رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في أكتوبر 2011 فجعت قطر بمصرع رجل قطري من رجال البحر بعد أن أنقذ عائلة مقيمة فردا فردا ولكن شاءت الأقدار بعد حفظ ارواحهم أن يقضي غرقا أثناء محاولة انقاذه آخر فرد فيها وهو رب الأسرة الذي غرق به ومعه، ربما لم تمهل الحادثة وقتها على الساحل الحيوي في فرضة الوكرة من يقوم بالمراقبة للقيام باللازم احيانا لعدم او لتأخر صدور بلاغات لحوادث تعد آنية ولحظية يجتهد فيها من يلحظها مباشرة بصفة انسانية ترتجي منا عليه "الرحمة" رحمه الله.
ويوم 9 يونيو 2012 أصيب اهل الوكرة وقطر مرة أخرى بالحزن لمصرع ثلاثة ابناء لأسرة واحدة غرقا ذوي — 11 — 13 — 15 ربيعا، جراء تيارات مائية قوية سحبتهم من جهة ساحل غرب منتزه الوكرة الى شاطئ أبو فنطاس.
ليست هذه هي الحوادث الوحيدة ولا الأخيرة في مجال السباحة بل هناك الكثير في الشمال والخور وسيلين ولعل هذه تحضرني وأذكرها كأمثلة حية لأنني عايشت سماع سيارات الأمن والاسعاف وصوت ومنظر هليكوبترات البحث الى المنطقتين لقربي من هذا الساحل. أما في مجال أمن "السكوترات" وشروط استخدامها ورخصها فحدث عن هذه الحوادث ولا حرج وكم من ام ثكلت ابناءها في مصاب كبير جزعت كل قطر له.
ضج الإعلام وقتها وضجت كل منتديات قطر الإلكترونية لعدم وجود تحذيرات في تلك المنطقة الخطرة، ولا أظن أن هذه الحرفية تغيب عن مؤسسية أمنية مهنية واحترازية قبل كل شيء في دولة عريقة ومتقدمة في نظم الأمن والسلامة خصوصا ان خفر السواحل يتبع جهازا يعد في قطر من اقوى اجهزة الدولة فضلا عن مهنيته.
ولكنني أخذت جولة في الشاطئ منذ يومين فوجدت اجتهاد الجهة المعنية في الداخلية "امن السواحل والحدود" التي قامت بوضع تلك التحذيرات على لائحة تحذيرية لذلك وجبت الإشارة اليها مصورة هنا من باب الامانة في التقرير، ولأنني كنت خارج قطر فلا أعلم متى وضعت بالضبط ولا اظنها حتى بمستواها الحالي والمترجم بالإنجليزية فقط تفي بالغرض منها..
ومع ذلك فإننا نرتجي ألا يظل أمن السواحل لدينا مجرد بلاغات آنية لفقد أو غرق، وإدارة لطوارئ وغرف عمليات أمن المناطق فحسب، أو مجرد تنصيب لائحة عامة لا تنتمي الى فن الارشادات الرمزية اللافتة والمصورة في عصر الثورة الرقمية التي تغني عن الترجمة بأي لغة كما تعلمون وتخاطب الصورة فيها والرمز كل الجنسيات. كما اننا نتمنى ان تتم تهيئة السواحل سياحيا وامنيا ووقائيا بشكل يوفر الأمان لمرتادي البحر فيها خصوصا ان السواحل العامة للسباحة او النزهات العائلية باتت محدودة ومعدودة بعد التطور العمراني لقطر وتحويل عدد من المدن الشاطئية الى مراكز تراثية.
◄ خبرة خفر السواحل
مع ايماننا سلفا بالقضاء والقدر، إلا اننا نجزم بخطورة السباحة في بعض المواقع نظرا لوجود "الدحول" أي هبوط قيعان البحر، أو المناطق الصخرية الحادة، أو الظواهر المائية المعروفة مثل التيارات البحرية الشديدة والتي يعلمها اهل الحل والعقد فيها من خبرتهم العريقة وتخصصهم في مجالها، مع ذلك نفتقر الى وجود خطة عامة عملية تطبيقية للسلامة البحرية وللتثقيف وللتوعية الاحترازية العامة بالأمن البحري والمتعددة والمتطورة الوسائل على مستوى الدولة رغم صغر مساحة قطر — وفي مفارقة — رغم إحاطة البحر بها من ثلاث جهات.
