رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من أساليب القياس التي يمكن استخدامها: عدد الحواسيب، عدد الخادمات للإنترنت وعدد المشتركين، أمية الحاسوب، نسبة مساهمة المعلومات في إجمالي الدخل القومي، ونسبة العمالة في مجال تكنولوجيا المعلومات، وغيرها.
وبعد الاطلاع على النتاج الفكري المتعلق بمجتمع المعلومات يمكن أن تستخلص المؤشرات أو الخصائص التالية لمجتمع المعلومات:
1- التحول من اقتصاد الصناعات إلى اقتصاد المعلومات.
2- التحول من الاقتصاد الوطني أو القومي إلى الاقتصاد العالمي الشامل أو المتكامل.
3- التحول من إنتاج البضائع والسلع المصنعة إلى إنتاج المعلومات.
4- التحول من استخدام القوة الجسمية إلى القوة العقلية أو الذهنية.
5- ظهور المعلومات كمصدر ومورد أساس ورئيس للاقتصاد بعد أن كانت عنصراً ثانويا في الاقتصاد الصناعي.
6- ظهور شبكات المعلومات والاتصالات البعيدة على المستوى العالمي لتلبية احتياجات الأفراد من المعلومات بسرعة أكثر وتكلفة أقل.
7- انتشار تكنولوجيا المعلومات المتقدمة ووسائل الاتصالات البعيدة بشكل مكثف واستخدامها في المؤسسات العامة والخاصة والمدارس والمنازل لتحقيق أهداف وغايات اجتماعية وسياسية وثقافية وغيرها.
8- ظهور مبدأ المشاركة في اتخاذ القرارات (الديمقراطية المباشرة) نتيجة التدفق الحر للمعلومات.
9- ظهور مبدأ المنتج- المستهلك.
10- الانتقال من المركزية إلى اللامركزية.
11- الاعتراف بدور المعلومات كعنصر هام وحيوي في تقوية المبادئ والقيم الثقافية للمجتمع ودورها في عملية التطوير والتنمية.
12- اعتبار التعليم عملية استثمار إستراتيجية وقوة تطويرية هامة في مجتمع المعلومات.
وينتقل بنا المؤلف إلى الفصل الخامس والذي يعتبر من أهم فصول الكتاب لأنه يتناول الواقع العربي في مجال المعلومات والمعلوماتية، فيبدو واضحاً أن العالم العربي لم يستعد بعد للدخول في مجتمع المعلومات رغم انتشار تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وصناعة المعلومات في بعض الدول العربية، إلا أنها ما زالت في مرحلة البداية. ويعود ذلك بشكل رئيس إلى ضعف الهياكل الأساسية لتكنولوجيا المعلومات وشبكات الاتصالات وضعف القوى البشرية العاملة في هذه المجالات، وغياب السياسات الوطنية للمعلومات.
أما عن الوضع العربي الراهن في مجال المعلومات والمعلوماتية فمما لا يقبل الجدال أن العرب خلال حقبة تاريخية سالفة شيدوا حضارة عريقة بلغ صيتها كافة أصقاع المعمورة، اعترف بها الأعداء قبل الأصدقاء، شكلت اللبنة الأولى وحجر الأساس لتقدم الغرب وازدهاره الحالي، وإنه لا يضاهي عظمة تلك الحضارة إلا براعة أصحابها في تحطيمها والعمل على تقويض أركانها على مر العصور، فالمسافة تتسع وتنظيم المجتمع يتعقد ومتطلبات السياسة العالمية تتشابك، ويضيق على العرب شيئاً فشيئاً بحكم تصارع القوى، ويمكن إجمال تلك المؤشرات فيما يلي:
* غياب الروح العلمية ويتجلى ذلك في مظاهر ومواقف اجتماعية عديدة مثل انعدام الثقة في البحث العلمين وجدوى الحلول العلمية، عدم تقدير العلماء، وانقطاع معظم المتعلمين عن تحصيل العلم بمجرد تخرجهم أو حصولهم على شهادات علمية.
* قتل الروح الابتكارية لدى النشء من خلال نظام تعليمي تلقيني يثبط همم المبتكرين والمبدعين.
* تخلف أو قصور خدمات المعلومات، ونفور أصحاب القرار من استغلالها عند اتخاذ القرارات التي تأتي ارتجالية.
* عدم التناسق وانفصام عرى التكامل الثقافي بين التخصصات العلمية والفنية والتخصصات في العلوم الإنسانية والاجتماعية مما يترتب عنه تعذر إجراء دراسات متعددة التخصصات وظاهرة غزو الفضاء الإليكتروني جديرة بأن تدرس من طرف لفيف من المتخصصين في مجالات شتى لوضع تصور مجتمعي متكامل.
