رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أشقاؤنا "تورطوا" في دعم الانقلاب في مصر ويريدون "توريط" الخليج كله لايقاف الانقلاب ولو على "عكاز"
يظهر أن الأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة يعيشون خارج الزمن، فبعد "فضيحة" الخارجية الإماراتية بوصف الرسالة التي بعث بها سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات حاكم دبي إلى سمو الأمير المفدى وسلمت في 12 مارس الحالي، بأنها رسالة "مجاملة" أرسلت في 12 ديسمبر 2013، أي أنها وصلت بعد "4" أشهر، يأتي الرد على مقالي المعنون "قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين" بعد 20 يوما من نشره، من خلال تعقيب نشر أمس الأول في الزميلة "البيان"، خلا من أبجديات الكتابة الصحفية، مما يشير إلى أن الرد جهز في "المطبخ الأمني" لتكون الزميلة "البيان" مجرد ناشر، لا حول له ولا قوة، وألتمس لهم العذر في ذلك، فالذي ادعى أن رسالة بين أبوظبي والدوحة لا تفصل بينهما أكثر من 500 كم برا يستغرق وصولها 120 يوما، وكأنها ارسلت عبر "سلحفاة"، يمكنه بعد ذلك ان يقول اي شيء.
عذرا على هذه المقدمة التي كان لابد منها، حتى يعرف القارئ مدى ما وصل إليه الأشقاء في الإمارات العزيزة من تدهور في الرؤية، فمقالي كان واضحا وضوح الشمس في فصل الصيف الخليجي، وما أحلاه في هذا البيت الخليجي، الذي دخل فيه "الغرباء" عبر استشارات "أمنية" و "سياسية" ليهدموا بيتنا الخليجي.
بعد "20" يوما على نشر مقالي يأتي بيان الأمن- عفوا الرد بصيغة ركيكة بعيدا عن أي معلومة يمكن الحديث عنها- ولكن بالرغم من ذلك أكتب هذا المقال لنؤكد للزملاء بل للاخوة الأعزاء في الإمارات الشقيقة أننا نتحدث علانية دون التخفي خلف مصادر مجهولة كما يفعل الأشقاء، تعلمنا في قطر ان نبدي رأينا وان اختلفنا مع الآخرين إلا اننا نختلف برجولة، ونقول رأينا بكل صراحة، دون تجريح أو إساءة أو سب، هكذا قطر وهكذا أبناؤها.
يرفض أشقاؤنا القول إن قضية الخلاف الحقيقية بين قطر والدول الثلاث التي سحبت سفراءها من الدوحة، تتعلق بخارج الاقليم، وبالأصح بـ "الملف المصري" فلماذا يرفض اشقاؤنا أن يضعوا أيديهم على الجرح، ويعلنوا صراحة أين موقع الخلاف..؟ وهذا ليس عيبا أن نختلف في ملفات خارجية، فكما قلت سابقا وأكررها الاتحاد الاوروبي تختلف دوله في العديد من الملفات، لكنها لا تقدم على ما أقدم عليه أشقاؤنا من سحب للسفراء.
أشقاؤنا في الإمارات "تورطوا" في دعم الانقلاب في مصر، ويريدون أن "يورطوا" كل الخليج في ذلك، فبالرغم من دفعهم للمليارات لايقاف الانقلاب على "رجله" إلا أنهم لم يستطيعوا حتى هذه اللحظة ايقافه ولو بـ "عكاز"، فلم يجدوا شماعة لهذا الفشل إلا قطر، والادعاء بان قطر تدعم "الاخوان" الذين يشكلون قاطرة الشرعية، وان كان اليوم الغالبية العظمى من الشعب المصري بات مشاركا في الحراك الرافض للانقلاب.
