رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الكل يشتكي من القرص؟؟ حتّى أصبح حديث المجتمع!! بل قد يعتذر البعض عن التزامات ضرورية نظرا لانتفاخات تسببت في التهابات جسيمة وأخذ مضادات حيّوية!! منذ متى والمجتمع يشتكي بهذه الصورة؟ ولماذا استشرت ظاهرة انتشار البعوض لدينا فجأة؟
وما أو من الذي نقله إلى بلاد ليست بزراعية ولا فيها أنهار ولا مستنقعات؟ قد يقول قائل إنه انتشر بعد معرض إكسبو للبستنة! أو بسبب مستنقع معيّن! ولكن انتشاره بهذه الكثافة ليس في قطر فحسب بل في معظم دول الخليج؟
قد سمعتم عن البعوض المطوّر والمعدّل جينيا..
لن ننساق وراء نظريّة المؤامرة ولكن هل يجوز للعالم المتطور الذي يجري بحوثه لتعديل البعوض وراثيا أن يعرّض البشر لمخاطر أخرى مضاعفة من نشره وقرصه ومرضه وتداعيات تطوراته وطفراته بموجب تجارب يبدو أننا بدأنا نخضع لنشرها في دولنا والدول الأفريقية دون علمنا وإرادتنا؟
يزعم من يطبق التجارب أنها طبقت أيضا في مناطقهم، ولكن ما نراه في دول الخليج في الآونة الأخيرة لا نراه في الدول التي رعت هذه التجارب، وزيارة واحدة لدول المصنّعين تكفي للحكم.
ومن ثمّ لماذا تتزعم منظمة الصحة العالمية كل بلاء ووباء تحت غطاء إجراء البحوث صحّت أم لم تصحّ؟ وقد تتساءلون وما شأن منظمة الصحة؟
الإجابة أجابتها رويترز لا نحن.. فالمنظمة شجعت على الابتكار من أجل مكافحة زيكا، وهو فيروس ينتشر في الأمريكتين وينتقل من بعوض من جنس الزاعجة المصرية «إيديس إيجبتاي».
نثمن للمنظمة دورها الصحي، فالابتكار وإيجاد الحلّ الوقائي أو العلاجي الناجع مهمّ جدّا، خصوصا وأن هذه الفيروسات الفتّاكة مميتة وتكافح باللقاحات المعروفة منذ سنين طويلة.
ولكن في السنوات الأخيرة نصحت المنظّمة بالتفكير في أساليب مبتكرة، جاء منها إطلاق بكتيريا لوقف فقس بيض البعوض لمكافحة حمّى الضنك، وهو أهونها، ثمّ جاء الابتكار الأدهى وهو التدخل في الجينات بإطلاق بعوض معدل وراثيا وذكور عقيمة بتقنيات معالجة بالإشعاع كالأسلوب الكيميائي العلاجي الذي استخدمته الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمكافحة الآفات الحشرية في قطاع الزراعة. نعم إشعاع!! من إنتاج الوكالة الدولية للطاقة الذرّية التابعة للأمم المتحدة.... دهى الله الأمم المتحدة ومنظماتها بداهية أكبر مما دهتنا به في حياتنا الإنسانيّة حربا وسلما!
وللتدخل الجيني وإقناع العالم لا بد من حملة ضخمة فصرحت المنظمة بأن بعوض الزاعجة المصرية «خطر انتهازي شديد» لارتباطه بتزايد حالات صغر حجم رأس لدى المواليد المعروف بـ (الصعل) ومتلازمة (جيلان-باريه) العصبية وأمراض الحمّى الصفراء والضنك والتشيكونجونيا. وأضافت: «إنه إذا ثبتت هذه العلاقة فستكون العواقب الإنسانية والاجتماعية على أكثر من 30 دولة رصدت بها حالات زيكا مدمرة». انظروا إلى الجملة الشرطية والجواب الشرطي هنا هو في اللغة امتناع لامتناع... وليس امتناع لوجوب ولتسهيل الجملة لكم أي لم يحدث وإنما هو افتراض فـ (إذا ثبتت)... ستكون عواقبه.. إلخ؟؟؟؟ ولأنّه لم يثبت... لا بد من منهجيّة الدعاية الترويعيّة للبشر، حتّى يتمّ تعميم التطبيق على البعوض وهو حشرات طائرة لا يمكن احتواؤها في بيئة واحدة مغلقة أي قد تعمّ العالم كلّه بعد أن كانت محدودة في بيئاتها.
فجاءت التجارب تباعا، فكانت خطوة رئيسة في مشروع مكافحة الملاريا الممول من مؤسسة بيل وميليندا غيتس. وما أدراك ما مشروعه؟ خصوصا وأننا جرّبنا مشاريعه في جائحة كورونا وغيرها مما ألجمت الأفواه عنه. كما تولّت شركة أوكسيتيك الفرع البريطاني لأنتريسكون الأمريكية للبيولوجيا التخليقية إنتاج سلالة تم تحويرها وراثيا لتهلك ذكور «أيديس إيجبتاي» قبل وقت التكاثر.
