رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التقيتُ عقب كأس العالم 2022 بعدد كبيرٍ من الأصدقاء من دولٍ مختلفة ومن اتّجاهات فكريّة شتّى، وكلّهم يُجمعون على أنّ ما عاشوه أثناء المونديال هو نوع من الحلم، الذي لا يقبلُ التصديق لولا أنّهم كانوا متابعين لمجريات هذا الحدث التاريخي الذي نجحت في تنظيمه دولة قطر باقتدار وباعتراف عالمي. وبقدر ما كنتُ أُسَرُّ بهذا الانطباع العام الذي يترجمُ الدهشة المتواصلة والإعجاب اللامتناهي، فإنّني كنتُ أقلقُ من ربط هذا الحدث الواقعي بهالة ما هو خيالي من شدّة الرّوعة والرفعة التي سارت عليها تفاصيل المونديال، لأنّ هذه الصّورة التي ظلت في الأذهان ينبغي أن لا تستقرّ فقط في الجانبِ العجائبي من الذاكرة وإنّما ينبغي لها أن تستقرّ في العقل وأن يشملها التوثيق كي لا تتحوّل مع الزمن إلى حكاية حالمة أو أسطورةٍ تتناقلها الأجيال فحسب.
إنّ ما حدث في المونديال هو أمرٌ جليلٌ، فقد نحج البلد الصّغير العربي المسلم في كسب التحدي العالمي، وإنّنا ما نزال إلى اليوم مأخوذين بهذا الإعجاز، ورغم حلاوة التذكر واستعادة كلّ اللحظات والمشاهدات والمباريات والأحداث الرائعة عن الحوار الإنساني المتجاوز للرياضة إلى أبعاد قيميّة واسعة يسودها الاحترام وتبادل الثقافات، فإنّ ما نحتاجه اليوم، ولأجل استثمار كلّ تلك المكتسبات، هو توثيق كلّ مجريات كأس العالم بجوانبها الرياضيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، حتّى تكون "مدوّنة كأس العالم" منبعا للاعتبار للأجيال وتجربة وطنيّة وعربيّة وعالميّة يمكن الاستفادة منها في مستقبل العلاقات الدوليّة.
الأمم تفكّر في ذاكرتها
لا يُمكن للأمم أن تحفظ ذاكرتها دون أن تفكّر في تاريخها، ولا يصنع هذا التاريخ خارج عمليات التوثيق المختلفة، فمنذ القديم سارعت الحضارات إلى الاهتمام بتسجيل حياتها ووقائع مسيرتها في السّلم والحرب، في البناء والمحن. بل إنّ المجموعات البشريّة قبل بداية التاريخ فكّرت في توثيق حياتها، فلم يكن للإنسانيّة أن تعرف شيئا عن حياة الشّعوب البدائيّة لو لم ينتبه الإنسان البدائي إلى ضرورة توثيق ممارساته الدينية والاجتماعيّة، ماذا لو لم يرسم إنسان الكهوف تلك الرسوم الكهفيّة البديعة لمظاهر الحياة في مرحلة ما قبل التاريخ؟ إنّنا نرى في كهف لاسكو الواقع في محافظة دوردونيه الرسوم والنقوش الأقدم في العالم، رسوم في "قاعة الثيران الكبيرة" ونقوش للحيوانات وخريطة لـ "سماء الليل" تترجم اهتمام إنسان ما قبل التاريخ بعلم الفلك والكواكب والنّجوم، واستطاع المصريّون القدامى بعد اكتشافهم لورق البردي تبادل الوثائق فيما بينهم والأمم الأخرى، كما سمح اكتشاف الكتابة المسماريّة لدى السومريين من تدشين التاريخ وتيسير التوثيق، وبدأت الإنسانيّة تقطع مرحلة جديدة من حياتها عند الشّروع في التوثيق المكتوب بعد أن استغرقت زمنا طويلاً في التوثيق البصري من خلال الجداريات والرسوم في الكهوف والمعابد والقصور، ولم يكن ذلك التاريخ المكتوب في أوّل بدايات غير ترجمة لـ "الوثائق الشّفاهيّة"، فالناظر في تواريخ هيرودوت يجد أنّه استقى معلوماته ممّا جمعه من الألسن، فقد قضى حياته مسافرا عبر آسيا الصّغرى ومناطق الشّام وفلسطين ومصر وهو يلتقي بالناس فيجمع من أفواههم الأخبار والقصص وينظر في الأطلال والخرائب فيستقي من مشاهداته بعضا من الاستنتاجات، وفي روايته للوقائع التي حدثت قبله بقرون دليل على أنّه تلقّف الأخبار ممّا يتناقله الناس من معاصريه، فتداخلت الحقائق بالترهات فيما روى، واستطاع المؤرّخون الإغريق والرّومان من بعده أن يقلّصوا من سطوة المشافهة فيسجّلوا ما عاشوه من أحداث، من ذلك ما قام به المؤرّخ ثيوديد عند توثيقه لحرب البلوبونيز، فغطّى أحداثها على امتداد سبع وعشرين سنة، وكان يتنقل من قرية إلى أخرى لجمع المعلومات عن الحرب ومقارعتها حتّى يدقّقها في كتابته.
