل يملك أحد تصورا لخطة الجماعة تجاه الأزهر؟
هل يستطيع أحد أن يفسر العلاقة بين أمريكا وإسرائيل، عبر ممثليهم بالقاهرة، دبلوماسيين أو تجاريين، أو في واشنطن، وبين الجماعة؟
هل يملك أحد تفسيرا للحدود الحاكمة لعلاقات الجماعة الخارجية، وبالتالي علاقات مرسي؟
هل يملك أحد معنى اللقاء الاستراتيجي بين الجماعة وحركة حماس، وبالتالي علاقة مرسي بذلك؟
وهل هناك من يملك تفسيرا لموقف الجماعة من الجمعية التأسيسية للدستور وضربها عرض الحائط بكل محاولات التوفيق والتلفيق لتمرير تشكيل متوازن للجمعية؟ أليست هذه واحدة من القنابل الموقوتة التي وضعها البشري؟ ثم هل تملك الجماعة مشروعا كاملا للدستور وتريد تمريره؟
ثم هل هناك من يملك تفسيرا لأحاديث الخلافة والقدس والعنف والدم ومرشح الله، التي دارت خلال فترة انتخابات الرئاسة، كما دارت أحاديث التكفير في استفتاء مارس 2011؟
منذ البشري وحتى مرسي، تتبع الجماعة سياسة نعم ولكن؟ في حوارها مع عمر سليمان وخروجها من الميدان وسياسة الفرقة بين الشباب حتى تلك اللقاءات الأخيرة مع عناصر صار لأسمائها لمعان وبريق بسبب الثورة، وجل عطائها أنها أسماء.
وفي التعامل مع الرأي العام تتبع سياسة "المعزة العياطة لا يأكلها الذئب"، وهذا النوع من الماعز العياط يثير انتباه الراعي، فيهب إليه خشية أن يأكله الذئب، والأمر لا يعدو جذب الانتباه وتوفير الرعاية لحين تحقيق الغاية.
القول بأن اللقاء واجب الآن مع الجماعة هو إهدار لدروس المرحلة الماضية والوعي بالمواقف السلبية والمعادية خلالها، من حق الجماعة أن تقرر أمرها وفق ما ترى، ولكن ليس من حقها احتساب أدائها على الثورة، وليس هناك من يملك صكوك الغفران ولا من يملك الحديث باسم الثورة، فالثورة عمل، وليست مجرد رحلة أقوال لا تتعدى أفواه قائليها، بينما أفعالهم مناوئة للثورة.
إن المواقف التي انطلقت خلال الأيام الماضية في مواجهة الجماعة تبدو كغثاء السيل، فهي في منتهاها لا تعدو آحاد الأفراد، ولا تعبر عن عمق مجتمعي. حتى إن البعض منهم يبحث عن السيد الذي يناديه كي ينقذه، وصارت تلك الجماعات عبئا على الثورة وليست قوة مضافة إليها.
إن فوز مرسي لا يعني محطة وصول للثورة تنطلق بعدها إلى مهام جديدة، ولكنه مجرد خطوة على طريق خريطة الأداء التي قررها البشري ولجنته وجماعة الإخوان، وربما لا يطول زمن رئاسته لعام واحد إن لم يتضمن الدستور القادم حكما انتقاليا يستكمل بمقتضاه مدة الرئاسة كاملة.
إن الحديث عن انقلاب ناعم قام به المجلس الأعلى أتمه بأحكام الدستورية والإعلان التكميلي وقرار الضبطية القضائية وتشكيل مجلس الدفاع، ممكن، ولكم أن ترفضوا ما تشاءون أو تقبلون، ولكن ألم يكن استفتاء مارس انقلابا على الثورة؟ ألم يكن قانون انتخابات مجلس الشعب انقلابا آخر؟ ألم تكن كل محاولات تغيير الهوية المصرية انقلابا ثالثا؟ أليس تشكيل الجمعية الدستورية انقلابا مستمرا حتى الآن؟
هذه الانقلابات في مجموعها تصدر من خندق ضد الثورة، ولكن الانقلاب العسكري الناعم الأخير يكاد يكون محاولة لإعادة تصحيح المسار جاءت متأخرة سبعة عشر شهرا.
