رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم تعد المحروسة – مصر- بحاجة إلى المزيد من العنف والتظاهرات التي تبث الموت في الشوارع والطرقات، بل ومن أسطح المنازل مثلما حدث غير مرة.
ليس ثمة ما يبرر هذه العشوائية في القتل المتبادل بين فئات تنتمي إلى وطن واحد ودين واحد وموروث حضاري واحد، صحيح قد يتمسك كل طرف من المتصارعين بموقفه على الصعيد النظري، لكن أن يصل الأمر إلى سفك الدماء من أجل الدفاع عن هذا الموقف أو البقاء في خندق السلطة أو محاولة الضغط من أجل استعادة نظام أجبر- من فرط عدم رشده - على الرحيل أو التمسك برئيس مهما كانت قوته ودرجة "زعامته".
ومن يتابع أحوال المحروسة منذ الثلاثين من يونيو الماضي يرصد تناميا في ظاهرة العنف المتبادل بين جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها التي تم إقصاؤها عن السلطة في ثورة شعبية جددت وصححت مسار ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 وبين الدولة المصرية متمثلة في الجيش وقوات الأمن وفي بعض الأحيان يدخل الأهالي كطرف مدافعين عن مصالحهم وأماكن ارتزاقهم وإقامتهم. ومن يدفع كلفة ذلك بالضرورة هو الشعب المصري والاقتصاد والسياحة والاستقرار الذي غاب فوقعت البلاد في فوضى أمنية وعشوائية مفرطة في كل مناحي الحياة.
والمرء حتى يكون منصفا يرى أن السلطة الانتقالية الراهنة مارست بعض الأخطاء والتي بدأت باستخدام القوة في فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، مما أدى إلى مقتل المئات وليس الآلاف وفق إحصاءات الطب الشرعي التي أفادت قبل أسبوع بأن أعداد كل من قتلوا في هذه الفترة لا تتجاوز الـ 720 شخصا إلى جانب حوالي 30 جثة غير واضحة المعالم بينما جماعة الإخوان وأنصارها والمدافعون عنها لا يفتأون بالتصريح بأن أعداد القتلى تجاوزا الخمسة آلاف شخص وهي مبالغة لا تتسق مع منطق الأمور ولكن هذه السلطة في النهاية تدافع عن هيبة دولة سعت - ومازالت جماعة الإخوان – إلى الانتقاص منها وهو ما يتجلى في الحرب الشعواء ضد الجيش وقوات الأمن واللتين تتعامل معهما بحسبانهما أعداء وليسا مجرد خصوم فتصدر الفتاوى من دوائر فقهية منتمية إليها تجيز محاربتهما وقتالهما ضمن حدود الجهاد بينما الجهاد وفق الفهم الصحيح له موجه إلى من يحتل الأرض ويغتصب الحقوق من الغزاة وقوى الاستكبار القادمين من خارج الحدود وفي الحالة المصرية الأمر لا يخرج عن كونه حالة صراع بين فئتين تفتقران إلى القواسم المشتركة وإحداهما تراوغ وتتمسك بطروحات تقود إلى استمرار الاحتقان والتوتر الداخلي الذي يهدر طاقة الوطن ويجهض توجهها نحو بناء الدولة الحديثة التي مازال المصريون يحلمون بها.
