رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أحمد المحمدي

مساحة إعلانية

مقالات

612

د. أحمد المحمدي

هندسة السكينة

23 نوفمبر 2025 , 02:17ص

حين ينضج الوعي؛ يخفت الجدل، لا لأنه يفقد قيمته، بل لأن النفس تتجاوز تلك المرحلة التي كانت ترى في كل اعتراض تحدياً يجب الانتصار عليه، وفي كل اختلاف تهديداً ينبغي دفعه. 

ومع الزمن يبدأ الإنسان يلاحظ أن كثيراً من النقاشات التي كان يخوضها في بدايات عمره لم تكن بحثاً عن الحقيقة بقدر ما كانت محاولة لإثبات الذات، أو ردّ فعل نابع من نقص في الفهم أو التجربة.

ومع تراكم الخبرة واتساع أفق النظر، يتبدّل إدراكه لطبيعة الحوار؛ فيعي أن الكلام ليس دائماً طريقاً إلى الفهم، وأن بعض المساحات في الحياة لا يفتح أبوابها إلا الصمت. 

يدرك أن الجدل حين يخلو من الإنصاف يتحوّل إلى حلقةٍ مفرغة، مهما بدا لامعاً وظاهره قوياً، وكلما ازداد تبصّره قلّ تعلّقه بالرغبة في التفوق اللفظي، لأن العقل حين يستقيم لا يطلب إثبات نفسه بالصوت، بل بالفعل والرؤية والسكينة.

وهنا يظهر أثر النضج في أول تجلٍّ من تجليات العلاقة مع الناس: فلم تعد الآراء المخالفة تستفزّه كما كانت، ولم يعد يرى في كل اختلاف سبباً لنقاش طويل. 

سيدرك أن فهم الآخرين له حدود، وأن محاولات شرح كل موقف وإقناع كل عقل هي استنزاف يفتت الجهد دون جدوى، فيصبح أكثر انتقاءً للمساحات التي يستثمر فيها طاقته الذهنية والعاطفية، وأكثر بصيرة بما يستحق جهداً وما يجدر أن يترك في مكانه دون مقاومة.

وسيتسع هذا الوعي ليشمل قيمة الوقت ومعنى العمر؛ فيفهم أن الساعات التي يضيّعها الإنسان دفاعاً عن فكرة لا تستحق، أو رداً على استفزاز عابر، هي اقتطاع من أيامه التي لن تُعاد، وأن النزاعات الصغيرة ليست إلا ثقوباً تنفذ منها طمأنينة القلب واستقراره؛ فيبدأ يحرص على أن يبقى مزاجه الداخلي في مأمن من العبث، وأن تبقى روحه بعيدة عن التشويش الذي تسببه المعارك الكلامية اليومية.

ولا يعود يقف عند كل اعتراض، لأن الاعتراضات لا تنتهي. 

ولا يرد على كل استفزاز، لأن الاستفزاز جزء من طبائع البشر. 

ولا يسمح لصغائر الأمور أن تحجب عنه صفاءه. 

فيبدأ في ممارسة التغافل، لا بوصفه تنازلاً أو ضعفاً، بل باعتباره حكمة تختار المعارك التي تستحق، وتترك ما سواها يمضي دون أثر.

ويبلغ هذا النضج قمته حين يتعامل الإنسان مع الصمت كقيمة عليا، يعرف أن الصمت أبلغ من القول حين يكون القول تشويشاً، وأن الإعراض عن اللغو رفعة للنفس لا يقدرها إلا من عرف ثمن سكينته.

سيكتشف أن الدخول في كل نقاش ينقصه ولا يزيده، وأن كثرة الردود لا تمنح الإنسان قوة بقدر ما تعكس اضطراباً داخلياً لم يُهذّب بعد.

إن السلام الداخلي الذي يناله المرء حين يشتد وعيه ليس شيئاً يستطيع الجدل منحه، ولا يقدر الانتصار اللفظي على توفيره، إنه ثمار تراكم طويل من الفهم والصبر والتجربة، تتشكل مع الأيام حتى يصبح الإنسان أكثر خفة في تعامله مع العالم، وأكثر صفاءً في رؤيته لنفسه.

وهكذا يمضي صاحب الوعي في دربه، لا يحمل أثقال الخصومات، ولا يضيع أنفاسه في ملاحقة أصوات الناس، بل يحفظ صوته الداخلي من أن يبهت في ضجيج النقاشات.

مساحة إعلانية