لا يرغب عاقل أن يهدر الوقت كما أهدرتموه، ولا أن يثير الفوضى القانونية والدستورية كما تفعلون، ويجب على أي عاقل يعي أهداف الثورة أن يعيد تقييم الأداء لكافة الأطراف.
وسوف تظل عالقة بثوب الهتافات نقطة سوداء لم يتحدث في شأنها أحد بشجاعة، ماذا تعنون بهتاف "يسقط حكم العسكر"؟ ويجري الحديث أن حكم العسكر كان منذ عام 1952، ولكم هذا، ولكن ماذا تملكون أنتم لوطنكم حتى اللحظة غير هتاف بلا رؤية ولا مضمون وبدون قيادة ودفعتم بشباب الثورة إلى الاستشهاد والإصابة والأمراض النفسية، وهربوا من ادعاءاتكم إلى السكون، يقاومون الإحباط، لأنهم لم يجدوا مثلا أعلى بينكم، ووجدوا بديل ذلك تكالبا على منافع خاصة لا حد لها، ووجدوكم تضعون أيديكم في أيدي من قتلوا رفاقهم، ووجدوكم تجعلون من الشهداء مجرد مصدر للتعويضات ونسيتم قضيتهم التي استشهدوا من أجلها.
إن للثورة شهداءها، نعم، وقد انتصروا وهم عند خالقهم في كسر حاجز الخوف، وكشفوا الجميع ومدى قدرتهم ولا أستثني أحدا، وتلبست أرواحهم وعي الشعب، وصار وهو الصامت والمنشغل بلقمة العيش، مصدر القرار، وسيبقى، فهل تستوعبون موقف الشعب أم أن الانشغال بأوهام غير مطروحة على الثورة هو سبيل الهروب من مسؤولياتكم.
لعلي لا أملك غير أن أقول الكلمة، كتابة أو حوارا مع الشباب، ولا تقبل النفس جلوسا مع غيرهم، ولكني لن أقبل أن أترك انحرافا بالمسار أو استبدالا للخصومة دون أن أكشفه، قبلتم أو رفضتم.
أمران يجب اليقظة تجاههما، الشباب والجمعية التأسيسية.
إن استمرار الثورة لن يتحقق بغير استرداد الشباب للمبادأة، نعم .. الطريق طويل، ولكن ما استطاعوا إنجازه في 18 يوما، يمكنهم بتلك القدرات، وما ترتب على إنجازهم من نتائج، أن يعيدوا الإمساك بالثورة وأهدافها، وليس لهم من نبع للقوة غير الالتحام بقوى المجتمع المهملة من الجميع، وهم يرون في الشباب أمل الغد، واستجابوا لهم يومي 25 و28 يناير 2012 لأنهم أدركوا صدقهم، عودة الشباب إلى الشعب، هي طريق انتصار الثورة، العودة إلى الشعب ستفتح باب الوعي بمعنى الوحدة، والوعي بمعنى الدستور، فالشعب قد تجاوز الجميع، والشباب ليس أمامه غير الوفاء للشعب بوجودهم منظمين وساعين إلى تحقيق أهدافه.
وتبقى الجمعية التأسيسية للدستور هي قضية الثورة في اللحظة الراهنة، ولا تقبلوا بالانقلاب الذي حاول الاستيلاء عليها من أي تيار كان، فالجمعية التأسيسية ليست تكوينا يعبر عن التكوينات السياسية وحسب، ولكن الجمعية تعبر عن كافة المكونات الاجتماعية للمجتمع، وليست جمعية لتقرير الأمور بأغلبية عددية، ولكنها جمعية لإتمام التوافق حول دستور الثورة.