كنت أتمنى ان يقدم لي البيان "الأمني" معلومات عن الدعم القطري لزعزعة الأمن الخليجي، حتى أكون على دراية كافية بمن يزعزع الأمن في الخليج، وحتى يكون لدي علم بمن يقوم بدعم محاولات انقلابية في دول خليجية عام 1996، أو بمن يقوم بزرع شبكات عملاء والتجسس على دول شقيقة ومجاورة، كما أعلنت هذه الدولة العظيمة التي تحلى سلطانها بحكمة وحلم شديد في عام 2011..، تعرفون جيدا أيها الأشقاء من هو المتورط في هذه العمليات أليس كذلك؟.
عذرا على هذا الكلام، لكن واجب علي الدفاع عن وطني بطرح الحقائق وليس بقلب الحقائق كما تفعلون، وتدعون انكم تحرصون على أمن الخليج ووحدته.
تتحدثون عن دعم "الاخوان"، ولم تقدموا دليلا واحدا على هذا الدعم "الهلامي" أيها الأشقاء الأعزاء، نعم قطر لديها علاقات مع الاخوان المسلمين، وليس لديها "فوبيا" الاسلاميين كما هو الحال بالنسبة لكم، نتعامل مع الجميع بفكر منفتح، ورؤية واضحة، وشفافية في الحوار، دون خوف أو فزع من هذا أو ذاك.
لم نتحدث عندما اعتقلتم مواطنيكم وقلتم انهم "ارهابيون" ينتمون الى خلايا "اخوانية" تريد قلب نظام الحكم، ولا أريد الحديث في ذلك، لكنكم اعتقلتم مواطنا قطريا دون توجيه تهمة حقيقية يستحق عليها التوقيف لمدة يوم واحد وليس السجن 7 سنوات.
في بداية الأمر نفيتم حتى اعتقاله أليس كذلك، وقال الأمن في دبي "لا نعرف عنه شيئا"، على الرغم من انكم "اختطفتموه" من مطار دبي، وتم تحويله الى الاجهزة الامنية في ابوظبي، وبعد أيام من اعتقاله اعترف الأمن في دبي باعتقاله وتحويله الى ابوظبي، وبعد عام كامل من "التعذيب" وسوء المعاملة، وجلسات محاكمة صورية دون السماح لاقربائه بحضورها، اللهم عدد محدود من المحاكمات سمح لواحد من ابنائه بالحضور، حكمتم عليه بالسجن لـ " 7 " سنوات، وحتى هذه اللحظة اتحدى ان تعلنوا عن التهمة الحقيقية لهذا المواطن القطري.. ان تعلنوا بكل وضوح وأمام قضاء عادل ومنظمات حقوقية دولية التي لم يسمح لها اصلا بدخول الامارات وليس حضور المحاكمات!! ما هي تهمة المواطن القطري د. محمود الجيدة، وحتى ابناؤه لا يعرفون هذه التهم.
والغريب انهم يدعون ان الجيدة كان "مشروعا" لزعزعة الأمن في الشقيقة الإمارات، وأتساءل كيف يكون ذلك وسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد ابوظبي قام خلال فترة اعتقال الجيدة بثلاث زيارات للدوحة، طالما كانت هناك تهمة واضحة على الجيدة بأنه "مشروع انقلابي" لماذا هذه الزيارات؟.
والأمر الآخر، ألم يقم سمو الشيخ محمد بن زايد بالاشادة بعلاقات الامارات مع قطر قبل نحو شهرين!!، طالما هناك تدخل قطري في شؤون الامارات لماذا لم يتم اعلان ذلك، كما فعلت الشقيقة التي يقودها الحكيم السلطان قابوس، عندما أعلنت عن شبكة التجسس والدولة التي قامت بها في عام 2011.. أليس كذلك؟
أمر مضحك أن ترددوا ان هذا المواطن القطري كان يريد قلب نظام الحكم بالمال، والله أخجل من ذكر هذه التهمة، وانصحكم بألا تذكروها، لأن العالم سوف يضحك عليكم، شخص سيقلب نظام حكم بـ "فلوس"!!.
أحبتي في الإمارات.. أقول ذلك لأنني اخشى على البيت الاماراتي كما حرصي على البيت القطري.