هذا وقليلا ما نجد تكليفا لفرق الانقاذ المكتملة العدد على الشاطئ بمهمة وساعات محددةخصوصا في فترة إجازة نهاية الأسبوع "وهي الذروة"، وقلما نجد أيضا تركيبا للوحات إرشادية نوعية تدون المتغيرات اليومية كالمدّ والجزر والتيارات وقوة الريح والعمق والضحالة... الخ فضلا عن افتقار السواحل المهمة لوجود الخدمات والمرافق الحيوية العامة في تلك المناطق.
◄ البحر في قطر
عندما تصفحت بحر وطني عمليا وواقعيا وتصفحت غوغل عن قطر والبحر وجدت له مهرجانا احتفاليا لنشر الوعي والتعريف بتراث قطر البحري الغني، واحتفاء مهما ايضا بتراث البحر وسفن الصيد وتطوير صناعتها، واهتماما بالغا بسواحل قطرالسياحية المنظر والاستثمارية المستقبل، وكل ذلك مهم في عمر تطور قطر وصون هويتها إلا ان البحر واقع واسلوب حياة ينتظر من الجهات الأخرى الميدانية المؤسسية المسؤولة التوعية به ببرامج اخرى عملية فضلا عن الاجراءات الأمنية المتعددة لجاهزيته للارتياد.
وفي الوقت ذاته وجدت ايضا ما يبشر بالخير من قبل مجموعة من الشباب القطري المتطوعين الذين قاموا باجتهادات شخصية بإنشاء منتدى خاص لأهل البحر تحت مسمى http://www.dohasea.com/
"منتديات بحر الدوحة" وقد قرأت ما أفادوني فيه — ولأول مرة أعلمه — والتي يعلمها بالتاكيد رجال البحر وخبراؤه وهي اجراءات السلامة عند جرف التيارات البحرية الخطرة، وأسجل هنا فخرنا بهم.
◄ نموذج دولي متميز لأمن السواحل
بداية أعلم أن ساحل دولة قطر كخليج هادئ ليس في مدى عمق وقوة وخطورة المحيطات أو امواجها وليس بحجم دولة قارة هي جزيرة بل تتبعها جزر أخرى ولكن لا يمنع ذلك ان نطبق عددا من الاجراءات الأمنية العامة لأمن السواحل ومرتادي البحر.
اطلعت على نماذج منها في استراليا في جولة من "بيرث عاصمة ولاية غرب استراليا" على المحيط الهندي، الى شاطئ مدينة "بونداي في سدني" ولاية نيو ساوث ويلز على المحيط الهادي، الى الشاطئ المعروف بـ"جولد كوست" في ولاية كوينزلاند، حيث يضم كل ساحل ناديا أو مقرا لأمن السواحل مسؤولا عن وضع دوريات سلامة وفرق انقاذ بمهام وساعات يومية، وهذا ما يطبق في كل الولايات والمقاطعات الأخرى من فيكتوريا، جنوب استراليا، شمال استراليا وشواطئ ولاية جزيرة تازمينيا.
أعتقد اننا في قطر نستطيع توفير الخدمات الأساسية وتطبيق ادنى درجات الأمن والسلامة على السواحل البحرية لصغر شبه جزيرتنا وقلة سواحل السباحة والصيد ولسهولتها واحتراف جهاز الأمن لدينا واضطلاع ضفادعه بدورات تدريبية كثيرة على مستوى دولي تهيئ له نقل هذه التجارب وتطبيقها على شواطئ السياحة والرياضات المتعلقة بها في قطر دون أن تكون كما يقال "حبرا على ورق".
◄ اللوحات الإرشادية العامة
يقع مقر كل ناد لخفر السواحل على كل شاطئ استرالي وتشمل مهامه تركيب اللوحات الارشادية العامة على السواحل والمتضمنة كافة التعليمات المعززة بالصور من الممنوع والمسموح والتي تقيد السباحة في المواقع المحددة بين "العلمين باللونين الأحمر والأصفر"، ويتم تحديدها يوميا بناء على مسح يقوم به الفريق البحري فجرا قبل بدء وقت العمل الرقابي وبناء على الاسترشاد بالتعليمات اليومية من قبل إدارة الأرصاد، ومن ثم يتم وضع الأعلام في المواقع الآمنة للسباحة يوميا بارشادات اخرى متغيرة يتم غرسها في المنطقة الرملية أمام منطقة الأعلام زيادة على الارشادات العامة الدائمة متضمنة معلومات مهمة عن عمق البحر، المد والجزر، التيارات، الحرارة وسائر ما يهم المرتادين. وفي الصور تتضح الارشادات الدائمة واليومية.
