رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الزوبعة التي أثيرت احتجاجاً على زيارة مفتي الديار المصرية علي جمعة إلى المسجد الأقصى هي على حق، وكان من الواجب أن تقوم بأضعاف مما هي عليه! فالزائر هذه المرّة هو مرجع ديني في أكبر دولة عربية. بما يعنيه ذلك من فتاوى غير مباشرة تتيح لجميع الناس السير على نهجه. مع العلم أن الزيارة جاءت بموافقة السلطات الإسرائيلية وبإشراف مباشر من جنودها. هذه الزيارة تذّكرنا بموقف شيخ الأزهر إبّان الحقبة الساداتية عندما أفتى للسادات أيامها بجواز زيارته للقدس المحتلة، ومن ثم فتواه بتحليل معاهدة كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل.هذه الزيارة تذّكرنا أيضاً بالفتوى التي كان البابا الراحل شنودة قد أصدرها والتي تحرّم على الأقباط الزيارة والحج إلى القدس طالما بقيت محتلة.
الزيارة التي قام بها مفتي مصر إلى القدس المحتلة تأتي في الوقت الذي تنادي فيه الدولة الصهيونية بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل ولليهود في أنحاء العالم قاطبة، وفي الوقت الذي تزرع فيه القدس وجوارها بالمستوطنات. وفي محاولات تهويد القدس،ومحاولة تهديم المسجد الأقصى من خلال الحفريات الكثيرة التي تتم تحته، بهدف تزويري من حيث: وجود هيكل سليمان ومن أجل بناء هيكل جديد (وكأنهم يريدون إلصاق القدس عنوة بالتاريخ اليهودي). الزيارة من المرجع الديني العربي المصري هي باختصار: اعتراف ضمني بما تدّعيه إسرائيل من أضاليل وأساطير حول المدنية المقدسة. كان حَريّا بالشيخ علي جمعة ألا يقوم بهذه الزيارة الآثمة، في الوقت الذي تمنع فيه قوات الاحتلال خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري من دخوله. وفي تصريح للأخير كشف الشيخ صبري أن زيارة المفتي للمسجد كانت تتم في الوقت الذي يقوم فيه الجنود الإسرائيليون بتدنيس ساحات الأقصى، واستطرد الشيخ صبري متهماً الشيخ جمعة "بالكذب على العرب والمسلمين" فهو كان قد أدّعى في تصريح له بأن الزيارة تتم بعيداً عن موافقة سلطات الاحتلال (وكأنه هبط عليها من السماء) وأنه لم ير أيا من الجنود الصهاينة.للعلم (ومثلما ذكر الشيخ صبري في حديث له) فإن قادة السلطة الفلسطينية لا يستطيعون زيارة القدس ولا الأقصى إلا بإذن من سلطات الاحتلال الصهيوني.
لقد أخطأت السلطة الفلسطينية وخاصة الرئيس محمود عباس عندما دعا العرب والمسلمين إلى زيارة المناطق الفلسطينية والقدس وهما تحت الاحتلال. فالزيارات تتم من خلال الحصول على سمات للدخول من السفارات الإسرائيلية في مختلف دول العالم، وهذه قضية تصب في قناة التطبيع وجوهره مع العدو الصهيوني.
إن من أكبر الأهداف الإسرائيلية منذ إقامة هذه الدولة في عام 1948 وحتى اللحظة، هو الحصول على اعتراف جماهيري وشعبي عربي بإسرائيل كدولة من دول المنطقة، والدخول إلى النسيج الاجتماعي للأمة العربية والقيام بمختلف أشكال التطبيع معها. لم يكن الهدف لإسرائيل الاعتراف الرسمي العربي بها فقط، وإنما الأهم هو الاعتراف الشعبي الجماهيري بها، ولذلك حاولت إسرائيل وبكل ما أوتيت من قوة وإمكانيات. التطبيع مع الشعب المصري بعد معاهدة كمب ديفيد، ولكن لوعي الجماهير الشعبية المصرية وأحزابها ونقاباتها ومؤسساتها ومنظماتها غير الحكومية تمكنت من إفشال المخططات الإسرائيلية، يدخل في باب التطبيع: السماح لإسرائيل بإقامة مؤسسات تصنيعية ومكاتب تمثيلية وغيرها من الأشكال على أي بقعة في الأرض العربية، وكذلك استضافة إسرائيليين في الفضائيات العربية، وكل تلك الأشكال من التبادل بمختلف الأسماء والمسميات، أيا كان شكلها : من زيارات لإسرائيل أو العكس بالعكس.