كان الأوروبيون على وعي بأهمية الوثيقة، وقد اشتقّت كلمة Document من الأصل اللاتيني Docere وتعني "يعلم"، وظلّت في معناها الضيق تفيد أوراق الدّولة الرسميّة من قوانين وتشريعات ومعاهدات مع الدّول ومعاملات فيما بين الدّوائر الرسميّة. ولئن دلّ المصطلح العربي على معنى إحكام الأمر وتثبيته، فإنّه يتماهى مع الاصطلاح الغربي في القولِ إنّ التوثيق هو تسجيلٌ للمعلومات والوقائع، ولا يُمكن لأمّة أن تُمرّر ثروتها الرمزية إلى الأجيال من غير استخدامه، فالتوثيق أداة التعامل في الحاضر وضمان التواصل في المستقبل، لذلك انتبه المؤرّخون الغربيّون إلى أهميته في العصور الوسطى، وبقدر ما اعتمدوا على الوثائق الشفاهيّة وما هو متواتر على الألسن، فإنّهم فكّروا في أداة أكثر تطورا توثّق كل ما يكتبون ويتبادلون من معلومات، فكان اختراع يوحنا غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر للميلاد حدثا مهما في تاريخ البشريّة لتساعد المطبعة في أعمال التوثيق.
ولم يكن الفكر اليوناني الروماني وحده هو الذي اهتدى إلى أهمية التوثيق، فمنذ القديم عرف العرب ذلك البحث عن توثيق معاشهم فغلب على الحياة العربيّة في فترة طويلة التوثيق الشفهي بفعل التناقل، فكان التعويل على الحفظ، وكان الشّعر قبل الإسلام يُحفظ عن طريق الرواة، فسجّل العرب أيّامهم في ديوان أشعارهم، وتناقلوا أخبارهم عبر المشافهة، فعرف العرب القصّاص وهم فئة اضطلعت برواية أخبار القبائل وغزواتها ومآثرها الاجتماعيّة ومعتقداتها، وإثر ظهور الإسلام ازدادت العناية بالتوثيق، ومن ذلك التوثيق الشفوي والكتابي للقرآن الكريم، فظهر "كتّاب الوحي"، وبعد تناقُص عدد حفّاظ القرآن الكريم بدت الحاجة ماسّة إلى عمليّة الجمع، فكان جمع القرآن الكريم في عهد عثمان رضي الله عنه لحظة مؤسسة لتدشين التّدوين، وظهرت علوم تتّصل بضبط التوثيق للسنة النبويّة، ومنها علم الرّجال، وعلم الأسانيد، وعلوم مصطلح الحديث، وكان عصر التدوين العربي إيذانَا بمرحلة جديدة في الثقافة العربيّة، فالتدوين بما هو توثيق ليس مجرّد تسجيل لحركة الفكر، إنّه انتقال إلى مرحلة جديدة في الإبداع العربي.
