رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قادتني الظروف وسوء الصدف إلى متابعة برنامج حواري على إحدى القنوات التونسية خلال الأسبوع الماضي ولفت انتباهي بالخصوص أحد التوانسة الذي قدموه لنا على أنه جامعي وسياسي ومتخصص في الدراسات الإسلامية! فوعدت النفس بحديث مفيد لرجل له مثل هذه الصفات والألقاب وقلت إنني حتما سأستفيد وأتعلم وتذكرت أنه سبق أن شاهده الجمهور التونسي من قبل وهو يهاجم حركة النهضة بسبب أو بدونه على بلاتوهات الفضائيات ويتكلم باسم أحزاب تغيرت أسماؤها وتغيرت مواقعه فيها وأخرها حزب تخلى عنه وحزب ثان إحتضنه ورأيناه أيضا يتقدم بعضويته لحزب جديد والرجل في الحقيقة متكلم جيد يحاول إقناع الجمهور بمواقفه وأفكاره وأنا أكتشفه لأول مرة لأنني في رحلة المنافي الطويلة والملاحقات من قبل أنتربول ومحاكماتي الكيدية وشتات أسرتي وبيع بيتي بالمزاد في عهد الاستبداد وفي عهد مداخلاتي وكتاباتي وإصدار كتابي (ذكريات من السلطة إلى المنفى) أي في عز قوة الحاكم وفي حضرة السلطان الجائر لم يسعفنا الحظ أنا وبعض رفاق المنافي بالتعرف عليه ولا حتى بسماع صوته أو همسه وأنا لا أقول هذا الكلام بمرارة المظلوم أو حسرة النادم بل بحكمة من يدرك بعد مطالعة كتب التاريخ ومعايشة المحن السياسية أن جميع الثورات ينضجها رجال ونساء رواد ويصنعها رجال ونساء من أفضل الشباب ثم يركب عليها بسهولة ودهاء رجال ونساء آخرون من نوع مختلف وكأني بهم نزلوا من كوكب بعيد يبرعون في تبنيها والنطق باسمها حتى أنك تخالهم حين تسمعهم زعماء دفعوا ضريبة الدم والشباب الضائع كما دفعنا وتشردوا في أرض الله كما تشردنا وبيعت منازلهم كما بيعت منازلنا وحوكموا في العهد البائد كما حوكمنا بل إنهم تفننوا في إتقان عمليات تبني الثورة إلى درجة عجيبة حيث يقنعون الناس بأنهم هم الذين ينتظرهم الشعب التونسي لينقذوه! إنه منطق التاريخ وطبيعة الإنسان وسيرورة الكون فالذين استشهدوا بالأمس في سبيل استقلال البلاد أو استشهدوا اليوم من أجل طي صفحة الاستبداد إنما قدموا أرواحهم خالصة لله تعالى وللوطن وللحرية ولم يكونوا يعرفون رحمهم الله بأن لصوص التاريخ وقراصنة المجد ومحولي وجهات الثورات بالمرصاد لمكاسب الشعب وهم الذين أطلقت أنا عليهم نعت ثوار مساء 14 يناير الساعة السادسة والربع أولئك الذين طلعوا من تحت الأرض كالفقاع بعد المطر في رمشة عين وفي غفلة من ضمائر الناس!
لنعد إلى أخينا هذا الذي تحمس ضد الإرهاب إلى درجة أنه أرهب الحقيقة ورهبن الأحداث بقوله حرفيا: "يجب أن ندين كل من يبيض الإرهاب مثل أولئك الذين يطالبون بتعدد الزوجات فهم إرهابيون!" هذا كلام الرجل وهو تونسي أي عاش في ظل مجلة الأحوال الشخصية واعتبرها كما اعتبرها السياسيون (خطا أحمر) كما اعتبروا أن التعدد مهما كانت أسبابه هو إرهاب (بهذا المنطق المعكوس فالرجل يصنف مليار وثلاثمئة مليون مسلما في عداد الإرهابيين لأن خمس البشرية مسلمة وليس لدى دولها قانون أحوال شخصية انفردنا به نحن وتركيا لا غير) بينما في الحقيقة يخضع كل قانون إلى النسبية لأن القانون كائن حي يتطور ويتعدل حسب تطور وتغير المجتمع تماما كقانون المرور وقانون الاستثمار ومجلة العقود والالتزامات وأي قانون. ثم إن أحكام القرآن الكريم التي جاءت واضحة يمكن أن تكون قابلة للاجتهادات والتفاسير من قبل العلماء والفقهاء حسب سنن الحياة المتغيرة لكن في كنف مقاصد الشريعة لا بنية إلغاء الشريعة أو تحريف غاياتها. وليس القانون صنما كاللات والعزى نطوف حوله بالمباخر كالدراويش هاتفين إنه خط أحمر فلا تقربوه علما بأن كثيرا من الخرافات والأوهام نسجوها على مر التاريخ التونسي الحديث ليتحول المجتمع