رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قلت لسائق السيارة التي استأجرناها في جزيرة "لُـمبوك" بإندونيسيا، ونحن في هزيع الليل الأوسط: ما بال أصوات المساجد تهدر في هذه الساعة بالأدعية والقرآن، ونحن صلينا العشاء من زمن؟ أجابني بأنها ليلة النصف من شعبان، والقوم هنا يحيونها بالذكر والقرآن في المساجد. وبادرني بالسؤال إن كنت أريد حضور هذا الذكر الإيماني، ازدردت ريقي وأجبته إجابة عامة، ولم أرد أن أفصح له؛ أن تخصيص هذه الليلة بالذكر بدعة عندنا، فمجرد مواظبة جماعته على الصلاة أفضل عندي من أن يتنصّروا أو يتصفونوا.
كانت لمقالتي "إندونيسيا..حوثيون جدد" الأسبوع الماضي؛ تفاعلات كبيرة والحمد لله، خمنت أن السبب الرئيس فيها؛ الشعور العام بتداعي الغرب والعالم على أهل السنّة، وكفّ أيديهم في مسائل الدعوة والإغاثة والعمل الإسلامي بعمومه، ومحاسبتهم على كل ريال ينفق في مساعدة إخوانهم، وانحياز الأمريكي -والغرب معه- للعدو التاريخي الفارسي، الذي امتطى المذهب الشيعي لينفّس عن شعوبيته الحاقدة، وقد مكنه الغربي في بلاد العراق والشام، وأطلق يده بلا حسيب ولا رقيب في كل ما يريد فعله لترويج صفويته العفنة بالعالم كله.
ما زلت أؤكد أن مواجهة هذه الصفوية التي تجتاح العالم الإسلامي، بتكتيك وخطط ممنهجة، ترعاها السفارات الإيرانية، وتقدم الملايين تلو الملايين لزرع الصفوية في آسيا وإفريقيا؛ هي ضرورة سياسية، عينية الفرض وليست خيارا، وأن مواجهتها اليوم، ولمّا تتفتق تلكم الخلايا الصفوية -التي زرعت خلال السنوات العشر الماضيات- من شرنقاتها الفاسدة؛ أسهل بكثير جدا من مواجتهها وقتذاك، ومن العقل وبُعد النظر، أن نُسلكها ضمن معركة عاصفة الحزم التي فككنا ونفكّ بها اليوم الطوق الإيراني عن الخليج والسعودية.
تذكرت وأنا في هذه الجزيرة التي اطمأنت نفسي فيها، وشعرت بكثير ارتياح وأنا أطالع المآذن تهتز بالأذان في أوقات خمس، وأرى الفتيات الإندونيسيات -في غالبهن- يرتدين الحجاب، وأنّى تلفت أجد الطابع الإسلامي يغشى الجزيرة؛ استراتيجية للعمل الإسلامي أمر بها مليكنا الحبيب عبدالله بن عبدالعزيز يرحمه الله، وشارك كاتب السطور في بعض جلساتها وورش عملها، حيث صدر أمر سامٍ في العام 1428هـ يتضمن تشكيل فريق عمل من المتخصصين والأكاديميين في المجالات الشرعية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والقانونية والإدارية والمالية والأمنية لوضع استراتيجية للعمل الإسلامي للسعودية في الخارج، وتمت صياغة الخطة التنفيذية من خلال لقاءات واجتماعات عصف ذهني وورش عمل وحلقات نقاش عقدت في كل من مكة المكرمة والرياض والطائف على مدى ستة أشهر من العام 1430 هـ، وتوزعت على تسعة مسارات، هي: مسار الدعوة، ومسار التأهيل والتدريب، ومسار الإغاثة، ومسار تأهيل القيادات، ومسار التخطيط والتطوير، ومسار الأمن الفكري للشباب السعودي، ومسار الإعلام، ومسار السياسة، ومسار الشراكات.