◄ الدوريات المكلفة وفرق الإنقاذ
يطبق كل ما سبق في ظل وجود دورية محددة المهام من 8 صباحا — 5 مساء يوميا بحيث تحدد مسارات مخصصة لها على الشواطئ باللون الأحمر وعلامتها معنونة بالأصفر لضمان عدم اعاقة مساراتها من قبل المرتادين وضمان انسيابية عملها بسهولة وقت الطوارئ. هذا وتضم سيارات امن السواحل كافة التجهيزات الخاصة بالاسعافات الأولية والتنفس الصناعي وجهاز انعاش القلب وسائر الأجهزة والمعدات والسيارات والسكوترات الخاصة بالإنقاذ فضلا عن الاعدادات الأخرى للهليكوبترات وما سواها.
أما عن ركوب الموج "السيرفنغ" فلها مواقع مخصصة، وكذلك رخص خاصة بارتياد السكوترات وما اليها في ظل ارشادات توضح قائمة المسموح والممنوع وما يتطلب المنع أو السماح أيضا بمرافقة أو حراسة الأمن منها.
◄ تمويل أمن السواحل
ولاختلاف انظمة الدول في مصادر تمويل او ما يسمونها أندية وتسمى لدينا مراكز خفر السواحل خصوصا ان الدول المتقدمة تعتمد على المنظمات الأهلية فضلا عن الاعتماد على الضرائب في الخدمات الحكومية العامة، قابلت المشرف العام على الأمن في ساحل الجولد كوست واستوضحت ان هذه الخدمات الأمنية تقدمها الحكومة الاسترالية أيضا فهم موظفون للحكومة، وفيما عدا خدماتهم والى جانبها توجد ايضا مراكز أخرى تابعة للمنظمات الأهلية او الجهود التطوعية.
فضول المعرفة
بعد جولتي بعدستي في عدد من السواحل التي وضعتها لكم هنا معززة بالإشارة الى مواقع محددة فيها، اثرت الدخول أيضا على الموقع الالكتروني للحماية والسلامة البحرية على الشواطئ الأسترالية لإشباع فضول المعرفة وأخذ التجربة، فوجدت زيادة على ما رأيته وما سمعته من المقابلة مما أثار اعجابي حقا يتوّجه توافر كافة معلومات الأمن والسلامة بعدد كبير من اللغات (34 لغة) تقع من ضمنها اللغة العربية ويسهل تحميلها من الانترنت مباشرة. فضلا عن وجود فيديو خاص بالتعليمات على الموقع الإلكتروني.
◄ التمويل يشمل برامج الأمن الساحلي والتعليم والتثقيف
تقدم هذه الخدمات بتمويل كمنحة من الحكومة الاسترالية لبرنامج أمن المياه الإقليمية الاسترالية وتتضمن أمنها وبرامج التعليم والثقيف التابعة لها فضلا عن إدارة ومتابعة جهاز أمن السواحل SLSA Surf Life Saving Australia وتمويل اخر من وزارة الصحة الاسترالية Department of Health and Ageing
وتدعمه مهنيا نظم الأمن والمعلومات التي يوفرها أولا بأول مكتب الارصاد Bureau of Meteorology ويتم البرنامج بالتعاون مع وزارة السياحة أيضا.
◄ الموقع الالكتروني نظام متكامل
يتضمن الموقع الالكتروني http://www.lifeguards.com.au
كافة الخدمات المتعلقة بزيارة البحر او ارتياده او الصيد او حتى السياحة وذلك على امتداد القارة لـ6 ولايات او مقاطعات بحرفية ومهنية والتي تشمل مواقعها 11915 ساحلا، وخدمات التنبؤ والاصاد لـ 12000 شاطئ فضلا عن توافر معلومات دائمة مثلFact Sheet and Tool Tips وFAQ
◄ تطبيق مجاني خاص بالأمن الساحلي Apps تم إصدار النسخة الأولى من برنامج أمن السواحل مجانيا مما يعد اضافة مهنية نوعية لمعلومات آنية مهمة لمرتادي البحر على مختلف الشواطئ..
