رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أكثر من عشرة أيام عجاف تمر ببطء شديد، وبمرارة علقمية قاسية على أهل غزة.. أكثر من عشرة أيام بلياليها وغزة تُمطر وتقصف بوابل من القنابل والرصاص والصواريخ النارية الملتهبة.. فغزة وأهلها يعنون من هجمة عسكرية بربرية همجية شرسة، وقصف وحشي من البر والبحر والجو.. أنها لحرب شاملة ظالمة بكل المقاييس تُشن على أهل غزة من قبل الصهاينة الظالمين المعتدين المعروفين بطمعهم وحقدهم وكراهيتهم للشعوب الأخرى، وعلى رأسهم الشعوب العربية بكل أطيافها وفئاتها وأجناسها، والشعوب المسلمة بكل أعراقها وجنسياتها. فالحرب هذه غير شرعية، وغير منطقية، وغير قانونية، فضلا على أنها غير متكافئة، وغير متوازنة القوى بين طرفي المعادلة على الإطلاق. ولذا، فتفتقر الحرب إلى الحجة والذريعة والبرهان المبرر، فسببها مجهول، وسندها القانوني غير موجود، وحجتها واهية مبنية على أكاذيب مضللة، فاحتجت باختطاف حماس لثلاثة مراهقين مستوطنين وقتلهم ورمي جثثهم لعل السلطات الإسرائيلية تجدهم فيما بعد، ولكن حماس بريئة من هذه التهمة حيث إنها لم تعلن مسؤوليتها عن العملية على الإطلاق، ولم تعلن أية جهة فلسطينية أخرى مسؤوليتها أيضا، فمن أين أتت الحجة الإسرائيلية، وعلى أي أساس تتهم حماس أو أية جهة فلسطينية بهذه الجريمة؟ ولماذا لم تكن إسرائيل وراء هذه العملية المزيفة أصلا؟ إنها الخديعة الإسرائيلية، والحجة الواهية، والذريعة المصطنعة لشن هجومها العسكري على غزة. إنه لمكر مكرتموه، والله أشد مكرا وأشد تثبيتا، فالصهاينة ماكرون، ومعروفون بالمكر والخداع، فإنهم يمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.
ولكن لا خوف على غزة، ولا قلق ولا استسلام لحماس.. فهذه غزة المعتادة على الصبر والسلوان، فهي غزة التي صبرت وصمدت في حروب سابقة، وأفشلت وستُفشل مخططات العدو في النيل منها، ومنعته وستمنعه من تحقيق أهدافه العسكرية.. فهي غزة المقاومة المتصدية المتحدية الصامدة بكل فصائلها الوطنية، حماس، والجهاد الإسلامي، والقسام، وغيرها وغيرها. ولذا، فلا شك أنها غزة العملاقة رمز العزة والكرامة.. ورمز الشموخ والصمود.. ورمز التحدي والتصدي.. فهي غزة القوة والمقاومة.. وغزة العصية المستعصية، فهي كانت مستعصية على الأعداء الصهاينة على مدى ثلاثة حروب ظالمة فُرضت عليها من قبل جنرالات الدولة العبرية الصهيونية الظالمة، وستكون مستعصية في هذه الحرب أيضا، فهي منصورة أن شاء الله.