تقولون لديكم من "الاخوان"، اقول نعم يأتي إلينا من "الاخوان" رجالا بين فترة واخرى، وان جلسوا فهم ضيوف دون ان يتدخلوا بشؤونكم، وليسوا مطلوبين جنائيا او مطلوبين على قضايا فساد او قتل او هاربين من احكام قضائية..، ولكن ماذا عنكم، فانتم تستضيفون كل الذين لفظتهم شعوبهم، ومن هم مطلوبون جنائيا، ومن هم مطلوبون على قضايا فساد وذمم مالية، ويقومون بالاساءة الجارحة لدول الخليج ليل نهار، ولا أحب أن أقول أنكم أصبحتم ملجأ للمطلوبين، لكن هذه هي الحقيقية، فأنتم تستضيفون المطلوبين من شعوبهم من مصر وسوريا واليمن وفلسطين وليبيا.. فلماذا لم تقوموا بتسليمهم لدولهم وهم عليهم قضايا فساد وبعضهم اياديهم ملطخة بالدماء.. قتلة..؟.
تتحدثون عن الاخوان المسلمين.. اقطعوا علاقاتكم بدولة الكويت الشقيقة، التي يمثل الاسلاميون فيها جلهم من الاخوان التيار الأقوى، ولديهم تمثيل كبير في البرلمان، ومواقفهم مشرفة وناصعة البياض...
اقطعوا علاقاتكم مع الشقيقة البحرين، الذين يشكل الاخوان فيها عصب التيار الاسلامي، ناهيكم عن الدول الاخرى التي لا مجال لذكرها.
التغريد خارج السرب.. أي سرب هذا الذي تريدون منا أن نغرد من خلاله.. هل تريدون منا أن نشارككم مواقفكم الداعمة للانقلاب في مصر، او تأييد بقايا رجال الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، ودفع المليارات لبعض الشخصيات من اجل زعزعة الامن في اليمن الشقيق، أو دعم انقلاب في ليبيا، أو مواقفكم في مالي، أو دعم إيجاد "تمرد" في غزة وتونس..، يا ترى من يغرد خارج السرب العربي والاسلامي؟!.
والمضحك أنهم يقولون إن قطر تدعم الحوثيين.. استغرب من هذا الاتهام الذي ردده بيان الأمن ونشرته الزميلة "البيان"، علما بأن شقيقتها "الإمارات اليوم" وتصدر من نفس المؤسسة نشرت في يناير الماضي أن الحوثيين يتوقعون نهاية مؤلمة لقطر جراء دعمها لـ "الاخوان"، فيا ترى قطر تدعم "الاخوان" أم "الحوثيين"؟.. حددوا موقفكم حتى يكون لديكم ولو "ذرة" من المصداقية؟!.
أشفق كثيرا على الإعلام في الإمارات وعلى بعض الشخصيات المطلوب منها أن تدافع عن موقف الشقيقة الإمارات ليس فقط حيال خلافها مع قطر، بل حيال مواقفها المختلفة، أشفق عليهم لأنهم يدافعون عن قضايا خاسرة بحق، وليس الاعلام القطري، الذي يدافع عن قضايا الشعوب المضطهدة، ويلامس قضايا الامة بكل مصداقية ومهنية، وهو ما تعلمناه من قطر.. القيادة والشعب.
في قطر عندما يكون هناك خلاف نقول ان هناك خلافا، ونحدد ذلك، لأنه لا يمكن ان نعالج جروحنا اذا لم نحدد مكان المرض، ونعالجه علاجا حقيقيا، وليس مجرد "تخدير"، و"حب خشوم".