المسلم لمدة 14 قرنا من مجتمع متوازن معتدل بفضل تماسك الأسرة خليته الأولى ليتحول بالتدريج مع خيارات بورقيبة الاجتماعية إلى مجتمع شبه منسلخ عن هويته لأن الإفراط في جلب قوانين غربية وعلمانية متطرفة لتطبيقها على المجتمع التونسي كانت له أثار جانبية كارثية أحيانا مثل تفشي العنوسة وارتفاع نسب الطلاق وانتشار ظاهرة الأمهات العازبات واستفحال طرق الزواج العرفي واتساع فضاء اعتماد العشيقات عوض الزوجات وتمييع قضايا الإجهاض بالسماح المفرط باللجوء إليه وتحميل المحاكم أكثر بكثير مما تحتمل إلى جانب رواج المخدرات ومضاعفة نسبة الأمراض النفسية وظهور أنواع غريبة من الإجرام لم نكن نعهدها مثل جريمة قتل السرس للزوج بأيدي زوجته وعشيقها ومثل ما نرى في برامج تلفزيونية (تالك شو) من مآس عجيبة مدهشة آخرها ذلك الزوج الذي صرح أمام الملايين بأن أولاده ألوان وأشكال مختلفة!
و سبق أن طرحت في إحدى الفضائيات معضلة واحدة من معضلات الانعكاسات السلبية للمجلة وطلبت أن يفيدني خصومي بالحل ولم يأت منهم حل وهي معضلة المرأة العاقر التي يتزوجها رجل يحبها ولا يرزقها الله بالإنجاب فيضطر زوجها إلى طلاقها ليتزوج من ثانية عوض أن يحتفظ بها ويتزوج عليها برضاها ورضا الثانية وفي حالة طلاقها يحرمها المجتمع الجائر ونص القانون من الأمومة لأن أولاد الزوجة الثانية يرعونها كأم ثانية ويرافقونها طول العمر فتتمتع بالأمومة العاطفية التي حرمت منها بيولوجيا وهو ما عشناه عديد المرات عندما كنا أطفالا لدى الجيران والأقارب حين كانت بين الأزواج مودة ورحمة كما نص القرآن ثم إن طلاق المرأة العاقر رغم حب الزوج لها ورغم ألا ذنب لها تعاقب عليه بفضل بركات مجلة الأحوال الشخصية لا يحرمها من الأمومة فحسب بل يدفعها أحيانا للدعارة! هل هذا عدل يا ناس؟ فكر يا قارئ العزيز لو أن هذه المظلمة سلطها القانون على ابنتك أو أختك! إن هذا القانون ككل القوانين يجب أن ينظر فيه بالتأمل والتعديل والتطوير خبراء في القانون وعلماء اجتماع وفقهاء دين حتى نتلافى النقائص ولا يكون القانون باب ظلم وجور أما هذا الضيف على القنوات الفضائية الذي رمى كل من يدلي بمجرد رأي أو اجتهاد بأنه يبيض الإرهاب فهو الإرهاب بعينه. إن ما يبيض الإرهاب ويتسبب فيه ويغذيه ليس الاجتهاد في مجلة الأحوال الشخصية بل السبب الأكبر هو التطرف العلماني التغريبي الذي سلخ المجتمعات المسلمة عن أصولها تحت تعلة الحداثة ولا يجد معتنقوه حرجا في الدفع ببلادنا على طريق تايلند لا في التنمية بل في أسلوب التكسب السياحي. غريب أمر هؤلاء القلة يتيمة الهوية منزوعة الدسم الحضاري فهي ماتزال تفكر بالمقلوب كما تكتب بالمقلوب أي من اليسار إلى اليمين في بلاد تفكر وتكتب من اليمين إلى اليسار وستظل بإذن الله.
ثوابت الدبلوماسية القطرية.. جهود متواصلة من أجل السلام
تصدرت رؤية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الموقف القطري خلال أعمال... اقرأ المزيد
168
| 02 أكتوبر 2026
أمير البلاد المفدى يرسم رؤية قطر للمستقبل
في خطاب حمل رؤية قطر لأمن المنطقة ومستقبل النظام الدولي، أكد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد... اقرأ المزيد
189
| 25 سبتمبر 2026
الأمم المتحدة تكرم قائداً بنى وطناً وترك أثراً في أمته
لم يكن تكريم الأمم المتحدة لروح المغفور له بإذن الله، الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني،... اقرأ المزيد
276
| 18 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12138
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9858
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3468
| 22 أكتوبر 2026