رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أناقش في مقالي هذا موضوعا مهما يثير كثيرا من القلق والتساؤلات- وتتكرر منذ شن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حربه على أوكرانيا في شهر فبراير من هذا العام؟ هل سنشهد حربا عالمية ثالثة؟ وهل سنشهد حربا نووية مدمرة؟ وهي تساؤلات مشروعة في ظل التطورات المتسارعة والتهديدات والتصريحات والتحذيرات التي تتكرر خاصة من جانب الطرف الروسي من الرئيس بوتين وقيادات نظامه. وكذلك مع تعثر الحرب في أوكرانيا، وتحولها من حرب خاطفة، كان مخططا لها أن تحسم في غضون أيام، بسبب الفارق الكبير في القدرات العسكرية الروسية بالمقارنة مع القدرات القتالية للجيش والقوات الأوكرانية، وكون الجيش الروسي ثاني أقوى جيش في العالم بعد الجيش الأمريكي، ويملك ثاني أكبر ترسانة نووية من أيام الاتحاد السوفيتي، وتم تحديثها وتطويرها بصواريخ فرط صوتية وغيرها من الترسانة العسكرية الحديثة.
الجواب باختصار عن السؤالين لا.. ولكن ذلك إذا أخذنا في الاعتبار أن صناع القرار، خاصة في قرار الحرب والسلم وخاصة باستخدام أسلحة الدمار الشامل وخاصة السلاح النووي-يرتكز على نموذج اتخاذ القرار العقلاني-Rational Actor Model بحساب الربح والخسارة. ولكن في الأنظمة غير الديمقراطية لا يمكن التكهن بكيفية اتخاذ القرار- لأنه لا عواقب ولا تداعيات تعاقب متخذ القرارات الكارثية.
ولكن برغم ذلك أستبعد شن حرب عالمية ثالثة وخاصة حربا نووية وحتى نووية تكتيكية، وذلك لكلفتها وحجم الخسائر الكارثية ولتحذيرات الرئيس بايدن بأن الثمن سيكون مرتفعاً ومدمراً. وتسربت معلومات أن إدارة الرئيس بايدن حذرت روسيا عبر قنوات خاصة من اللجوء لذلك!
لكن سوء تقدير صانع القرار في روسيا المتمثل بالرئيس بوتين، دفعه لشن حرب أطلق عليها «عملية خاصة»، ورغم انقضاء سبعة أشهر أمس وبدء الشهر الثامن من الحرب، إلا أنه لم ينجح بتحقيق أهدافها الإستراتيجية. وبالتالي تحولت لحرب طويلة ومنهكة للطرفين وخسائر بعشرات الآلاف للجنود والمعدات والدبابات والعربات.
اعترف وزير الدفاع الروسي بمقتل حوالي 6000 عسكري، بينما أعلن مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في 20 يوليو الماضي عن مقتل 15 ألف عسكري روسي وجرح 45 ألفا آخرين. وهي حصيلة ثقيلة! بينما أعلنت القيادة العسكرية الأوكرانية في شهر أغسطس الماضي مقتل 9 آلاف عسكري أوكراني في الستة أشهر الأولى من الحرب.
صادف إعلان وزير الدفاع الروسي عن عدد قتلى الجنود الروس، بعد إعلان الرئيس الروسي بوتين التعبئة العامة الجزئية لقوات الاحتياط - ولوَّح باستخدام سلاح الدمار الشامل وإجراء استفتاء في 4 مناطق تسيطر عليها القوات الروسية شرق أوكرانيا في إقليم دونباس وفي الجنوب في خيرسون- يطلق عليها الروس مناطق محررة، لضمها إلى روسيا في استفتاء صوري يخالف القانون الدولي، يصفه الأوكرانيون باستفتاء المهزلة. كما شوهد في مطارات روسيا وعلى الحدود الروسية مع فنلندا وجورجيا نزوح جماعي للشباب الروس بسن التجنيد خشية استدعائهم للخدمة العسكرية ضمن الاحتياط للقتال في أوكرانيا، بعد قرار التعبئة الجزئية.