ومنذ سنوات أعلنت الولايات المتحدة إطلاق أكثر من 2 مليار ذكر بعوض معدّل وراثياً في كاليفورنيا، وفي فلوريدا تم إطلاق 750 مليوناً منه بهدف تقليل اللادغ الناقل للأمراض.
في هذا الصدد أيضا، إذا ثبت النجاح فسيجري إطلاق البعوض المعدّل في قرى أفريقية منكوبة بالملاريا. أعان الله أفريقيا على ناشري الأمراض فيها منذ الأزل؟
الشركات المعنية بالمشروع تقول إنه لن تكون هناك مخاطر على الإنسان أو البيئة!! كيف وتجربة مدينة تيرني في إيطاليا تفنّد أقوالهم؟ فتم فيها إطلاق بعوض لنشر طفرة جينية قاتلة لأبناء جنسه ليس عشوائيا بل في مختبر مغلق عالي الأمان بُني خصيصا لتقييمها في أقرب بيئة طبيعية لضمان عدم انتشاره والمخاطرة بالبيئة.
منظّمة الصحّة أوصت بإجراء المزيد من التجارب الميدانية لهذه التقنية بعد تحقيق نتائج ناجحة. أين النتائج؟ وإذا سلّمنا أن معظم التجارب الغربية مدعومة حكوميا! فأي ثقة لدينا في الحكومات الغربية ومستثمري اللقاحات ومموليها وهي وهم شركاء في تلويث الكون لتحقيق الربحيّة؟
ولكي نحسن تحليل القضية بمنطقيّة يجب ألا نغفل أمرين:
الأول: الموقف الشعبي الغربي حيث اعترضت جماعات البيئة من التعديل الوراثي للبعوض وحذّرت من عواقب غير مقصودة يمكنها تدمير البيئة والإنسان، تلك الوقفة التي أدّت إلى تعطيل المشروع وأخذه سنوات من النقاش. الثاني: ما هو معروف سياسيّا حيث تأتي النواقل المُعدّلة وراثياً أسلحة بيولوجيّة عابرة للحدود، وفيروس كورونا لا يزال أحد اتهامات الحرب البيولوجيّة بين أمريكا والصين. هذا والغرب قد استخدم هذه الأسلحة في الحروب فنشر أوبئة كالطاعون والجدري والكوليرا والجمرة الخبيثة وهي موثقة تاريخيا. وما زالت الاتهامات قائمة على أمريكا من روسيا حول معاملها البيولوجية في أوكرانيا كآلية لنشر أمراض في دول بعينها وانتشارها في العالم.
الشعوب الغربية استنكرت سكوت الاتحاد الأوروبي على المستوى الرسمي عن معامل الأخيرة في أوكرانيا وصدح به النشطاء الغربيون، فهل نسكت نحن؟ ولنفكّر قليلا... أين وصل البعوض القارص؟ وما نوع المنتشر بيننا الآن وابتلينا به دون أن تؤثر فيه أكبر المبيدات ولا حتّى الأجهزة الفائقة التطور التي تمّ الترويج لها في قطر فاشتريناها بثمن باهظ ووضعناها في فناء منازلنا دون جدوى بل أثبتت فشلها.. فهل البعوض المنتشر المقاوم هو المعدّل وراثيا وجينيا؟
وكيف يدّعي المجرّبون أن التجارب على البعوض نجحت في تقليله ونحن نشهد ولأول مرّة في بلدنا انتشاره الكبير مع زيادة تداعياته على الصحّة بطفرة لم نشهدها في قطر من قبل والتي تجاوزت الحساسيّة إلى أعراض تستدعي لزوم المستشفى؟ فلم انتشرت طفرته وأمراضه التي لم تكن من قبل؟ وما ومن وراء هذا النشر وليس الانتشار في دول مدنيّة غنيّة ليست مائية أو زراعية؟
وما دور وزارة البيئة في قطر ومراكز البحوث البيئيّة؟ أين علماؤنا من هذه الظاهرة؟ وأين مراكز بحوثنا من البحوث المعمليّة البيئيّة والصحيّة على أنواع البعوض المنتشر طفرته، حجمه، لونه، مقاومته للمبيدات؟ والأعراض والأمراض الجديدة التي بدأ ينشرها؟
فهل شعوبهم واعون وباحثوهم مسخرون… وشعوبنا وباحثونا نائمون في العسل؟
التعليم في قطر والذكاء الاصطناعي في زمن ChatGPT
لا.. ChatGPT لا !! لا مرفوض … ممنوع! هذه ليست ردود أفعال مجتمع بين متعلم وغير متعلم أو... اقرأ المزيد
3159
| 11 سبتمبر 2024
درس الحروب.. احفظوا وثائقكم رقميا
تعطينا الحروب دروسا كل يوم، مع غمرة الألم نرى كيف يخرج الإنسان صامدا وغنيا في نفسه وإرادته ولكنه... اقرأ المزيد
1011
| 04 سبتمبر 2024
المقعد الأخير
ماذا يعني أن تكون في المقعد الأخير في المقهى أو المطعم؟ وماذا يعني أن تكون في المقعد الأول... اقرأ المزيد
1212
| 28 أغسطس 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إعلامية ومستشارة وأكاديمية - الإعلام الرقمي والسياسة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9405
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2226
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026