رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تابعت كما تابع التوانسة زيارة رئيس حكومة بلادنا السيد المهدي جمعة لخمسة من دول مجلس التعاون الخليجي الستة وكان بودي تلقائيا أن تعلن حكومتنا على إثر هذه الجولة عن نتائجها وعن نجاح السيد جمعة فيما فشل فيه أسلافه من رؤساء الحكومة منذ 14 يناير 2011 ولم يقنعني وزير خارجيتنا ولا السيد الورفلي في اللقاء الصحفي الذي عقداه لتبيان النتائج ذلك أن علاقات بلادنا مع الخليج تعتبر أساسية بالنسبة لاقتصادنا وسياحتنا وسياساتنا بحكم ارتباطنا معها بعلاقات تقليدية منذ أيام بورقيبة وبن علي وبحكم التزامنا بميثاق جامعة الدول العربية وبطبيعة الاحترام الذي تحظى به تونس منذ استقلالها من قبل دول الخليج رغم أن تونس تعتبر لدى جانب هام من الرأي العام الخليجي دولة قريبة حضاريا من النمط الغربي الأوروبي وهو ما لم يقطع صلتنا برقعتنا الحضارية العربية الإسلامية ولم يفسد لودنا قضية مهما كان إصرار التغريب البورقيبي المتحدي بلا لزوم على قطع أواصرنا المشرقية والتوجه عموما للغرب في كل سياساتنا. فلبنان مثلا ظلت أكثر منا التحاما بالنمط الغربي بسبب مسيحية حوالي نصف اللبنانيين ولكنها كانت على مدى عقود مزار الخليجيين المفضل ومركز استثماراتهم قبل أن تعزلها عن هذه المكانة حرب أهلية طويلة وكذلك مصر برصيدها الثري من الثقافة والسبق إلى الخليج منذ الخمسينات بالرعيل الأول من المدرسين الرواد الذين شاركوا في تأسيس أولى المدارس والجامعات في الخليج حين كانت الحياة في الجزيرة العربية ليست باليسر الذي نعرفه اليوم وجاءت معهم أيضا طلائع الفلسطينيين بزادهم العلمي والمعرفي حين هجرهم اليهود من وطنهم واستقروا في بلاد الخليج مع أول عهد النفط إلى اليوم واندمجوا في مجتمعاتها وخدموها بأمانة جيلا بعد جيل.
ويذكر التوانسة (و المغاربيون عموما) أن معرفتهم بالجزيرة العربية حتى السبعينات لم تكن تتجاوز فريضة الحج من خلال توديع واستقبال حجيجنا الميامين وبما يعودون به من أداء مناسك الحج من مسبحات وماء زمزم وبخور وسجاجيد الصلاة ولم نكن نعرف عن بلاد الحجاز غير أفلام مصرية قديمة بالأبيض والأسود عن صدر الإسلام وتعذيب بلال الحبشي بأيدي المشركين وهو يردد: "أحد أحد "وانطلاق الفتوحات وبناء الخلافة الراشدة. وللأمانة التاريخية يجب أن نشير إلى حلقة محورية وفاصلة من تاريخ التعاون التونسي الخليجي عندما أوصدت دول أوروبا وفرنسا بالذات أبوابها وحدودها أمام اليد العاملة والكوادر التونسية والمغاربية عموما منذ أواخر السبعينات فرفع الاتحاد الأوروبي في وجوهنا شعار (الهجرة صفر) بعد أن كان التونسيون لا يتصورون الهجرة للعمل إلا نحو الدول الأوروبية وفي بداية الثمانينات عين بورقيبة صديقنا العروبي محمد مزالي رئيسا للحكومة ودعاني كما دعا غيري من رفاقه لمؤازرته وتحمل بعض المسؤوليات السياسية معه فاجتهدنا لنصرة اللغة العربية من غبن الفرنكوفونية اللقيطة واقترحنا على الحزب الدستوري رؤية سلمية مدنية للعامل مع التيار الإسلامي وأصلحنا ما استطعنا من أمر الاتحاد العام التونسي للشغل بمساعدة الطيب البكوس على إنقاذ المنظمة المناضلة في مؤتمر قفصة الذي حضرناه ومن جهة أخرى فكرنا مع الصديق محمد مزالي أيضا في طرق أبواب الخليج لتشغيل الفائض من الكفاءات التونسية في دول مجلس التعاون الذي أنشأ في نفس السنة التي تولينا الحكم فيها سنة 1981 فبادر الأستاذ محمد مزالي إلى تنظيم جولة خليجية رافقته فيها من جدة إلى ابوظبي إلى الدوحة إلى المنامة