رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحديث عن انتشار السلاح في المجتمع المصري الآن والرغبة في امتلاكه أمر يمكن رصده بسهولة، والأسئلة المتعددة حول ضرورات امتلاكه تمثل الطنين الأعلى في المجتمع، والناس في حالة الإحساس بالقهر لا تسعي إلى السلاح من باب الاقتناء أو الوجاهة الاجتماعية، ولكنه امتلاك للاستخدام وأن كان تحديد الهدف مشوشا، هل هو للدفاع عن النفس، أم أنه للمبادرة بالقتل.
وأن توفر السلاح في مجتمع منقسم فرض على حامله سلوكا قد يكون مناقضا لطبيعته، فتوافر السلاح يفرض استخدامه، ويغير من بدائل التفكير، ويختزل المسؤولية، ويدفع ببديل استخدام السلاح حتى وأن كان استخدامه غير مجدي.
والخطر أن الانقسام لا يرجع إلى التكوين الاجتماعي أو العرقي، ولكنه انقسام مصنوع، تسهم فيه سلطة الحكم بهدف التمكن من السلطة لعجزها عن الخطاب السياسي، وإحساسها أن قطاع عريضا من المجتمع غير قابل بها. وأسهمت أيضا في خلقه لغة الحوار المستخدمة التي تتسم بالتعالي، والاستفزاز، وادعاء امتلاك الحكمة، وزاد علي ذلك اتهام المواطن في دينه ومدي استيعابه له، وادعاء البعض للولاية علي الدين، وممارسة التكفير والتهديد، واستخدام العنف المادي أو المعنوي، وتآمر سلطة الحكم المكشوف أمام الشعب، والتعامل بعدوانية مع منظومة الدوله وادعاء التطهير وهو في حقيقته الاستحواذ والسيطرة لصالح جماعة الإخوان والتيارات الإسلامية.
تجاهل السلطة للشعب وقدرته علي كشف الكذب يزيد من حالة انفصال سلطة الحكم عن الشعب. وتكرار الكذب، وادعاء الشرعية تحت وهم التفسيرات الخاصة لمفهوم الشرعية، والولاية علي السلطة من جماعة الإخوان والتيارات الإسلامية وأحزابهم، كل ذلك يؤدي إلى حالة الكره للسلطة وأن لها عالمها الخاص دون الشعب.
وتكشف تجربة استخدام السلاح في المناقشة التي جرت داخل الجماعة الإسلامية حول رؤية كل من خالد الإسلامبولي وانتصر لها محمد عبد السلام فرج واختلف عليها عبود الزمر، فكانت رؤية خالد اغتيال السادات، وكانت رؤية عبود الزمر الانتظار فترة تكفي لإتمام انقلاب كامل يغير النظام، فارق بين التكتيك والاستراتيجية، ونجحت عملية الاغتيال وبقي النظام مستمدا شرعيته ومبرر بقائه من حادثة الاغتيال، بل إن المجتمع في محاولته لتجاوز أمر الاغتيال، نسي التناقض مع اتجاهات النظام وعجزه عن الوفاء بالاحتياجات الاقتصادية للمجتمع، وانغمس في لعق جراحه وإتاحة الفرصة أمام الجديد القادم للكرسي وكان يومها حسني مبارك.
ولكن ما يجري اليوم مختلف فالحاكم ومكونات السلطة من الإخوان والتيارات الإسلامية، وليس الأمر اختلاف علي اغتيال أو انقلاب، ولكن الأمر تجاوز هذا إلى ما هو اخطر، وتمثل ذلك في العداء لمكونات سياسية في المجتمع، والقضاة والمحكمة الدستورية والإعلام، واستخدام العنف عند قصر الاتحادية ضد متظاهرين سلميين، وحصار المحكمة الدستورية ومنعها من الانعقاد وإدارة الصراع مع قضاتها بأحكام الدستور الجديد، وإجراء الاستفتاء دون الإشراف القضائي، والتغاضي عن حقيقة أن الدستور وثيقة توافقية تعبر عن إرادة الشعب تصيغها جمعية تأسيسية تعبر عن كافة قوي المجتمع، ولا تعبر عن نتائج الانتخابات النيابية، والهدف التمكن من السلطة حتى وأن كان بوسائل لا تنتمي إلى السياسة في شيء، بل هي استمرار لحالة سرقة الثورة، أو خيانتها علي حد تعبير الاوبزرفر البريطانية.
وعلى الناحية الأخرى أطلق النشطاء في التحرير على جبهة الإنقاذ التي تضم التيارات السياسية خارج التيار الإسلامي، جبهة "إنقاذ مرسي"، خاصة وأن حركة الميادين تتقدم عليهم، بينما خرج احدهم موافقا علي الدستور مناقضا بذلك موقف الشارع، ومعلنا أنه وجب التفكير في أمر انتخابات المجلس النيابي القادم. انقلاب الأمور من الدفاع عن ثورة جري اقتناصها قسرا، إلى ممارسة السياسة دون وزن نوعي في الشارع، أضاع حق الثورة والشعب في صياغة نظام يعبر عن أهدافها، وساعد على تمكين الإخوان من السلطة، وفي الوقت ذاته دفع بشباب الثورة إلى حالة من الرفض الكامل لكلا الطرفين، وبالتالي الانتقال إلى الرغبة في خلق توازن العنف مع الإخوان وحلفائهم ردا على منهج العنف الذي بدأه الإخوان وحلفاؤهم بالأساس.
هل يتوقف العنف عند هذه الأطراف وحدها أم أنه يمتد خارجها؟
أوضحت المواجهات التي دارت خلال الفترة السابقة بامتداد مصر، أن كتلا من الشعب دخلت دائرة الدفاع عن النفس بالعنف المضاد وأن ظل في حدود حرق المقار، ولكنه من جهة الإخوان وصل حد القتل والتعذيب البدني.