إن وقف القتل والعنف في المحروسة بات فرض عين وليس فرض كفاية يتعين أن تشارك فيه كل القوى الحاكمة والمعارضة، فثمة وطن يتمزق وشعب يفقد هويته الوطنية وإمكانات معطلة ومقومات مهدرة وشمس غير قادرة على الشروق بفعل العتمة الشديدة التي تفرض سطوتها في الآفاق ولكن السؤال كيف؟
هنا تكمن المعضلة، فجماعة الإخوان على الرغم مما بدا في الآونة الأخيرة أنها تطالب بحل سياسي لإنهاء الأزمة الراهنة والدخول في حوار وطني وهو تطور قوبل بإيجابية لم توضح آليات هذا التوجه وعندما قرأت شروحا لبعض قيادييها وجدت أن التفسير يدفع الأمور باتجاه المزيد من التعقيد، فهو ما زال يقوم على معادلة عودة الشرعية ودستور 2012 وهي أمور تجاوزها الواقع الراهن وفي يقيني أن هؤلاء القادة خاصة الدكتور محمد بشر والدكتور عمرو دراج والدكتور ياسر علي بوسعهم أن يطرحوا مقاربة أكثر واقعية تنهض على استبعاد رقم الدكتور محمد مرسي من المعادلة فهو بات في خانة الماضي الذي لا يمكن أن يعود لأسباب عديدة وهو ما يعني تهاوي الشرعية التي كان يمثلها على نحو أو آخر بعد إعادة قراءة ما جرى في الثلاثين من يونيو والإقرار به ثورة شعبية الأمر الذي لا يجعل حزب الحرية والعدالة والذي يمثل الذراع السياسية للجماعة التي أضحت محظورة قانونيا خارجا عن سياق المشهد السياسي الذي تحرك بالفعل إلى الأمام وأي تعارض مع هذا التحرك يعني موت الحزب إكلينيكيا وبالتالي الجماعة ودفعها دفعا إلى دائرة السرية.
وأظن أن الجماعة مطالبة في ضوء هذه القراءة والمراجعة بأن تتخلى عن حالة عدم القبول بالآخر ورفض الغير وهو ما شكل سببا حقيقيا من أسباب فشل تجربتها في حكم المحروسة والذي ظل حلما يراودها على مدى ثمانين عاما بيد أنها سرعان ما فرطت فيه فور أن قبضت عليه وذلك يعني بوضوح أن تسرع إلى إعادة هيكلة حزب الحرية والعدالة على أسس ومقومات وطنية وليس دينية دون أن يمنع ذلك من الاحتفاظ بالمرجعية الإسلامية كمرجعية فكرية وليس سياسية وتبادر بالتواصل مع مفردات ومعطيات خارطة الطريق والتي توشك أن تبدأ في الواقع بحيث يظل الحزب ضمن المنظومة السياسية التي ستحكم البلاد في قادم الأيام ولكن وفق صيغة وطنية ديمقراطية لا تقوم على الإقصاء أو الاحتكار أو الهيمنة أو السطو على مقدرات أمة أو أشواق شعب.
ولاشك أن ذلك يستوجب تهيئة مناخ آمن لتحرك الحزب سياسيا من خلال وقف ما أسميته في أحد مقالاتي سابقا بشيطنة كل المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين وحزبها أو لجماعات التيار الإسلامي، فذلك لا ينسجم مع محددات المسار الديمقراطي، فضلا عن أنه سيدفعهم إلى اللجوء إلى العمل عبر الخلايا والتنظيمات السرية وفي تقديري أن برامج الفضائيات سواء الحكومية أو الخاصة مطالبة بقوة بأن توقف هذا الفيض من الأحاديث المكررة عن جماعة الإخوان وسلوكياتها خلال العام الذي حكمت فيه المحروسة ولاشك أن طرح ملفات وموضوعات تناقش بجدية ومهنية كيفية استعادة المحروسة لعافيتها الاقتصادية والسياسية والأمنية أهم بكثير من مناقشة ماضي الإخوان إلا إذا تعلق الأمر بجريمة عنف أو خطأ سياسي أو مواقف مناهضة للاستقرار في المحروسة.
إن المحروسة أمانة في رقبة الجميع، فهل ينتبهون إلى خطورة مسؤولية تحملها أو التخلي عنها، هنا الموت أفضل.
السطر الأخير:
راحلا في مدارك
ساكنا في غياهب جبك
فلا تبعثي بالسيارة كي يشتروني
أود البقاء بمقامك
أن تسدلي على أستارك
تفيضي بروحي من أنهارك
فأبقى مقيما بديارك
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3429
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3228
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1248
| 01 أكتوبر 2026