إلى الكويت ثم أفردنا سلطنة عمان بزيارة فيما بعد. وإلى اليوم يعترف لنا أهل المروءة من المقيمين في الخليج بهذه المبادرة الكريمة التي تحولت اليوم إلى ظاهرة وطنية جعلت التوانسة يساهمون في تنمية وتقدم الدول الخليجية الشقيقة وكما كان يقول لي شخصيا أحد أفضل قادة الخليج فإن التونسي يتميز بالكفاءة والأمانة والحمد لله وهو شرف نعتز به. ولكن النتائج الراهنة تبقى دون المأمول لأننا مع الأسف في عهد بورقيبة أثرنا حفائظ دينية كنا في غنى عنها ما عدا الصداقة التي ربطت بين المغفور لهما الزعيم بورقيبة والملك الصالح الشهيد فيصل بن عبد العزيز حين اشتركا في تأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي ردا على الغوغاء القومية للمرحوم جمال عبد الناصر الذي سخر جامعة الدول العربية لممارسة ضغوط ودسائس ضد الأنظمة العربية التي لا تقبل فرعنة من أحد وكان إعلام عبد الناصر غفر الله له يقسم الدول العربية إلى تقدمية ورجعية من دون وجه حق. ثم حل بتونس عهد زين العابدين بن علي فكانت علاقات تونس بدول الخليج تنقسم إلى قسمين: قسم لا يتعدى الصفقات الاستثمارية في ظروف غامضة لم تراع فيها مصالح الشعب التونسي (مثل مشروع سما دبي) وقسم يرتكز على قناة الجزيرة وظهور بعض المعارضين التوانسة على شاشتها مع مسلسل سحب السفراء وقطع العلاقات وهو ما تضررت منه بلادنا بكل المقاييس ثم جاءت الثورة التي حاولت حكوماتها الأولى إصلاح ما فسد في هذه العلاقات ولكن نزعات مضادة للثورة استهدفت بعض دول الخليج بالنيل من حكامها وأنماط حياتها في الإعلام أو في بيانات الأحزاب العلمانية المتطرفة وهذه النزعات كانت تقاوم حركة النهضة وكل ما يمت للإسلام بصلة ولم تدرك أنها بهذا الصنيع إنما تخسر تونس استثمارات قيمة ومصالح حيوية. ثم جاءت جولة السيد مهدي جمعة فاستبشرنا بالرجل خيرا حين لمسنا فيه الجدية والحياد ولكنه في نظري المتواضع لم يوفق حين أدلى بتصريح لصحيفة الدستور الأردنية عبر فيه عن تأييده لقرار المملكة السعودية القاضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين تنظيما إرهابيا لأن هذا التصريح مهما كانت نوايا صاحبه ومهما فسره وزيرنا للخارجية وهو محرج لا يخدم نصاعة وحياد وجدية علاقاتنا بدول الخليج والسبب أولا هو أن رئيس حكومتنا المؤقت غير مطلوب منه أن يعلق على قرارات سيادية لدولة شقيقة فالدول الخليجية الأخرى ذاتها لم تعلق لأن لكل منها موقفا خاصا بها من هذه الجماعة مثل دولة قطر ودولة البحرين التي صرح وزير خارجيتها يوم الخميس الماضي بأن حكومة بلاده ليست لها مشكلة مع الإخوان أما دولة الكويت فإن جماعة الإخوان فيها تشارك في السلطة والحكم منذ عقود وهذه خيارات سيادية لم يكن السيد مهدي جمعة مضطرا للتدخل فيها باسم تونس. وكانت أصداء تصريحاته في الداخل غريبة نوعا ما لأنها استعملت ووظفت من قبل أعداء الهوية إلى درجة أن بعض السياسيين والإعلاميين (حتى المرموقين منهم مثل الزميل سفيان بن حميدة!) شبهوا المهدي جمعة بالسيسي المصري وبشروا التوانسة بمصير مصري لا قدر الله! إنه خطأ نضعه في خانة فقدان المستشار الدبلوماسي الواعي لرئيس الحكومة وفي خانة قلة التجربة الخارجية وهشاشتها للمهدي جمعة وعلى كل يقول أشقاؤنا الخليجيون (الحمد لله صار خير).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
8646
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. [email protected]
4638
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1434
| 11 مارس 2026