رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دعاء الأمير في قمة الكويت مازال يجلجل في الآفاق: اللهم اجعلنا من الذين تحبنا شعوبنا ونبادلها حباً بحب
في بلد المليون شاعر.. ما أحوجنا إلى قصيدة واحدة تحيي ما مات في العرب!!
الأمن العربي أصبح أكثر انكشافاً ومشاريعُ الأمم الأخرى تتمدد في الوطن العربي
تنعقد يوم غد القمة العربية السابعة والعشرون؛ بحضور من حضر من القادة، نصف الزعماء العرب يتغيبون عنها في العاصمة الموريتانية نواكشوط، بلد المليون شاعر، ما أحوجنا في هذه اللحظة التاريخية الفارقة، إلى شاعر واحد، وقصيدة واحدة، تحيي ما مات في العرب.
تنعقد هذه القمة العربية في موريتانيا، هذا البلد العربي المحوري، الذي يقع في الشمال الغربي للقارة الإفريقية، على شاطئ المحيط الأطلسي من الجهة الغربية من وطننا، بلد نسيَه العرب، بل نسوا القارة التي يقع فيها، وهي التي تمثل العمق والأمن القومي للعالم العربي، حتى باتت كل مشاريع الأمم تتنافس عليها، إلا العربَ الذين أضاعوا مشروعهم القومي، وباتوا بلا هوية، والكل يتناهشونهم، فأصبحوا فريسة تتكالب عليها الأمم.
تنعقد القمة العربية في ظرف دقيق، ومرحلة حساسة.. وفي كل مرة نردد هذه الجمل "المنمقة"، وهذه المفردات "المدغدغة" للمشاعر، وكأن القمة التي نحن بصدد الحديث عنها هي المنقذة لمشروعنا القومي العربي، أو أنها الرافعة لما سقط منا من أوطان، أو أنها ستجد الحلول لما تعانيه الشعوب من مآسٍ، والبلدان من ويلات.. لم أطلع على جدول أعمال قمة نواكشوط، وإن كنت لا أعتقد أنها سوف تختلف عن قمة شرم الشيخ العام الماضي.. الكثير لم يكن يعرف أن القمة الماضية كانت في هذه المدينة، التي هجرها السياح.. أو قمة الكويت التي كانت قبلها، لكني مازلت أتذكر أبرز جدول أعمال قمة شرم الشيخ، التي تضمنت نحو 12 بنداً، أذكر بعضها.. لتقولوا لي ماذا تم بشأنها، هل حلت هذه القضايا أم إن أوضاعها في مزيد من التدهور..؟!!
القضية الفلسطينية، أهلكناها قتلاً، وليس بحثاً، وفي النهاية لم نقدم لها الحلول، ولم نسعَ لإنقاذ الشعب الفلسطيني، بل أسهمنا في قتله، بالمشاركة مع الكيان الإسرائيلي.. حاصرناه كما يفعل الصهاينة.. سكتنا عن التهويد للأراضي الفلسطينية.. صمتنا عن انتهاك القدس والأقصى والمقدسات الإسلامية.. ثم لمنا الشعب الفلسطيني لأنه أكل "جيفة" وهو يكاد يموت جوعاً.
سوريا.. عام سادس وهذا الشعب يقتل على يد نظامه، والجامعة العربية تقدم رجلاً وتؤخر عشراً، والأنظمة العربية؛ من تقف مع هذا الشعب لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، بل إن هناك أنظمة عربية تقدم الدعم العسكري واللوجستي للنظام الأسدي المجرم، الذي لم يمر على التاريخ أن فعل نظام بشعبه ما يفعله هذا النظام اليوم.. والقتل مستمر لهذا الشعب، الذي يوشك على الانقراض بسبب آلة القتل، التي تحصد يومياً العشرات، ما بين قتيل ببراميل "النظام" المتفجرة، أو الطائرات الروسية الغادرة، أو الحرس الثوري الايراني المحتل، أو ميليشيات حزب الله الحاقدة، أو المرتزقة الذين أتوا بهم من كل حدب وصوب، لقتل هذا الشعب الأبي، الذي كل جريمته أنه طالب بالإصلاح، وبحياة كريمة، فتخلى عنه العالم كله، بل شاركوا القاتل بقتل متعدد الأشكال والألوان.
ليبيا.. لم يترك العرب هذا الشعب يقرر مصيره بإرادته، بعد أن تخلص من حكم الفرد، فأشعلوا فيه النار، وحرضوا أطرافا ضد أخرى، وأمدوهم بالسلاح "المحرم" ليقتل الأخ أخاه، فتحول العرب إلى محرضين، بدل أن يكونوا مصلحين، موحدين للأشقاء في ليبيا.