والغريب المستهجن في الأمر هو أن الحرب هذه لم تكن في الخفاء، ولم تكن سرية، ولم تحدث في ستينات القرن الماضي حيث الإعلام الرسمي الموجه وفقا لسياسات وتوجهات وأجندات رسمية، بل هي حرب معلنة، وأمام وسائل الإعلام العالمية الرسمية وغير الرسمية من صحف ومجلات وإذاعات وتلفزيونات، ووسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي حيث النقل المباشر والمشاهدات الفردية والجماعية والجماهيرية الفورية، المتخطية لحاجز الزمان والمكان حيث الصوت والصورة والحركة والواقعية، وغيرها من وسائل الإعلام والاتصال المرئية والمسموعة والمقروءة، ومع ذلك إنها تُشن في ظل صمت عالمي مشين، وسبات إسلامي عميق، وتخاذل عربي مهين، ودعم رسمي غربي أمريكي معيب وفاضح، فأين شرفاء العالم الحر، وأين مبادئ أمريكا الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان؟ أم أنها مجرد شعارات تطبق في حين وتصادر في حين أخر، فهذه المبادئ في الواقع لا تتعدى الحدود الأمريكية أو الأوروبية على أقل تقدير، فالعربي والفلسطيني والحمساوي على وجه الخصوص ليس له حقوق، وليس من حقه أن يقاوم الاحتلال الإسرائيلي، وليس من حقه الدفاع عن نفسه عند مهاجمته وقتل أطفاله ونسائه، فدفاع الفلسطيني عن نفسه إرهاب، وإرهاب الإسرائيلي دفاع عن النفس، فالأمريكي على مستوى الرئيس يردد هذه العبارة مرارا وتكرارا وفي أي مناسبة وأي احتفالية رسمية وغير رسمية. فالإسرائيلي منصور أمريكيا وأوروبيا.. فهل الفلسطيني والحمساوي بشكل خاص منصور عربيا؟ فأين النصرة العربية الإسلامية لأهل غزة، وأين الأخوة في العروبة والإسلام، وأين المروءة العربية، وأين النخوة الشهامة العربية؟ ولماذا تحاصر وتعاقب غزة من أهلها وذويها وبنى جلدتها وجيرانها؟ ولماذا يفرح بعض العرب المسلمين بهذه الحرب وبهذه الهجمة الهمجية الشرسة؟ ولماذا يقف بعض العرب في خندق واحد مع العدو الصهيوني؟ ولماذا نضحي بثيراننا البيضاء، ومن ثم السوداء من أجل البقاء المؤقت القصير الأجل، لينفرد بنا ملك الغابة "العدو الصهيوني وأعوانه الأمريكان والأوروبيون الحاقدون" فيما بعد، فحينها لن يكون لنا نصير ولا عضيد ولا رفيق ولا صديق، ولا داعم، مما يدفعنا للندم يوم لا ينفع الندم، ونقول حينها أنما أكلنا يوم أكل أخونا الثور الأبيض الذي سبق أن قدمناه هدية لملك الغابة على طبق من ذهب.
وكلمة أخيرة.. فغزة غزة يا عرب ويا مسلمون، إنها تناديكم، فتقدموا لنصرتها، وانصروا الله، ينصركم على أعدائكم، ويثبت أقدامكم، ويهزم عدوكم، ولا تخشوا في الله لومة لائم، ولا تخشوا أمريكا وحلفاؤها، فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين. ويا أهل غزة اصبروا وصابرا، فالله ناصركم ومؤيدكم بجنود من عنده، فإنه ولي المجاهدين والمقاومين والصامدين، ولا تهتموا بإسرائيل وقوتها وداعمها الأمريكي الذي لا حول له ولا قوة أمام الاستعطاف الإسرائيلي تارة، والتجبر والتعنت والهيمنة الإسرائيلية تارة أخرى، فمناصرة أمريكا لإسرائيل، وما تقترفه من ظلم عليكم، متروك لله تعالى، فهو كفيل بها، وقادر على معاقبتها وهزيمتها وإضعافها وإهلاكها متى ما أراد، وذلك لظلمها الواضح الفاضح المشين البعيد عما تنادي به من مبادئ وقيم إنسانية مزيفة لا تتعدى حدودها، لقوله تعالي: وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا(الكهف،59). وقوله أيضا: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ(الأنبياء،11). فالله الله على إسرائيل وعلى أمريكا، والنصر لكم يا أهل غزة إن شاء الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3117
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1185
| 28 سبتمبر 2026