رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المتابع لحكومة يوسف الشاهد التي استلمت مهامها منذ شهر تقريبا، يلمس بوضوح أنها لم تأت بشيء جديد قادر أن يواجه بها التحديات القائمة في تونس، منذ أكثر من خمس سنوات، ولعل أهم تحدّ هو الاقتصاد الهش بوصفه اقتصادًا طفيليًا يؤدي بالضرورة إلى حراك اجتماعي عشوائي وفوضوي، ويجعل من قيم الكسب السريع والسهل والأمانية، والفساد المالي والإداري قيمًا عليا للمجتمع. وتؤكد الأرقام التالية مدى هشاشة هذا الاقتصاد الطفيلي السائد الآن في تونس، فالبطالة لا تزال تتراوح نسبتها بين 17.2% في سنة 2013 و15.6 % مع منتصف سنة 2016، حيث يصل عدد العاطلين من حملة الشهادات الجامعية إلى أكثر من 250000عاطل عن العمل.. أما عجز الميزان التجاري فقد بلغ مستوىً قياسيًا خلال سنة 2016، مما جعل نسبة النموّ لا تتجاوز معدّل 1.5٪، وذلك لتزايد نفقات الدولة، وتراجع مداخيلها، ما نتج عنه وقوعها في شرك الاقتراض المكثّف وارتهانها للمؤسسات الدولية المانحة، حتّى بلغت ديون البلاد سنة 2016 ما يقدّر بـ56 مليار دينار (حوالي 23 مليار دولار)، ما يعادل 62٪ من الناتج المحلّي الخام.
فإذا أرادت حكومة يوسف الشاهد أن تواجه هذا التحدّي، فعليها أن تسارع إلى إعادة بناء الاقتصاد الوطني التونسي وفق إستراتيجية منتجة، وهذا يقتضي منها أن تبلور منوالا جديدا للتنمية المستقلة والمستدامة. وهناك فارق كبير بين اعتبار الأزمة تكمن في غياب منوال تنمية جديد، وبين اعتبارها أنها مجرد تحقيق معدل أعلى من النمو الاقتصادي. وفي هذا الإطار، كانت نظرة الدول الصناعية المتقدمة، تتمركز حول منح الدول المتخلفة مساعدات تنموية وقروض، تساعدها على الانتقال إلى مرحلة نمو أعلى، ما أعطى الدول المتخلفة، ومنها تونس، المبرر للتوسع في الاقتراض بحجة تحقيق نسب أعلى من النمو مما يسهل عليها فيما بعد تسديد الديون.
وفي بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، بدأت تتبلور التوجهات الليبرالية الاقتصادية الجديدة في تونس، حين اتجهت تونس نحو تطبيق برنامج للإصلاح والتكيف الهيكلي لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، الذي جوهره الليبرالية الاقتصادية الجديدة، المقدم إلى البلدان النامية، ومنها تونس، حيث يلقي هذا البرنامج اللوم على السياسة الحكومية التدخلية في معرض تحليله للأزمة الاقتصادية ويرتكز على أن هذه السياسة عديمة الجدوى، وقدم البديل على أن اقتصاد حرية السوق، وإطلاق المبادرات الفردية وإعلاء شأن المنافسة، وإزالة القيود أمام المبادلات التجارية. وتمثلت أشد تيارات الليبرالية تطرفًا، تحت شعار الحرية الاقتصادية، بالعمل في اتجاهين:
الأول: تحجيم دور الدولة وتقليص تدخلها في النشاط الاقتصادي والاجتماعي وتخفيض الإنفاق العام. وتجميد الأجور وإلغاء الدعم التمويني وإلى غير ذلك.
والثاني: المناداة بإعادة توزيع الدخل والثروة لصالح أصحاب رؤوس الأموال، بتخفيض الضرائب على الدخول والثروات الكبيرة، وبيع مؤسسات القطاع العام. أي الخوصصة.
