رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

285

المهندس إبراهيم بن هاشم السادة

القيادة التحويلية في سيرة ذي القرنين

24 ديسمبر 2025 , 01:40ص

تقدّم سورة الكهف سيرة ذي القرنين في سياق تتحرّك فيه القيادة مع حركة الواقع، فتتبدّل أدوارها بتبدّل الأمكنة والناس، فالتمكين الذي أُعطي له لا يظهر بوصفه حالة ثابتة، وإنما نموذج للتعامل مع ظروف متباينة، وحين يبلغ ذو القرنين في رحلته الأولى مغرب الشمس، يذكر القرآن وجود قوم عند هذا الموضع، من غير أن ينقل حوارًا معهم، غير أنه ينقل تخويلًا إلهيًا مباشرًا: «قلنا يا ذا القرنين إمّا أن تعذّب وإمّا أن تتّخذ فيهم حسنًا»، في هذا الموضع تمارس القيادة وظيفتها الأساسية، وهي إقامة العدل، فيربط ذو القرنين الجزاء بالفعل، فيقول: «أمّا من ظلم فسوف نعذّبه… وأمّا من آمن وعمل صالحًا فله جزاء الحسنى»، يضع القائد ميزانًا يفرّق به بين الظلم والإحسان، ثم يمضي بعد أن أدّى ما اقتضاه المقام.

وينتقل ذو القرنين إلى مطلع الشمس، فيجد قومًا يصفهم القرآن وصفًا ظرفيًا خالصًا: «وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترًا»، لا يذكر النص عنهم ظلمًا ولا صلاحًا، ولا ينقل شكوى ولا طلبًا، إنهم قوم متعايشون مع الشمس كواقع بيئي، ولم يتحول هذا الواقع عندهم إلى قضية اجتماعية تستدعي التدخل، وهنا تتجلّى حكمة القيادة في الامتناع، فلا تُفرض حلول لم تُطلب، ولا يُصنع احتياج لم يُعبَّر عنه، فليس كل ما يمكن تغييره ينبغي تغييره، ولا كل معاناة تستوجب المعالجة، وفي هذا الموضع تكتفي القيادة بالفهم ثم العبور.

وتبلغ الرحلة ذروتها حين يصل ذو القرنين إلى موضع محصور: «حتى إذا بلغ بين السدّين»، إنه موضع غير مفتوح، فجوة بين حاجزين طبيعيين، ومنها كان ينساب الفساد، وعند هذه النقطة يتغيّر المشهد كليًا، قوم لا يملكون أدوات المعرفة الكافية: «لا يكادون يفقهون قولًا»، غير أنهم يملكون ما يسبق أي تحوّل في المجتمع، وهو الوعي بالمشكلة، يتحدثون، يشخّصون الخلل، يسمّون المفسد، ويطلبون الحل: «إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض».

يطلب القوم من ذي القرنين أن يجعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًّا يمنع الاعتداء، فيختار القائد حلًا أنجع فيقول: «فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردمًا»، فالسدّ حاجز عند الحدّ، أمّا الردم فملء للفجوة من داخلها، وإغلاق لمسار الفساد ذاته، لا مجرد منعه بصورة مؤقتة، وكان اختيار الردم قرارًا قياديًا واعيًا، لأنه حل يناسب قدرات المجتمع، ويُبنى بمشاركته، ولا يحتاج بعد اكتماله إلى إدارة دائمة.

وهكذا تتوزع الأدوار بين من يجلب الحديد، ومن يشعل النار، ومن يُعدّ القطر، فتتحول المشاركة إلى تعلّم، ويتحوّل المجتمع من خائف إلى فاعل، وحين يكتمل البناء لا يُنسب الإنجاز إلى القوة ولا إلى المعرفة، وإنما يُعاد إلى مرجعيته القيمية: «قال هذا رحمة من ربي»، فالرحمة هنا ليست عاطفة، وإنما ضابط أخلاقي للعلم، إذ إن العلم إذا انفصل عن الرحمة صنع أدوات الهلاك، وإذا اقترن بها صنع أسباب الحياة والأمن.

ويُختم المشهد بتذكير بالغ العمق: «فإذا جاء وعد ربي جعله دكّاء»، لا تقديس للمنجزات، ولا وهم للخلود، وإنما وعي بزمنية المشاريع، وتسليم بأن ما يُبنى اليوم قد يُزال غدًا، ويبقى الأثر الحقيقي في الإنسان الذي تعلّم، وفي المجتمع الذي تغيّر.

في سيرة ذي القرنين، نرى القيادة وهي تمارس أدوارًا مختلفة بحسب المقام، تحكم حين يكون الحكم كافيًا، وتمتنع حين يكون الامتناع حكمة، وتبني حين ينضج الوعي ويُطلب التغيير، إنها قيادة تحسن قراءة الواقع، وتعرف متى تتدخل، ومتى تنسحب، وتترك وراءها ما يكفي الناس للعيش بكرامة.

 

اقرأ المزيد

alsharq كيف تؤثر الطفولة في تشكيل الشخصية؟

الطفولة ليست مرحلة زمنية عابرة، بل هي البذرة الأولى التي تُغرس فيها ملامح الإنسان النفسي والعاطفي والسلوكي. كثيرون... اقرأ المزيد

30

| 09 يناير 2026

alsharq الأسرة والسلامة الرقمية في قطر

يشهد العالم المعاصر تحولًا رقميًا متسارعًا جعل التقنيات الرقمية جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال اليومية، الأمر الذي... اقرأ المزيد

30

| 09 يناير 2026

alsharq صلى عليك الله في ملكوته

بكل وقارٍ وإجلال، وبقلبٍ عامرٍ بالمحبة والتعظيم، نستهل هذه الأبيات العذبة صلاةً وسلامًا على نبينا محمد صلى الله... اقرأ المزيد

27

| 09 يناير 2026

مساحة إعلانية