إن لم تخني الذاكرة فإن الاستراتيجية كانت بإشراف د. عبد العزيز العمار وكيل وزيرة الشؤون الإسلامية، وأدارها الصديق أ.د. عصام فيلالي، وشارك فيها العشرات من المتخصصين أبرزهم معالي الشيخ سعد الشثري، ومعالي وزير الشؤون الاجتماعية السابق يوسف العثيمين، ود.جميل مرداد السفير في وزارة الخارجية، ود. عبد الله اليحيى وكيل وزارة العدل، ود. عبدالرحمن المخضوب وكيل وزارة الداخلية المساعد، وممثلون عن الاستخبارات السعودية، وثلة كريمة من المتخصصين؛ بلوروا خطة متكاملة للعمل الإسلامي في الخارج.
كم أتمنى على المحمدين، محمد بن نايف ومحمد بن سلمان، وهما عضدا مليكنا الحازم سلمان بن عبدالعزيز، ومن يقودا المسيرة المضيئة للمملكة اليوم؛ أن يطّلعا على هذه الاستراتيجية، ويُعيدا صياغتها بما استجد اليوم، وليُطلقا العمل الإسلامي للمملكة التي تشرئب أعناق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن تتألق أخرى، وتزيح هذا الصفوي الانتهازي، الذي تسلل خلسة وملأ مكاننا في دول العالم الإسلامي، مستغلا ما كبلنا به الغربي، وضيّق علينا مساحات الدعوة والعمل.
أهل هذه الجزيرة المحافظة على إسلامها "لُـمبوك"، عندما يستمعون لحديثي وصديقي بـاللهجة السعودية، يقبلون مستبشرين باسمين، والنساء يلقين السلام باللغة العربية، ومجموعة منهن عملن لدينا، ورغم كل ما قيل عن العمالة المنزلية الإندونيسية، إلا أنها أفضل عمالة صمدت وتلاءمت مع البيئة السعودية ومزاج نسائنا الصعب. أذكر هذا لكي نعرف مكانتنا -كشعب ودولة- في قلوب المسلمين السنة، ويقينا أن ما نلقاه هنا في إندونيسيا الحبيبة؛ يتكرر في كل دول العالم الإسلامي، لأننا ننتمي للأرض التي تحتضن الحرمين الشريفين، وللدولة التي هي أسّ ورأس العالم الإسلامي، وهذه -لعمرو الله- من القوى الناعمة التي نتوافر عليها كدولة، ويجب علينا استثمارها في هذه المعركة مع الإيرانيين.
جزيرة "لُـمبوك" الساحرة التي أكتب هذه السطور منها، هي إحدى جزر الأرخبيل الإندونيسي الذي يقدر جزره بحوالي 17560 جزيرة، وهي تتباهى بأنها جزيرة الألف مسجد، لترد على جارتها جزيرة "بالي" الشهيرة، التي كانت تتباهى بأنها جزيرة الألف معبد بوذي، وأتمنى على كل الدعاة الذين يأتونها مراعاة خصوصية هذه الديار، وعدم الانشغال بالجزئيات المختلف عليها، فالإعلام العالمي لم يقصر تجاهنا، وشيطن "السلفية" للأسف الشديد، وأكملتها "داعش" المتطرفة، التي تنتسب زورا وبهتانا للسلفية، وباتت صورتنا للأسف مرادفة للتشدد والإرهاب.
أطلقوا العمل الإسلامي الدعوي، لإيقاف هذا الصفوي المتسرطن في دول العالم الإسلامي، أطلقوه اليوم قبل أن نندم، ولات ساعة مندم.
سنّة العراق.. أيدي سبأ
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); "ما وصل إليه سنة العراق اليوم من هوان وذل وانقسام وضعة، وهم الذين... اقرأ المزيد
1192
| 02 يناير 2017
رتق ما انفتق في صفوف أهل السنة
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); آمنت بعد أحداث عديدة حضرتها وعشتها؛ أن السياسي والعالم الشرعي لديهما من الحكمة... اقرأ المزيد
1539
| 19 ديسمبر 2016
"هرمز" و"الحشد"..في صميم جولة سلمان
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); "إن المملكة العربية السعودية هي العمود الأساسي والمظلة الحقيقية لدول مجلس التعاون الخليجي... اقرأ المزيد
728
| 12 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11685
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8679
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3723
| 22 أكتوبر 2026