وزخر تراثنا العربي الإسلامي بمبادرات الكتّاب الذين أدركوا بحسّهم الفكري قيمة التوثيق، وكلّما عدتُ إلى كتاب "الفهرست" لابن النّديم، إلاّ وشعرتُ بذلك الوعي التوثيقي الذي لازم صاحبه، فابن النّديم وراق وتاجر كتب عاش في بغداد في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، لهُ فضل كبيرٌ على الثقافة العربيّة من خلال ما وثّقه في كتابه من الكنوز الأدبيّة التي لم يسلم أغلبها من تصاريف الدّهر، ولما تضمّنه من معلومات عن نشأة العلوم بتقديم تراجم علماء كلّ فنّ، فعُدّ الكتاب موسوعةً علميّة لا يمكن لأيّ باحث في التراث العربي تجاهله. وقد عمل الكتّاب العرب على توثيق نتائج أبحاثهم في شتّى العلوم، فازدهرت صناعة المخطوطات طيلة قرون، ولولاها لما استطاع الغرب أن يخرج من ظلمات قرونه الوسطى، إذ شكّلت المخطوطات العربيّة التي ترجمت إلى اللغات الغربيّة أساسا لنهضة علميّة وفكريّة واسعة النطاق في أوروبا. وفي تاريخنا العربي شواهد كثيرَةٌ على أثر الأعمال التوثيقيّة التي حرص المثقفون العرب القدامى على القيام بها خاصّة في فترات جزر الثقافة العربيّة ومحاولة طمس كنوزها وآثار رموزها، ونستذكر عمليات حرق كتب ابن رشد في زمن الخليفة المنصور في القرن الثاني عشر الميلادي، فلو لم يسع تلاميذه إلى نسخها قبل حرقها لما وصلنا شيء من علم ابن رشد ولما انتفع الغرب بأفكاره الفلسفيّة، فالوعي بالتوثيق أنقذ التراث العربي في أكثر من مناسبة من التلاشي وحفظ ذاكرة الحضارة العربيّة في أكثر من مجالٍ.
الوعي التوثيقي في ملحمة المونديال
لا شكّ أنّ التوثيق لا يقتصر على عمل المؤسسات، فهو يبدأ بعمل الأفراد وحرصهم على توثيق وتثبيت اللّحظات والفترات والوقائع التي يعيشونها في حياتهم الخاصّة أو يشهدونها في حياة مجتمعهم، ويتّخذ وسائل مختلفة منها المكتوب ومنها البصري، وقد ساعدت الوسائط الرقميّة في الإحاطة بكلّ ظواهر المعاش الإنساني، حتّى صار كلّ فرد يمتلك هاتفا خلويّا بمثابة موثّق. وقد رأينا كثيرًا من عمليّات التّوثيق الفرديّة التي دأب أصحابها على تسجيل الأحداث في فترة كأس العالم قطر2022، وهو أمر مفيدٌ ولكنّه يحتاج إلى مجهودات المؤسسات ليكون التوثيق أشمل وأبقى.
وما لفت انتباهي وسررت به تلك الخطوات الذّكيّة التي قامت بها بعض المؤسسات القطريّة في سياق الإعداد لمونديال قطر بهدف توثيق هذا الحدث الجليل، فكما هو متعارفٌ عليه فإنّ الوثائق المعاصرة ليست مجرّد مادة مكتوبة، فمثلما كان التوثيق في العصور السابقة متعدّد الوسائط، فإنّ مجتمعنا الحديث عرف أيضا قيمة أنواع من التوثيق سريعة التداول بين الناس ومنها العملات والطّوابع البريديّة. لذلك قام المصرف المركزي القطري بالتنسيق مع اللجنة العليا للمشاريع والإرث والاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" بإصدار العملات التذكاريّة بمناسبة استضافة قطر لكأس العالم2022، ومنها ورقة نقديّة تذكاريّة مضمونة القيمة، تمّ فيها استخدام مادّة "البوليمر" لحفظها لمئات السنين، وأصدر المصرف أيضا عملات معدنيّة تتضمّن صور أهم ملاعب بطولة كأس العالم، ومنها ملعب البيت، وملعب لوسيل، وملعب الثمامة وملعب خليفة الدّولي، وساهمت هذه العملات التذكاريّة في توثيق وتخليد الحدث التاريخي لا في قطر فحسب وإنما في الوطن العربي. إنّ ما توفّره هذه العملات من مادة تاريخيّة للأجيال القادمة لأمر في غاية الأهمية، فقد مثّلت العملات منذ القديم مادّة تاريخيّة قيّمة في المشرق والمغرب، فلو لم تكن العملة اليونانيّة لما كنّا نعرف الكثير عن تاريخ الكيانات السياسيّة في ذلك العصر، وقس على ذلك على بدايات سكّ العملة في التاريخ الإسلامي، فقد عكست تلاقح المسلمين بثقافات غيرهم من الأمم، فيُذكر أنّ أوّل نقد إسلامي ضُرب في عهد الخليفة عمر بن الخطاب سنة 18 هـ، وإن تمّ أخذ نقش الكسرويّة عن الدراهم فإنّ المسلمين زادوا عليها كلمات "الحمد للّه" وفي بعضها "محمّد رسول اللّه" وفي بعضها "لا إله إلاّ اللّه"، وإن كانت المسكوكات من ضرب الأعاجم قبل المسلمين، فقد استفاد المسلمون منهم، ووثّقوا بدايات حضارتهم على تلك العملات واستمرّ ضرب المسكوكات في عصور متقدّمة من التاريخ الإسلامي، لتصبح المسكوكات من المصادر الوثائقيّة التاريخيّة الموثوقة، لما تتضمّنه من معلومات وأحداث توثّق المراحل السّياسية والمنعرجات الاقتصاديّة وتعكس المهارة الفنّية لدى المجتمعات. ولا محالة فإنّ ما تعكسه المسكوكات متشبّع بالتاريخ الرسمي للمجتمعات، ولكنّ ما يتضمّنه من معلومات لا غنى عنه لبناء فهم واضح لمنعطفات التاريخ الإسلامي، وقد عُدْتُ أكثر من مرّة للاطلاع على كتابٍ قيّم عني بهذا الموضوع ويعود إلى الأب "إنستاس الكرملي" وعنوانه "النقود العربيّة وعلم النميات"، حيثُ يتعرّض فيه إلى ما دوّنه الأدباء والمؤرّخون العرب المسلمون عن النقود، إلاّ أنّي كنتُ أبحثُ دائما عن تعميق تلك البحوث بدراسة الجوانب الحضاريّة للنقود أكثر من الاكتفاء بالعرض ووضع فهارس تشمل مسميات النقود ومصطلحاتها.