وهناك احتمال كبير أن موجة عنف منظم يمكنها أن تبدأ، ولكنه عنف الدفاع عن المصالح، سواء بغرض الحفاظ علي البقاء، أو الإسهام في الضغط على النظام القائم، وعنف المصالح هو اخطر من العنف المضاد، لأنه يملك الخبرة خلال تعاونه مع الأمن والحزب الحاكم زمن مبارك، وهو السلاح، وهو يملك المال، ولا يحد من حركته أية قيمة، وكأن الطرف الثالث الذي ظل يقتل المواطنين طوال الفترة الانتقالية، وكان يطلق عليهم البلطجية، لم يعد وحده في مواجهة الثورة وشبابها، بل انضمت إليه التنظيمات الإسلامية وأحزابها، الذين نالوا بجدارة اسم الطرف الثالث بعد وقائع الأربعاء الدامي (5 ديسمبر) أمام الاتحادية.
جماعات عنف المصالح، أو إمبراطورية عنف المصالح تفوح رائحتها وبشدة داخل المجتمع.
مصادر العنف هذه، ما تحقق منها وما هو في إطار أحلام اليقظة، جميعها يؤكد أن الدم قادم، خاصة أن أضفنا حالة سلبية من جهاز الداخلية، أو هو العنف السلبي، بالامتناع عن مواجه العنف ومصادره من منابعها، هو في ذاته تحريض على فتح باب العنف والفوضى.
والحديث عن دور القوات المسلحة حديث يحمل من الالتباس أكثر منه الوضوح.
فحالة التعامل الخاطئ مع هذه المؤسسة الوطنية، انتقل من امتلاك مبرر نتيجة الأحداث الدامية التي قتل فيها متظاهرون، ولم يتم تحديد المسؤولين عنها، ومحاسبتهم، إلى حالة الهجوم المباشر من مرشد الإخوان علي قيادات الجيش "جنود مصر طيعون لكنهم يحتاجون إلى قيادة رشيدة توعيهم، بعد أن تولى أمرهم قيادات فاسدة"، لترد القوات المسلحة بإصدار قرار من وزير الدفاع بعدم تمليك الأراضي في المناطق الاستراتيجية (سيناء) لغير المصريين ومن إباء مصريين، وانه حق انتفاع وليس تمليك، والقطع بعدم جواز البيع العرفي لغير المصريين، وفسر البعض القرار بأنه رد علي رغبة كامنة لدي جماعة الإخوان بفتح ارض سيناء أمام أهل غزة للتملك فيها، وفي ذات الوقت كان السؤال بأي صفة يصدر وزير الدفاع هذا القرار، هل هو أمر يخص الأمن القومي، فكيف لا يصدر بقرار جمهوري، أم هو ترتيبات تخص ارض العمليات وتقع في اختصاص وزير الدفاع؟
ويتردد بهمس صاخب أن الرئيس القادم هو وزير الدفاع، أما كيف سيأتي خصوصا أن المدى الزمني المحدد لذلك يقع في النصف الأول من عام 2013 فلا إجابة له، قد تكون أحاديث مرسلة، ولكن الشخص والمنصب محل حديث مما يقارب عاما مضي، وأيضا دون إيضاح لكيف سيحدث ذلك.
ملاحظة قاسية بشأن التعامل السلبي للقوات المسلحة لتجاوزات جرت أمام اللجان الانتخابية، رغم منح عناصرها سلطة الضبطية القضائية، فهل تولد لدي الجيش حالة من العزوف عن ممارسة واجبه الداخلي، كما توقفت الداخلية عن ممارسة دورها أمام اللجان، وانتقلت من حالة الفصل بين الأطراف، إلى مواجهة مع الأطراف غير الإسلامية.
سلطة تحكم بالمليشيات، ولا تدافع داخليتها عن مقر للنيابية تجري محاصرته للإفراج عن متهم من السلفيين (حازمون) لتنصاع النيابة للمطلب تأمينا لعناصرها، ثم حصار لأحد الأقسام أثناء الانتخابات وسبقه تهديد باقتحام قسم آخر، وعدم التحقيق في أحداث الاتحادية رغم وجود صور وشرائط فيديو، وفوق ذلك كله صراع مع القضاء، وإجراء الاستفتاء رغم عدم وجود إشراف قضائي، والتغاضي عن تجاوزات في إجراءات الاستفتاء أدت إلى استقالة أمين اللجنة العليا للإشراف علي الاستفتاء رغم كل محاولات إثناؤه عن الاستقالة، واختطاف قرارات باستمرار الرئيس في منصبه وكذلك مجلس الشورى المطعون علي شرعيته والذي حال الإعلان الدستوري الأخير دون الحكم في هذه القضية شأنه شأن قضية صلاحية تشكيل الجمعية التأسيسية، كل تلك العوامل قسمت مصر.
وصار المشهد الآن، أن قتل المتظاهرين يتم بالميليشيات، لننتقل بعد التقسيم إلى الحرب الأهلية.
ليس هناك ضوء في نهاية النفق المظلم الذي دخلته مصر، فالتعامل بالأمر الواقع أو هو العنف، ويلبسون ذلك كله مسوح شرعية صندوق التصويت وكأن غزوة الصناديق التي بدأت باستفتاء 19 مارس 2011 مازالت مستمرة بين أهل الشريعة والدين وأهل الكفر.
مغامرات التيار الإسلامي ليست نهاية أمر الثورة، ولكنها الباب إلى جحيم لا يطيقه وطن وشعب ومستقبل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
28374
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
6894
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5328
| 13 سبتمبر 2026