نريد علاقات اخوية صادقة مبنية على الثقة فيما بيننا أيها الاشقاء في الامارات، التحديات التي تواجهنا واحدة، كثيرة ومتعددة، ولن تستطيعوا لوحدكم مواجهتها، ولن نستطيع نحن لوحدنا ان نواجهها، ولن تستطيع اي دولة خليجية لوحدها ان تواجه ذلك.. علينا ان نعي دروس التاريخ، ونستحضرها جيدا، وان نعمل جميعنا لرص الصفوف، وبناء البيت الخليجي على أسس حقيقية صحيحة وسليمة، فنحن جميعا رضينا أو أبينا.. مصيرنا واحد.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ورد في كتاب شفاء العليل للإمام ابن القيم: "ومن عجيب أمره (أي: الثعلب) أنه أتى إلى جزيرة فيها طير فأعمل الحيلة كيف يأخذ منها شيئا، فلم يطق، فذهب وجاء بضغث من حشيش وألقاه في مجرى الماء الذي نحو الطير، ففزع منه. فلما عرفت أنه حشيش رجعت إلى أماكنها، فعاد لذلك مرة ثانية وثالثة ورابعة، حتى تواظب الطير على ذلك وألفته، فعمد إلى جرزة أكبر من ذلك فدخل فيها، وعبر إلى الطير. فلم يشُك الطير أنه من جنس ما قبله، فلم تنفر منه فوثب على طائر منها وعدا به". ذلك تحديدًا هو ما يسلكه الاحتلال الإسرائيلي مع الأمة العربية والإسلامية تجاه الأقصى المبارك، سياسة تخدير الانتباه، والتكريس لإلف المشهد واعتياده من أجل فرض واقع جديد للأقصى ضمن المخططات الكبرى لهدمه وإقامة الهيكل على أنقاضه. لقد استغل الاحتلال حربه الدائرة مع إيران في إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، فغاب عن القدس أهله واكتنفه الصمت، فحرم الفلسطينيون من صلاة التراويح وصلاة عيد الفطر في رحابه، وغابت كل مظاهر الفرح المألوفة، ليثير هذا الإجراء الصهيوني مخاوف جمة في أنه يحمل في طياته نوايا لإجراءات متتابعة من شأنها انتزاع الأقصى. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الإجراءات المؤقتة في القدس كثيراً ما تتحول إلى واقع دائم، أو على الأقل إلى سابقة تُستخدم لاحقاً لتوسيع القيود. وفي ظل التغيرات السياسية المتسارعة في المنطقة، يمكن أن يتحول هذا الإغلاق إلى خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة تعريف الوضع القائم في الحرم القدسي. وكالعادة تفشل الأمة في اختبار جس النبض الذي يقوم عليه الاحتلال، فردود الأفعال باهتة لا ترقى لمستوى ذلك الخطب الجلل. في إحدى الليالي الرمضانية الفائتة، شهد جامع الفاتح في إسطنبول احتجاجا نسائيا على إغلاق الأقصى، إذ قامت النسوة بإلقاء أغطية الرأس على المصلين، اتباعا لتقليد قديم تتبعه النساء في الضغط على الرجال من أجل القضايا الكبرى، قيل أن امرأة مسلمة فعلته مع صلاح الدين الأيوبي من أجل تحرير الأقصى من أيدي الصليبيين. هذا السلوك الرمزي تناولته وسائل الإعلام ومواقع التواصل بالتفسير والتحليل والإعجاب شأنه شأن أي حدث غريب، دون أن يكون له مردود في توسعة نطاق العمل والانتفاض من أجل الأخطار التي تحيق بالمسجد الأقصى، إضافة إلى ضعف المواقف الرسمية العربية والإسلامية، والتي بدت كأنها ترى في إغلاق مسرى النبي صلى الله عليه وسلم إجراءً معتبرًا على خلفية الحرب. الوضع القائم في الأقصى والذي تشكل على مدى عقود، يقوم على مبدأ أن المسجد الأقصى مكان عبادة للمسلمين بينما يسمح لغير المسلمين بزيارته وفق ضوابط محددة، غير أنه مع مرور السنوات