اليمن.. عام ثانٍ من عاصفة الحزم التي أتت لتنقذ اليمن الشقيق من السقوط في براثن عصابات مرتمية في حضن المشروع الإيراني، استولت على السلطة بقوة السلاح، كما سقطت عواصم أخرى، لكن هذه الخطوة والمبادرة، التي يتحرك فيها العرب لأول مرة، مبادرين بقيادة الشقيقة السعودية، لم تحسم حتى اللحظة، بفعل مؤامرات الظلام، من هنا وهناك، وفي استمرار أمدها مصلحة "حوثية" مع حليفهم المخلوع، فكان الأمل أن يكون للعرب كلمة واحدة، وصف واحد لإنقاذ اليمن من الهاوية، والحفاظ على الأمن القومي العربي، لكن من العرب من يقف على الضفة الاخرى، وكأن الخطر بعيد عنهم، ولا يقدرون أن العِقد إذا انفرط فإن الجميع مهدد بالتبعثر.
العراق.. الطائفية المقيتة فوق الوطنية، دعم العرب العبادي؛ فماذا كانت النتيجة، لم يختلف الوضع كثيراً عن سابقه، ظلت الميليشيات الطائفية هي الآمرة الناهية؛ ترتكب كل الجرائم تحت مرأى ومسمع ما يسمى بـ "الجيش" العراقي، الذي حل محله ما يسمى بـ "الحشد الشعبي"، وهو حشد طائفي بامتياز، مارس القتل لأهل السنة على الهوية، وعمل على تهجير وتغيير التركيبة السكانية للمناطق والمدن؛ قتل من قتل، وهجّر من هجّر.. هذه هي الحقيقة، التي طالما حاول البعض نفيها، لكنها واقع معيش في عراق اليوم، الذي يسام فيه أهل السنة الخسف والنسف، بدعوى محاربة الإرهاب، فأصبح أهل السنة بين المطرقة والسندان، مطرقة "داعش" وسندان "الحشد"، وما حصل في الفلوجة خير شاهد، ولن يكون الوضع مغايراً في الموصل في قادم الأيام.
الصومال.. ماذا فعل العرب من أجل هذا البلد الذي يعيش الجوع والفقر والضياع، بعدما كانت تلك الديار في سالف الأيام تمدنا بالدعم والمساندة، فتركناها اليوم تهيم في الأرض، بلداً ممزقاً، وشعباً مشتتاً، تزعزعه حرب بين فرقائه، لم يجد من يتصدى لها بالإصلاح..
الجزر الإماراتية المحتلة.. مقررة في أجندة كل القمم، فماذا صنعت هذه القمم، وماذا قدمت للأشقاء في الإمارات لاسترجاع جزرهم الثلاث..؟
وكان من بين جدول أعمال القمة العربية الماضية أيضاً، الأمن القومي العربي ومكافحة الإرهاب.. فماذا تم بشأنهما؟
مشروع الأمن العربي أصبح أكثر انكشافاً، أما مشاريع الأمم الأخرى فقد أخذت تتمدد في الوطن العربي!! كانت تلك الأمم ـ ولا تزال ـ تتصارع من أجل اقتسام الجغرافيا، والحصول على المكاسب، والمنافع، وخيرات أوطاننا، ونحن في "عالم" آخر، نتفرج، ونرصد التحركات، من وراء الشاشات، وكأن الأمر لا يعنينا.
أما الإرهاب ومكافحته، فلم نعمل معاً من أجل اجتثاثه من جذوره، فالإرهاب مرفوض، ولا يمت لنا، ولتاريخنا، وديننا بشيء، ولكن هل طرحت الدول العربية معالجات حقيقية لهذه القضية، أم إن ما يطرح مجرد "مسكنات"، والقفز في الهتاف ضد الإرهاب إلى الأمام.. أمام الجميع.. بعيداً عن العلاج الحقيقي لهذه القضية، من جذورها، وليس فقط تقليم أظفارها؟.
نحن بحاجة ـ والعالم أجمع ـ إلى الوقوف على مسببات الإرهاب، إن كنا نريد علاجه من جذوره، ولكن للأسف هناك أطراف إقليمية ودولية تغذي الإرهاب، وتستفيد من وجوده وبقائه..