استطاعت النقود أن تكون وسيلة لتيسير المعاملات الاقتصاديّة، وأن تحمل رموز السيادة في كلّ حقب التاريخ وأن تعلن عن تدشين عصر ونهاية عصر آخر، وأفول حضارة وصعود أخرى، وهذا يدلّ على أنّ المسكوكات من الوثائق التي لا يستغني باحث في التاريخ عن دراستها، وإذا ما سارع المصرف المركزي بدولة قطر إلى تخصيص عملات لحدث المونديال فلمعرفته العميقة بالخدمة الجليلة التي يقدّمها للباحثين في المستقبل، وبقدر ما يبتهج الناس بالحصول على هذه العملات التذكاريّة فيجمعها الأفراد كما المؤسسات فإنّ الوعي التوثيقيّ بقيمة تسجيل الحدث على العملات يجعلنا نخلّدُ الإنجازات البطوليّة لجيل المونديال.
ولم يتوقّف هذا الوعي التوثيقي لدى المؤسسات القطريّة عند هذا الحدّ بل انتشر في العديد منها، ولعلّ ما أقدم عليه بريد قطر، يعدّ نموذجا آخر من ترجمة هذا الوعي، فقد تمّ في سياق بطولة كأس العالم 2022 تدشين إصدارات لطوابع بريديّة، ومنها طابع سلّط الضّوء على إرث دولة قطر في مجال رياضة كرة القدم، وإطلاق طابع البريد الرسمي للبطولة الذي جاء في شكل خارطة لدولة قطر ويحمل الشعار الرسمي للبطولة، إضافة إلى طوابع تعرّف بملاعب كأس العالم، ومجموعة طوابع التعويذة الرسميّة لكأس العالم، ولم يسعد بهذه الإصدارات هواة جمع الطوابع البريديّة فحسب بل سُرّ بها كلّ باحث يُدرك أهمية التوثيق لمثل هذه الأحداث الكبرى، فكلّما تمّ تداول هذه الطوابع انتشرت في أنحاء العالم "الوثيقة" المعبّرة عن استمرار خلود الحدث رغم انقضائه، ولذلك تكون مزية هذا النوع من التوثيق اتّساع المدى الزمني للحفر في الذاكرة الإنسانيّة مما يُجنّبه المحو على مرّ الأزمان.
من مكتبة الإسكندرية إلى مكتبة قطر الوطنية
-الأمير الوالد كان يتطلع إلى مكتبة وطنية تليق بقطر وتحفظ التراث وتنفتح على المعرفة المعاصرة - الشيخة موزا... اقرأ المزيد
618
| 11 أكتوبر 2026
اللغة العربية والعالم الرقمي.. هل ينصف العرب لغتهم؟
- إذا كانت التقنية الحديثة قد أثبتت قدرة العربية على التفاعل فلماذا حضورها الرقمي أقل بكثير من مكانتها... اقرأ المزيد
489
| 04 أكتوبر 2026
لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء
-سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطريةفي معادلة تجمع القدرة بالحكمة - أهمية الخليج للاقتصاد العالمي لا تكفي لحمايته... اقرأ المزيد
822
| 27 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8766
| 27 أكتوبر 2026
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
3897
| 03 نوفمبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3816
| 30 أكتوبر 2026