ردود الفعل الغربية وحتى من تركيا ودول أخرى كانت سريعة ومنددة ووصفت التلويح الروسي باستخدام أسلحة الدمار الشامل «بالمتهورة»! كما أشار الرئيس بايدن بأنه لا رابح في تلك الحرب! وطالب وزير الخارجية الأمريكي في ترؤسه لوفد اجتماع القوى الخمس الكبرى في مجلس الأمن على هامش الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، روسيا بالتوقف فوراً عن التلويح بالتهديد بخيار السلاح النووي في حربها على أوكرانيا. وطالب بعدما أشار إلى الجرائم التي ترتكب في أوكرانيا، الدول الأعضاء في مجلس الأمن بالتنديد بحرب روسيا على أوكرانيا.
نجح النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية بتجنب خلال سبعة قرون ونصف ليس حرب عالمية ثالثة، ولكن حتى حرب عالمية ثالثة. وذلك بسبب المؤسسات الدولية وتوازن القوى الذي تطور بسبب سباق التسلح بين الدول الكبرى بالمعسكرين الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في أوروبا الغربية وغيرهم وذراعهم العسكرية حلف الناتو من جهة وبين المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي وحلفائه في أوروبا الشرقية وذراعهم العسكرية حلف وارسو من جهة أخرى-ومواجهات بين نظامين وعقيدتين متصارعتين-الديمقراطيات والحريات والرأسمالية والاقتصاد الحر والتعددية السياسية لدى الغرب، والشمولية والحزب الواحد والشيوعية لدى الشرق. لذلك عندما سقط الاتحاد السوفيتي وتفكك لخمس عشرة جمهورية تحت قيادة غورباتشوف عام 1991، وأنهى نظام الثنائية القطبية- وانتصر الغرب وأفكاره ومبادئه السياسية والاقتصادية، هلل العالم فرحاً بسقوط ليس دولة، ونهاية حقبة، بل لإفلاس نظام وفكر وممارسة شمولية.
تشير نظريات العلاقات الدولية أن النظام الدولي يكون في وضع أكثر استقراراً في نظام دولي متعدد الأقطاب، كما هو حال النظام بتوجهه للتعددية القطبية. وتبرز أقطاب، وقوى كبرى-أمريكا- الصين وروسيا بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وقوى اقتصادية كبيرة اليابان والهند والبرازيل وغيرها ضمن مجموعة العشرين. ما يعني توزع مراكز القوة بين أقطاب متعددة، تسعى لحماية مصالحها في نظام عالمي مترابط ومتداخل اقتصادياً وتجارياً واستثمارياً. لذلك من الواقعية والعقلانية السياسية التعاون للربح والأمن الجماعي، وليس شن أي طرف من القوى الكبرى حرباً مفتوحة، دع عنك حربا نووية، حتى تكتيكية. لكن ليس مستبعداً في ظل الاحتقان اندلاع حروب محدودة، وبالوكالة بدعم أطراف متصارعة لتصفية حسابات وإرسال رسائل وإرباك النظام الأمني.
كانت حروب الوكالة إحدى ظواهر الحرب الباردة لإشغال وتصفية الحسابات بين القوى الكبرى، كما كانت حربا كوريا وفيتنام بين أمريكا والاتحاد السوفيتي والصين وحلفائهم. وحرب الاتحاد السوفيتي في أفغانستان. حيث تم دعم الطرفين لقوى عسكرية محلية في تلك الدول ضمن إستراتيجية الردع والاحتواء بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي إبان حقبة الحرب الباردة.
واليوم يحبس العالم أنفاسه لحرب أغلب الظن لن تقع!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تويتر @docshayji
@docshyji
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1644
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1275
| 16 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
852
| 11 يناير 2026