قضية أخرى كانت مطروحة على جدول أعمال قمة شرم الشيخ، ألا وهي تطوير جامعة الدول العربية.. فماذا فعلوا من أجل تطويرها؟!!.. إنهم أتوا بوزير خارجية مصر الأسبق أحمد أبو الغيط، تاريخ حافل، ومسيرة ثرية، من أجل تطوير هذا الصرح "العريق"، يكفي من أعمال هذا الرجل أنه شارك "زميلته" وزيرة خارجية العدو الإسرائيلي مؤتمراً صحفياً في القاهرة في ديسمبر 2008، أعلنت من خلاله الحرب على غزة، فكان داعماً لها، بل تلقفها مسانداً قبل أن تقع من على السلم، وهي تنزل من منصة المؤتمر الصحفي المشترك الشهير!!
قمة نواكشوط العربية.. ماذا يمكنها أن تفعل، وماذا يمكنها أن تعالج؟
المشكلة الحقيقية أن الجامعة العربية، والأنظمة العربية ـ إلا من رحم ربي ـ في جهة، وقضايا الشعوب في جهة أخرى، وما بقي الوضع على هذه الشاكلة، فإن الواقع العربي لن يتغير للأحسن، بل على العكس؛ نحن نتجه نحو مزيد من التشتت، ومزيد من التفرق، ومزيد من الآلام للشعوب العربية، التي لم تعد الغالبية منها تثق بجامعتها الفاضلة، لأنها تعتقد أن هذه جامعة أنظمة، لا تنحاز إلى قضاياها، وما الشعوب العربية التي انتفضت باحثة عن كرامتها، مبتغية إصلاح شؤونها، إلا خير دليل، عندما تخلت الجامعة عن دعم تطلعات هذه الشعوب، وتركتها تقاسي الآلام، دون أن تقف مساندة لها، لتحقيق آمالها، وفق تطلعاتها وإراداتها.
لن أتحدث عن القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها الشعوب العربية، ولن أتحدث عن أرقام البطالة في الوطن العربي، التي تمثل قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، بل هي أحد أسباب تخلف دولنا، التي لم تستطع استيعاب هذه الطاقات الشبابية والعلمية، في الإنتاج والإبداع، والعيش الكريم، فأحالتها للجلوس على الطرقات، أو التوجه للانخراط في المنظمات الإرهابية، أو الانزلاق إلى قوائم المدمنين على المخدرات.
الحديث عن الواقع العربي و"البهرجة" السنوية المسماة بالقمم العربية، حديث ذو شجون، فالواقع مرير، والأوضاع متردية، ولكن هذا لا يعني أن نستكين لهذا الواقع، بأنه لا علاج له، وبالتالي القبول به.. فإذا ما كانت هناك إرادة حقيقية، ونية صادقة، وأسند الأمر إلى أهله المخلصين، فحينئذ يمكن تحقيق نهضة شاملة، وحوادث التاريخ القديم والحديث ومجرياته، خير شاهد لمن أراد النهوض وبناء الأوطان، ومزاحمة الأمم على القيادة والريادة.
دعاء الأمير في قمة الكويت
في قمة الكويت 2014 كانت أول مشاركة لحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني كأمير لدولة قطر، فألقى خطاباً يمثل نبض الشعوب العربية، لامس خلاله آمال وتطلعات هذه الشعوب، ومازلنا نتذكر ما قاله سموه آنذاك، في خطابه التاريخي، عندما استحضر حديث رسولنا الكريم قائلاً:
"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم"، وتحدث سموه عن مأساة الشعب السوري؛ مؤكداً أن الأسلحة الكيماوية، وفوهات البنادق، لا يمكنها أن تقضي على تطلعات الشعب للحرية، وأن معاناة أطفال سوريا أصبحت وصمة عار في جبين المجتمع الدولي..
وتحدث عن قضايا الأمة وشعوبها، مثمناً مواقف ودور الشباب في الوطن العربي، وداعياً إلى فك الحصار عن غزة وفتح المعابر، واختتم خطابه التاريخي بالدعاء قائلاً:
"اللهم اجعلنا من الذين تحبنا شعوبنا، ونبادلها حباً بحب..".
قطر.. وسياسة ضبط النفس
اختارت دولة قطر منذ تأسيس سياستها الخارجية، أن تجنح للسلم لا لطبول الحرب، وأن تبني لنفسها دورا قائما... اقرأ المزيد
258
| 04 مارس 2026
الخليج بين صلابة الدفاع وحكمة القرار
ستظل دولة قطر عصية على أي اعتداء يستهدف أمنها وسيادتها، ولن تنجرّ دول مجلس التعاون الخليجي إلى حربٍ... اقرأ المزيد
189
| 04 مارس 2026
فوضى الحرب لا تنتصر
في اليوم الخامس من المواجهات العسكرية في الشرق الأوسط وفي قلب الخليج العربي والفوضى التي تتصاعد يوما بعد... اقرأ المزيد
222
| 04 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2664
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2658
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1059
| 26 فبراير 2026