◄ التوعيـــة بالتيــــارات البحريـــة :rip currents آثرت أن اضع لها عنوانا خاصا لأنها السبب في جرف كثير من الأفراد في بحارنا كالحادثة التي ذكرت حتى لو لم تكن دولنا قارات أو جزرا أو بلدانا مطلة على محيطات.
إن الأمن الاحترازي من مختلف حوادث البحار مهم وعلى رأسه تفادي التيارات البحرية بمعرفة مواقعها سلفا ومحاولة تفاديها وهذا دور أجهزة المسح البحري، فضل عن التوعية الشاملة.
ويوضح الموقع الإلكتروني في الأمن الساحلي الاسترالي نافذة خاصة بها موضحا نوعها ومواقعها وعلاماتها الدالة عليها. والتي قصدت وضعها بالصور التثقيفية هنا لأنها أكبر عامل متسبب في وفيات المرتادين في البلاغات البحرية هناك (40%) حتى رغم الحراسة اليومية.
◄ صورة تطبيقية لطرق تفادي التيار الجارف يمينا أو يسارا
رسم بياني توضيحي
نموذج حي للتيارات البحرية على شاطئ بونداي في مدينة سيدني كما وضحها الموقع وتبدو على غير حقيقتها زرقاء هادئة في الوسط
وأخيرا.....
إن الاهتمام بالشواطئ وتعزيز أمنها وسلامتها قضية مهمة نتمنى ان تضاعف اولويتها لدينا حتى لو سلمنا باقبال دولة قطر الساحلية الصغيرة على عهد تطويري ضخم لسواحل جديدة ترفيهية، إلا أن هذا لا يمنع اننا في الوقت ذاته ننتظر حلولا تزامنية للشواطئ والسواحل الحالية القليلة العدد بحيث تقوم على اسس مؤسسية وهذه تحتاج بدون شك إلى جهود تكاملية متكاتفة من كل من هيئة الأشغال العامة ووزارة البلدية والتخطيط العمراني والمجلس الأعلى للبيئة ومجلس الصحة ووزارة الداخلية خصوصا اننا نؤمن ان البيئة لدينا هي "البحرية قبل البرية" في اولويات إدارة المخاطر الناجمة عن جهل الاستخدام، وتقليل الحوادث الناجمة عنها.
هذا وإذا كان مصطلح حرس أو (خفر) السواحل كما تعرفها المراجع هي:
"مصلحة وطنية مسؤولة على مهام مختلفة فى البحر، وتختلف باختلاف البلدان". ومع ايماننا بمهام خفر السواحل الجمة والكبيرة واحتراف اجهزة الامن البحري لدينا في حماية أمن الدولة وحدودها سلامتها البحرية، مازلنا نذكر بأن جزءا من هذه المسؤولية هو امن مرتادي البحر والسكان والزوار على الضفة الأخرى وأمن الشواطئ وجاهزيتها وأمن مستخدميها في بيئة "هي البحر". ولأننا نؤمن بالقضاء والقدر ونؤمن بأن تطبيق كل ذلك لا يمنع وقوع الحوادث ايضا ولكن يجب ألا نترك انفسنا لحوادث الدهر دون سبل احترازية متطورة، بل نجتهد اولا في تجويد تحقيق أعلى وأفضل وأشمل معايير للأمن والسلامة البحرية العامة، ومن ثم تقوم مسؤولية كل فرد عن نفسه وكل أسرة عن أفرادها فهي مسؤولية تكاملية مشتركة بيننا وبين أجهزة الدولة لأن التنمية هدفها "الإنسان" أولا واخيرا، وحجم قطر الصغير ومستوى اهتمام الحكومة بالسكان والأمن وبالبنى التحتية يعد لنا في تطبيق ذلك عاملا مساعدا ومكسبا كبيرا.
التعليم في قطر والذكاء الاصطناعي في زمن ChatGPT
لا.. ChatGPT لا !! لا مرفوض … ممنوع! هذه ليست ردود أفعال مجتمع بين متعلم وغير متعلم أو... اقرأ المزيد
3198
| 11 سبتمبر 2024
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
1023
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1242
| 28 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8760
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3786
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
3135
| 30 أكتوبر 2026