تآكل هذا الوضع تدريجيًا، خاصة مع الاقتحامات المستمرة للمستوطنين الإسرائيليين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، وطرح أفكار علنية داخل الأوساط السياسية والدينية في الداخل الإسرائيلي، كان آخرها تحريض الحاخام المتطرف باروخ مارزل، والصحفي اليميني المتطرف ينون ماغال، على قصف الأقصى تحت غطاء الحرب مع إيران. من زاوية أخرى، يطرح إغلاق المسجد الأقصى تساؤلات حول مستقبل الإدارة الدينية للحرم القدسي. فالمعروف أن الأوقاف الإسلامية في القدس، التابعة للأردن، تتولى إدارة شؤون المسجد الأقصى وفق ترتيبات تاريخية معترف بها دولياً. غير أن إغلاق المسجد أو فرض إجراءات أمنية مشددة على هذا النحو يثير التساؤلات حول مدى استمرار تلك الجهات في إدارة القدس. أدق ناقوس الخطر من جديد، وأكرر ما قلته سابقا: هدم المسجد الأقصى ليس ممتنعا قدرًا ولا شرعًا، وليست هناك نصوص قرآنية أو نبوية تفيد بأنه معصوم من الهدم، وبناء على ذلك قد نصحو ذات يوم على ذلك الخبر المشؤوم. الحرب التي يتذرع بها الاحتلال لاستمرار إغلاق الأقصى قد تطول، ولا يستبعد قصفه وإلصاقها بإيران، أو قيام المتطرفين اليهود بأعمال تخريبية في ظل غياب المقدسيين. الخلاصة: الحدث يحتاج إلى هبة فلسطينية وحشد فلسطيني وبأعداد هائلة حول الأقصى، تبني عليه الشعوب حراكها لتشكيل رأي عام عالمي ضاغط على غرار ما كان أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
3936
| 22 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل يضم الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، سيكون الاقتصاد العالمي معرضًا لصدمة عميقة قد تعيد تشكيل ملامحه على المدى القريب والبعيد، نظرًا للمكانة الحيوية التي تحتلها منطقة الخليج في منظومة الطاقة العالمية. وتتضاعف خطورة هذا السيناريو في حال اقترن بإغلاق مضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في استقرار الأسواق الدولية. تتمثل أولى التداعيات في الارتفاع الحاد في أسعار النفط نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما سينعكس بشكل مباشر على تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا. ومن ثمَّ، ستشهد الأسواق موجة تضخمية واسعة، تؤثر في القدرة الشرائية للأفراد وتزيد من الأعباء على الحكومات. وفي هذا السياق، أرى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لن يكون مرحليًا فقط، بل قد يمتد ليُحدث تغيرات هيكلية في سياسات الطاقة لدى العديد من الدول. كما ستتعرض سلاسل الإمداد العالمية لاضطرابات ملحوظة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، إضافة إلى المخاطر الأمنية المرتبطة بحركة الملاحة في المنطقة. هذا الاضطراب سيؤدي إلى تباطؤ التجارة الدولية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما ينعكس سلبًا على استقرار الأسواق. ومن وجهة نظري، فإن التأثير الأكثر خطورة لا يكمن فقط في تعطّل الإمدادات، بل في حالة عدم اليقين التي ستدفع الشركات إلى تقليص استثماراتها، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي العالمي بشكل تدريجي. ومن جانب آخر، ستواجه البنوك المركزية تحديًا معقدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين كبح التضخم والحفاظ على النمو. فرفع أسعار الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه في الوقت ذاته قد يؤدي إلى تباطؤ اقتصادي. وفي هذا الإطار، أرى أن احتمالية دخول بعض الاقتصادات في حالة ركود تضخمي تبقى مرتفعة، خاصة في الدول النامية التي تعتمد على استيراد الطاقة بشكل كبير. أما الأسواق المالية، فمن المرجح أن تشهد تقلبات حادة نتيجة توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والعملات المستقرة. وسيؤدي ذلك إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، مما يزيد من الضغوط الاقتصادية عليها. ومن وجهة نظري، فإن هذه التحركات تعكس حساسية الأسواق العالمية تجاه الأزمات الجيوسياسية، ومدى ارتباطها بحالة الاستقرار الدولي. في ضوء هذه المعطيات، أرى أن احتمال لجوء إيران إلى استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط إستراتيجية يظل قائمًا، خاصة في حال تصاعد الصراع إلى مواجهة مباشرة. ومع ذلك، أتوقع أن يكون أي إغلاق محتمل محدودًا من حيث المدة، نتيجة التدخل الدولي السريع لإعادة فتح هذا الممر الحيوي. كما أرى أن التأثيرات الاقتصادية للحرب لن تكون متساوية بين الدول؛ إذ ستتحمل الدول المستوردة للطاقة العبء الأكبر، في حين قد تحقق الدول المصدرة مكاسب مؤقتة. إلا أنني أتوقع أن هذه المكاسب ستكون قصيرة الأمد، نظرًا لتأثير تباطؤ الاقتصاد العالمي على مستويات الطلب. ومن وجهة نظري، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في تصعيد محدود ومواجهات غير مباشرة بدلًا من حرب شاملة طويلة الأمد، وذلك بسبب إدراك الأطراف المختلفة لحجم الخسائر الاقتصادية المحتملة. ومع ذلك، أرى أن مجرد التهديد بإغلاق المضيق أو حدوث اضطرابات جزئية فيه سيكون كافيًا لإحداث تأثيرات كبيرة في الأسواق العالمية، سواء من حيث ارتفاع الأسعار أو تراجع ثقة المستثمرين. كلمة أخيرة أرى أن هذه الأزمة، في حال وقوعها، قد تسهم في تسريع التحولات الهيكلية في الاقتصاد العالمي، خاصة فيما يتعلق بتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة. ومن وجهة نظري، فإن العالم قد يتجه نحو إعادة تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي، بحيث تزداد أهمية الدول القادرة على تأمين إمدادات مستقرة، وهو ما يعكس الترابط العميق بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي.
2190
| 26 مارس 2026
في الليلة الماضية قررتُ أن أذهب صباحًا إلى راس لفان، فلم أنم. لا لأن النوم جافاني، بل لأن القلب كان يعدّ الساعات كما يعدّها المشتاق، وكما يعدّها من طال به الغياب عمّن يحب. لقد أخّر رمضان اللقاء، وأخّره الجرح، وكلما تأخّر اشتدّ الشوق حتى غدا وجعًا من نوعٍ آخر. ثم استيقظتُ على صوت الرعد والمطر. كان وقعُه في البدء كأزيز طائراتٍ في الأفق، ثم ما لبث أن انساب رذاذًا وانهمر غيثًا. وفي ثقافتنا، المطر فألُ خيرٍ وبشارةُ حياة؛ فكيف إذا جاء في اليوم الذي تقرر فيه اللقاء بالحبيب؟ وانطلقتُ، والمطر يرسم على جانبي الطريق تجمعاتِ الماء في صحرائنا الجميلة، ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال، كأن الأرض تستقبل الغيث بالشوق نفسه الذي كنتُ أستقبل به هذا اليوم. والطريق إلى راس لفان واسعٌ جميل، نموذجٌ لما بنيناه في هذه البلاد من بنيةٍ تحتيةٍ تليق بوطنٍ عرف كيف يحوّل النعمة إلى حضارة. كم مررتُ بهذا الطريق من قبل، فلم أره طويلًا؛ أما هذه المرة، فقد بدا أطول مما ينبغي، لا لعيبٍ فيه، بل لأن قلبي كان قد سبقني إليه، وكنتُ ألحق به على مهل. وحين لاحَت راس لفان من بعيد، كدتُ أقفز من الفرح؛ لم يبقَ إلا دقائق، لم يبقَ إلا خطوات. وقفتُ على الشاطئ، وتطلعتُ إلى الأفق، حيث كان طابورُ الناقلات ينتظر دوره في صمتٍ مهيب، تلك السفن التي طالما رأيتُها تمضي ملأى وتعود فارغة، تحمل إلى العالم غازًا يتحول في أصقاع الأرض إلى نورٍ ودفءٍ وحياة. لكن الطابور كان أقصر مما اعتدتُ، وكأن المسافات بين الناقلات قد تنفّست بحزن. عندها غلبتني الدمعة؛ لا ضعفًا، بل لأن من يحب يرى ما لا يراه غيره، ومن اعتاد أن يرى الحبيب في عافيته، يتألم حين يراه جريحًا يصبر على جرحه وينتظر الشفاء. وتذكّرتُ.. تذكّرتُ الثمانينيات، يوم كنتُ سفيرًا لبلادي في باريس، حين قررت قطر استخراج الغاز من باطن هذه الأرض. لم يكن القرار سهلًا، وكانت أصواتٌ كثيرة تقول إن الغاز غيرُ مُجدٍ، وإن استخراجه مغامرةٌ مكلفة، حتى إن شركة « Bp « الإنجليزية تراجعت عن المشاركة لعدم قناعتها بجدواه، لتحلّ محلّها «توتال» الفرنسية، التي رأت أبعد وأدركت مبكرًا ما سيصير إليه المستقبل. غير أن القيادة الشجاعة لا تعرف التردد حين تعرف وجهتها؛ فكان القرار، وكان النجاح، وكانت راس لفان شاهدًا على إرادة وطنٍ قرر أن يبني لا أن ينتظر. وهذه الإرادة ذاتها، والقيادة ذاتها، هي التي ستعيد إلى راس لفان عافيتها، مدعومةً بشبابٍ عرفتهم وعرفت مشاعرهم؛ شبابِ الطاقة، المؤسسين منهم والحاليين. أعرف كم تألموا لهذه الطعنة، وكم احترق الجرح في صدورهم، لكنهم لم يفقدوا الثقة، ولن يفقدوها، لأن ما بُني على الإرادة لا يهده الغدر. وهنا يتوقف القلم ليقول ما يصعب قوله. فالجار في ديننا ليس مجرد من يسكن بجوارك، بل هو أمانةٌ في عنقك وحقٌّ واجبٌ عليك، حتى أوصى به النبي ﷺ وصيةً جعلت الصحابة يظنون أنه سيجعله وارثًا. فإذا جاء الأذى من جارٍ ومسلم، تضاعف الجرح؛ لأنه لا يطعن المكان وحده، بل يطعن القيمة، ويمسّ الميثاق الذي جمع الناس تحت سقفٍ واحد اسمه الإسلام. ومن هنا يغدو الألم أعمق من أن تحيط به الكلمات، ويغدو الصمت أحيانًا أبلغ من الخطب. ثم التفتُّ إلى الشاطئ ورماله الفضية، فاندفع شريطُ الذاكرة: لقطاتٌ لا تُحصى من سنواتٍ وسنوات؛ شروقٌ يولد من البحر كل يومٍ في هيئةٍ جديدة، وغروبٌ يختبئ خلف أشجار الصحراء في مشهدٍ لا يتكرر على الصورة نفسها. وتلك البقع التي يرسمها المطر في الصحراء بعد كل موسم، لكل بقعةٍ منها قصة، ولكل قصةٍ ذاكرة، ولكل ذاكرةٍ وجهٌ من وجوه من أحببتُ في هذا المكان. ستبقى يا راس لفان. ستبقى شريانَ خيرٍ وشعلةَ نور، وستعيدك قيادةُ قطر وشبابُ طاقتها إلى ما كنتَ عليه وأكثر. وستزول الأخطار كما تزول كل غمّةٍ عن هذه الأرض التي تعلّمت أن تحوّل المحن إلى منح. وسأعود إليك كما عدتُ اليوم، مشتاقًا، وسأقف على شاطئك، وسيكون الشروق في البحر مختلفًا وكذلك الغروب في الصحراء كما كانا دائمًا. لأنك لا تكرر نفسك، ولأن ما بُني بالحب والإرادة باقٍ لا ينطفئ.
1854
| 24 مارس 2026