إن الدستور إرادة الشعب، والعلاقة بين الدستور والشعب ليست مجرد الاستفتاء، ولكن العلاقة جدلية فهو تعبير عن الإرادة الشعبية، وهو وعي الإرادة الشعبية بما يتضمنه، حتى يمكن استفتاء الشعب عليه.
إن المحاولات الجارية لترويض الثورة ...ع أنيابها، لن تجدي، لأن الثورة موجودة فيمن لا تصل إليه أيديكم ولا عصاكم، إنهم دائما في حالة يقظة، لأن حاجاتهم لم تتحقق بعد، ومن يتعلم أسلوبا ينجز به حاجاته، لا ينساه ولا يتنكر له.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6006
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5295
| 13 سبتمبر 2026
ليس المطلوب أن نضع الحكم الوطني في منطقةٍ محرَّمة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد، كما أن المطلوب، في المقابل، ألا يتحول الخطأ في قرارٍ تحكيمي إلى مبررٍ للنيل من الحكم أو التشكيك في قدراته ومكانته. وبين الموقفين مساحةٌ واسعة من الإنصاف، هي التي نحتاج إليها حين نتحدث عن حكامنا الوطنيين. الحكم جزءٌ من منظومة كرة القدم، يخطئ ويصيب، ويخضع قراره للتقييم كما يخضع اللاعب والمدرب والإداري. لكن الفارق أن تقييم القرار ينبغي ألا يتحول إلى محاكمة للشخص، خصوصًا حين يكون الحديث عن حكامٍ وصلوا إلى مستويات متقدمة، وأثبتوا حضورهم في البطولات الخليجية والقارية والدولية. وجود تقنية الـVAR منح المنظومة التحكيمية أدواتٍ أكثر دقة للمراجعة والتدقيق، لكنه لم يُلغِ الاجتهاد البشري، ولم يجعل القرار التحكيمي آليًا. فما زالت هناك قراءة للواقعة، وتقدير للحالة، وفهمٌ للقانون، ثم قرارٌ يتحمل الحكم مسؤوليته. ولذلك فإن حماية الحكم نفسيًا لا تعني إعفاءه من المسؤولية، وإنما تعني أن نختلف معه دون أن نهدم ثقته بنفسه. وهنا تأتي مسؤولية الإعلام والأندية والإداريين. من حق النادي أن يحتج، ومن حق الإعلام أن ينتقد، لكن من واجب الجميع أن يضعوا النقد في إطاره الصحيح، وأن تكون القنوات الرسمية هي الطريق الطبيعي للاعتراض، لا التصريحات التي تُقال تحت تأثير الانفعال. وفي تقديري، فإن النقد المقبول هو الذي يناقش القرار التحكيمي ويبيّن الخطأ وأسبابه، أما حين يتجاوز النقد القرار إلى التشكيك في الحكم وقدراته ومكانته، فإنه يفقد قيمته ويتحول من نقدٍ للقرار إلى إساءةٍ للشخص. وأرى أن مشروع الحكم الوطني لا يمكن أن يتطور من دون بيئة تمنحه الثقة، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من النقد والمساءلة. فهو يحتاج إلى دعمٍ مستمر، وإلى نقدٍ يطوّر ولا يهدم، وإلى لجنة حكامٍ تؤكد ثقتها في حكامها وتدافع عن حقهم في الاحترام. نحن لا نطالب بأن يكون الحكم فوق النقد، بل نطالب بأن يكون النقد بحجم الخطأ، وأن تبقى كرامة الحكم محفوظة. فحكامنا الوطنيون ليسوا خصومًا لأنديتنا، بل شركاء في نجاح كرتنا، والاختلاف معهم لا ينبغي أن يجرّدهم من حقهم في الاعتزاز بما حققوه، ولا نحن من حقنا أن نتخلى عن الاعتزاز بهم.
4116
| 10 سبتمبر 2026