لقد استغلت إسرائيل كل الاتفاقيات الموقعة مع دول عربية معها، سواء أكان ذلك في وجود سفارات لها أو أي مكاتب تمثيلية لها في العواصم العربية أبشع استغلال. إذ جعلت منها أوكاراً للموساد، ومجالاً للتآمر على البلدان العربية حتى تلك التي وقعت اتفاقيات وتبادلت السفراء معها. فحاولت ولا تزال التجسس على مصر، وهرّبت إلى أسواقها المخدرات، وصدّرت إليها آفة القطن في محاولة لتخريب المنتج الاقتصادي المصري الأول، ولعبت دوراً قذراً في تخريب وحدة النسيج الاجتماعي لشعوب هذه الدول، باللعب على القضايا الخلافية الطائفية والمذهبية والإثنية. وقام "الموساد" بمحاولة اغتيال المناضل الفلسطيني خالد مشعل في قلب العاصمة عمّان، وأسهم في اغتيال العلماء والكفاءات العراقية بعد الاحتلال الأمريكي لهذا البلد العربي. لقد هدّد الفاشي ليبرمان وزير الخارجية الصهيوني. بقصف السد العالي وإغراق مصر. لقد تآمرت إسرائيل مع بعض الدول الإفريقية التي ينبع من أراضيها نهر النيل. لحرمان مصر والسودان من حصتيهما في مياهه، رغم الاتفاقية الدولية الموقعة بهذا الشأن. إسرائيل تآمرت مع هذه الدول ببناء سدود على أراضيها لتقليل مياه النهر.
إسرائيل تحالفت مع الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان. وهي تآمرت من أجل انفصال الجنوب عن الوطن الأم، ولذلك فإن من الصحة بمكان إطلاق اسم"إسرائيل الثانية" على جمهورية جنوب السودان، وهي التي قامت باغتيال القادة الفلسطينيين في كل من لبنان وتونس والإمارات العربية المتحدة، هذا إلى جانب حروبها العدوانية ضد الدول العربية ولعل من أبرزها: الحروب المعروفة منذ نشأتها. ونخص بالذكر تحالفها مع بريطانيا وفرنسا في العدوان على مصر في عام 1956، بعد تأميم عبد الناصر لقناة السويس. هذا غيض من فيض الاعتداءات الصهيونية وتآمرها على الدول العربية.
تأتي زيارة مفتي الديار المصرية في زمن الربيع العربي، ولعل من أهم دوله مصر والحراك الجماهيري الشعبي العربي المصري. إن من أهم الشعارات التي رفعتها جماهير مصر هو: إلغاء معاهدة كمب ديفيد، وقطع العلاقات بكافة أشكالها مع إسرائيل والامتناع عن تزويدها بالنفط والغاز المصري،اللذين يباعان إليها بأسعار تفضيلية ( مؤخرا صدر قرار بإلغاء اتفاقية الغاز ). من أجل هذه الشعارات التحررية من العلاقة مع إسرائيل قام الشعب المصري بمحاصرة السفارة الإسرائيلية في القاهرة واقتحامها وتدمير محتوياتها. هذه هي روحية الجماهير المصرية تجاه العدو الصهيوني. فرغم مرور ما يزيد على الثلاثة عقود على اتفاقية كمب ديفيد ووادي عربة، لم تنجح إسرائيل في خطواتها التطبيعية مع العالم العربي، إذ بقيت الأمة العربية حذرة كل الحذر في التطبيع مع إسرائيل. صحيح أن بعض الاختراقات الإسرائيلية نجحت بهذه الطريقة أو تلك وبخاصة في تصدير المنتجات الإسرائيلية إلى أسواق الدول العربية. لكن ذلك تقوم به للأسف أقلية لا هم لها سوى خدمة مصالحها على حساب كل الأمة وضد مصلحة الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.
التطبيع هو مفتاح لقبول إسرائيل في المنطقة. وهو أيضاً اعتراف بالأضاليل التاريخية والجغرافية التي تروجها الصهيونية عن فلسطين. وتطرحها حالياً بالنسبة ليهودية دولة إسرائيل. لكل ذلك فإن التطبيع وبلا ثمن هو ما تريده إسرائيل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8742
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3303
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2940
| 30 أكتوبر 2026