* عدم تجاوب نظم التعليم الرسمي مع متطلبات الأجيال القادمة مع ضعف فادح في البنى الأساسية لنظم المعلومات لافتقادنا لسياسات وطنية في المجال، أضف عليه ضعف التكامل العربي.
* ضعف النشر عموماً والنشر العلمي خصوصاً، وبطء حركة الترجمة.
* الاعتماد على الخبرة الأجنبية في كثير من مشاريع نظم المعلومات العربية سواء في التصميم أو التطوير أو التشغيل.
* قصور وانخفاض في البحوث الأساسية والتطبيقية في كل العلوم ومنها مجال المعلومات وهي ناجمة عن التبعية العلمية والتكنولوجية، وضعف الميزانيات المخصصة للبحث العلمي.
* تقليص تعليم اللغات الأجنبية في كثير من الدول العربية.
* عدم توفر قدراً من الانسجام والوحدة في المنظومة التربوية للدول العربية مما يجعله يكرس ظاهرة انفصام الشخصية الثقافية وازدواجها، مع اعتماد أسلوب التلقين الشخصية مناهج تجاوزها العصر، فالتعليم يقوم في الغالب على اجترار المعارف القديمة التي تتناقل عبر الأجيال نظراً لركود الإنتاج العلمي العربي واستحالة الوصول لمصادر المعلومات الأجنبية.
* انقطاع الصلة بين الفرد العربي وبين المجتمع على مستوى الدراسة والبحث، كما على مستوى الإبداع مما يؤدي حتماً إلى غياب المعرفة بواقع المجتمع العربي وإمكانات تقديم حلول لمشاكله.
* عدم استيعاب المؤسسات التعليمية في الأقطار العربية جميع الأطفال في سن التدريس، مما يزيد معدل الأمية، علاوة على جيوش المتسربين والمنقطعين مما يضخم من حجم الجيوش الأمية. مما يؤدي قطعاً إلى ضيق قاعدة هرم النخبة المثقفة غداً، وبالتالي ضيق دائرة النشاط الثقافي وطفوها على سطح المجتمع مما يكرس ويعمق الانفصال والانقطاع بين المجتمع والفكر ويقلل من فرص ظهور طاقات فكرية خلاقة.
* الاستيراد المفرط للتكنولوجيات المطبقة في الخارج في شتى المجالات والتي يعتقد أن لها تأثيراً أسرع على إحداث التطور والتنمية وهو أمر من شأنه إهدار جدوى الجهود المحلية التي تبذل في مجال البحوث وتصبح خياراً باهظ الثمن فوق طاقة البلدان، وما أشبه اليوم بالبارحة حينما عمدت دولنا لاستيراد صناعات جاهزة لإحداث التنمية وهاهي السياسات العربية في مجال تكنولوجيا المعلومات تنحى باتجاه استيراد مخرجات ووسائل التكنولوجيا لعل وعسى يحدث ذلك تقدماً مماثلاً لما هو حاصل في أوروبا.
وفي الفصل السادس (مؤشرات انتقال الدول العربية إلى مجتمع المعلومات) فهو عبارة عن دراسة حالة أجراها المؤلف عن المملكة الأردنية، أما الفصل السابع في خصصه المؤلف لأخلاق مجتمع المعلومات، فكما هو معلوم أهمية تحديد ضوابط أخلاقية تتوافق عليها المجموعات والمهن والمجتمعات. ففي المهن الطبية نجد مثلاً قسم أبو قراط الذي يحدد أخلاق الطبيب، وهناك قسم ومواثيق وأسس مكتوبة لمختلف المهن والوظائف في المجتمع، وقد يستطيع صاحب المهنة أن يخرق قواعد تنظيم المهنة التي تحددها نقابتها، مما يعرضه لعقوبة بسيطة أو شديدة، ولكنه إذا خرق أسس أخلاق المهنة، وثبت عليه ذلك فإنه لا يعاقب فقط وإنما يطرد من مهنته، من هذا المنطلق يبدأ المؤلف في سرد فصله عن أخلاق مجتمع المعلومات، وفي الفصل الثامن تناول المؤلف المتخصصين في علم المكتبات والمعلومات ودورهم في مجتمع المعلومات، وأنهى المؤلف كتاب بفصل كامل يحوي أهم التوصيات التي خلص بها من الدراسة حول انتقال المجتمعات العربية إلى مجتمع المعلومات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3432
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3234
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1248
| 01 أكتوبر 2026