وقد أثبتت الأحداث والتجارب التي شهدها القرن العشرون، أن خيار التنمية في إطار حرية السوق الذي تحكمه قوانين وآليات السوق الحرة، وتعتبر الليبرالية الاقتصادية الجديدة جوهره، أن هذا الخيار قد فشل في تحقيق التنمية المرجوة في بلدان العالم الثالث. وحتى في الدول الصناعية الرأسمالية المتقدمة، التي وقعت في قبضة (الركود التضخمي) بعد فترة الازدهار التي عاشتها في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ووجد أن الحل في الخروج من أزمة الركود التضخمي هو في التحول نحو سياسات الليبرالية الاقتصادية الجديدة، والإقلاع عن نهج سياسة التدخل الحكومي، حتى في هذه الدول اتضح عدم إمكانية التخلي عن دور الدولة الاجتماعي. ووجدت أن الاعتماد على قوى السوق وآلياته سوف لن يقود إلا إلى الاحتكار.
إن التنمية بمفهومها الشمولي الديناميكي، لا يمكن أن يحققها اقتصاد حرية السوق، كما أنه في مواجهة مشكلات مثل البطالة والفقر، لا يمكن الركون إلى آليات السوق الحر وقوانينه التلقائية، لا يقدران على سد الفجوات الكبيرة والمزمنة بين العرض والطلب، أي أنهما لا يستطيعان تحقيق التنمية.
ففي الوقت الذي يحتاج أمر معالجة البطالة والفقر على تدخل أكبر من قبل الدولة، فإن اقتصاد حرية السوق يدعو إلى حكومة الحد الأدنى. وانطلاقًا من هذا العرض، فإن التنمية، إنما هي عملية تحرر إنساني تشمل تحرير الفرد من الفقر والجهل والقهر والاستغلال، كما تشمل تحرير المجتمع من ذل الاعتماد على الخارج، وتخليصه من قيود التبعية بما تحمله من استغلال وتقييد للحرية والإرادة الوطنية ومن هشاشة أمام الصدمات الخارجية. وبما أن البشر هم هدف التنمية ووسيلتها، فلا بد أن تهتم الدولة بإشباع الحاجات الإنسانية للسكان وإشراكهم في اتخاذ القرارات المؤثرة في حياتهم وحياة الأجيال المقبلة، من خلال الحفاظ على البيئة واحترام توازناتها وتطوير قاعدة الموارد الطبيعية وبذلك تكون التنمية مستمرة ومتواصلة وتتوافر للمجتمع بذلك فرصة إعادة البناء والتجدد الذاتي. إن أهداف التنمية على هذا النحو تتطلب إجراء تغييرات جوهرية في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع. وهذه التغيرات، من الواضح أنها لن تتحقق بفعل آلياته وقوى السوق التلقائية، فهي لن تكون إلا نتاج فعل إرادي وتخطيط محكم وإدارة اقتصادية قوية ونزيهة وكفؤة تخضع للمساءلة والمحاسبة ومشاركة شعبية فاعلة، ونظام ديمقراطي شفاف.
غير إن اندماج الاقتصاد التونسي في نطاق العولمة الليبرالية، والذي كان يقوم على بيع مؤسسات القطاع العام للقطاع الخاص، كانت نتائجه كارثية، إذ عرفت تونس، استقطابًا طبقيًا، لم تعرفه في تاريخها، بعد التجريف الشديد الذي تعرّضت له الطبقة الوسطى، مما جعل نحو 31% من التونسيين يرزحون تحت خطّ الفقر، وبعدما برزت التناقضات الاجتماعية الصارخة بين الطبقة البرجوازية الطفيلية، ومافيات الفساد من جهة، والطبقات الشعبية الفقيرة من جهة أخرى. فهذه التناقضات تعبر عن الوجه القبيح للنيوليبرالية المتوحّشة، وهي تمثّل النسخة العصرية المتطرّفة للطبقة الرأسمالية الطفيلية الفاسدة، التي جاءت حكومة الشاهد لحماية مصالحها.
الاستيطان نقيضٌ لحل الدولتين
أكد التصويت الأمريكي على قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي يدين الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة، تماهي مواقف... اقرأ المزيد
928
| 30 ديسمبر 2016
الاختراق الصهيوني الكبير لتونس
شكلت جريمة اغتيال الشهيد محمد الزواري الذي كان ينتمي إلى حركة النهضة الإسلامية ،وأصبح ينشط لاحقًا مع حركة... اقرأ المزيد
1879
| 23 ديسمبر 2016
هل يكرّس قانون المالية مبدأ العدالة الجبائية؟
لاحديث هذه الأيام في تونس سوى عن قانون المالية لسنة 2017،الذي أثار جدلاً في الشارع التونسي،وانتقل إلى سجال... اقرأ المزيد
1095
| 16 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11640
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8676
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026