رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كانت هند السويدي في حد ذاتها.. قصة قصيرة جداً.. استمرت في الحياة ما يقارب ستا وثلاثين سنة تزيد أو تنقص لا ضير طالما أنها انتهت فلا جدوى من معرفة عمرها الزمني.. المهم أنها مدة قصيرة جداً.. والمهم أيضاً أنها لن تختفي من ذاكرة قرّائها ولا محبيها ولا أهلها ولا أبنائها بل ولا أهل قطر الطيبين.. فهو شأنهم دائماً.. يذكرون " الطيبين " بكل خير ويحسنون سرد القصص عنهم وحولهم بعد رحيلهم..
لقد كانت كاتبة المقالات والقصص القصيرة.. الكاتبة القطرية هند السويدي.. هي نفسها بمثابة قصة قصيرة.. لم نستمتع بقراءة أحداثها الإنسانية الرائعة حتى انتهت سريعاً، فجاءت بخلاف سائر القصص القصيرة الأخرى، سردها الزمن إلينا بسرعة فائقة لدرجة أننا من فرط إعجابنا بهذه القصة أحببنا تكرار قراءتها مرّة أخرى.. ولكن هيهات أن يعود من ذهب للقاء ربّه.. ولكن تبقى ملامح تلك القصة الرائعة في نفوس المحيطين بها، فهند السويدي قبل أن تكون كاتبة كانت إنسانة فاضلة شريفة عفيفة ملتزمة بتعاليم دينها كعموم بنات قطر، تربّت على حبّ الله وحبّ رسوله وكل ما جاء من هذين النبعين من أنهار متدفقة بالخير والإحسان والإيمان، حتى أصبحت سيّدة كعموم سيّدات قطر اللاتي تربّين على خلق عظيم وأدب جمّ فأصبحت مدرسة للأخلاق لأبنائها وخير معين وأنيس لرفيق دربها.. زوجها، وخير ابنة لأمها وأبيها.. حتى فاض خيرها من تلك المنابع فغمرت بحسن أخلاقها ورقي أدبها وتعاملها سائر أهلها والناس أجمعين، حتى حظيت أنا بشيء يسير من ذلك الخير فإذا بي أشاهدها للمرة الأولى في أمسية للقصة القصيرة دعيت إليها أنا وهي وسط حضور زوجها ووالدتها – على ما أظن – فأكبرتها في عيني وأجللتها قدرا بحشمتها وأدبها الجمّ وبحفاوة زوجها وأهلها لها وكأنهم يساندونها ويحيطونها في كل لحظات حياتها ويزهون ويفخرون بها، فلم تظهر كبعض أديبات وكاتبات الخليج والعالم العربي عندما خُدعن بأن الطريق إلى الشهرة إنما يأتي بترك الحشمة والوقار، ولفظ الأدب والأخلاق أمام الرجال، وعلو الصوت والضحكات ووضع المساحيق والمنكرات، كلا.. لم تكن هند كذلك.. لقد كانت فتاة مصونة في شبابها، فصانها الله بأبنائها وزوجها الفاضل وبأسرتها وبمحبيها.. وكل أهل قطر بلاشك من محبيها.
ورغم قلّة كتابات هند السويدي وإسهاماتها في فن المقالة والقصة القصيرة إلا أنها عندما أمسكت القلم وكتبت ما كتبت من نصوص سيفخر بها الأدب القطري والخليجي، إلا أنها كتبت نصوصاً تمتاز بروعتها وحسن وصفها وتمكّنها من تصوير ما يدور حولها بأسلوب رائع ممتع، وأزعم بأنها لتزاحم مهام حياتها الأسرية الجميلة لم تعط قلمها مزيداً من الوقت وإلا لكنّا أدركنا.. من هي هند السويدي حقاً.. فليس أقل من أن تكون كاتبة قصة قصيرة رائدة في العالم العربي والإسلامي، ولكنها مشيئة الله التي تعلو وتعرف أكثر مما نعرف، وإرادة الله التي اختارت لقاء ربها.. خيراً من الدنيا وما فيها، وأزعم بأنها كذلك لم تترك قلمها حيناً من الوقت إلا من أجل دورها الرائع بين أسرتها، فهنيئاً لهم تلك الأم والأخت والزوجة التي بارك الله في سني عمرها حتى أعطت كل ذي حق حقّه أو بقدر ما سمح له وقتها وأجلها في هذه الحياة الدنيا الفانية.
ما أجمل أن يعيش الكاتب أو الأديب مع الله ومع هموم دينه وقضايا أمته ووطنه، فتحظى كتاباته بجزء من همومه وآلامه وآماله في كل ما يهمّه في دينه ودنياه، لا أن يطوّع موهبته وما أودعه الله فيه من إبداع في غير ما يراد منه، فكم من شاعر قد كتب عشرات بل مئات القصائد في محبوبته أو في مدح أمير أو ملك أو نحوه، ولم يكتب شيئاً يذكر دفاعاً فيه عن دينه أو عن رسوله أو أمته، ولم يسخّر موهبته في الوصف والصياغة والإقناع والتعبير في خدمة أي غاية تخدم دينه بشكل مباشر أو غير مباشر، وهكذا الحال بالنسبة لكتّاب المقالات والقصة ونحوهم، فمنهم من يكتب مئات المقالات والقصص في شتى المجالات الاقتصادية والسياسية والعاطفية.. ولكنه ينسى أن يؤطر ذلك كلّه بخدمة دينه ومرضاة ربّه، وفي المقابل هناك من جاهدوا بأقلامهم تماماً كما يجاهد المجاهد بسلاحه في الحروب ليعلي كلمة الله، وسخّروا أقلامهم لنصرة دينهم حتى قضوا نحبهم وهم يجاهدون لا يخشون في الله لومة لائم.. كأمثال الأديب والشاعر القطري الدكتور محمد قطبة الذي سخّر جُلّ شعره لقضية المسلمين الأولى.. فلسطين.
لقد كتبت هند السويدي ضمن ما كتبت.. قصة قصيرة بعنوان (الموتى لا ينطقون أبداً) في وصف لحظات الاحتضار واستشعار ما بعد الموت، فكانت بحق أروع وأجمل ما قرأت في هذا المجال، لقد استطاعت هند بوصفها لتلك اللحظة الرهيبة أن تجعلنا نعيشها بتفاصيلها التي تعلمناها وقرأناها في أحاديث رسولنا العظيم محمد صلى الله عليه وسلم، فأجادت في وصفها فشحذت طاقتها وبراعة وصفها في مقاربة الصورة إلى أذهاننا، لا هند ولا نحن نعلم بماهية تلك اللحظة ولا بعظم شعورنا وقتها كيف سيكون، وإنما هي استشرافات للحظة قادمة إلى هند وإلينا أجمعين، وما تلك اللحظات التي عاشتها هند متخيّلة ما يحدث وقت نزول ملك الموت واللحظات الأولى في القبر تمهيداً لبدء القيامة الصغرى للإنسان.. ما تلك القصة وما ذلك الوصف إلا نتيجة فكر إيماني عميق وعقل متفكر في مصيره وقلب يغمره الإحساس بتأنيب المعصية ولو كانت كالنكتة أو النقطة السوداء في القلب، التي لا يقبل بها أبداً جسد الطاهرين والطاهرات من أهل الدنيا فيسارعوا لمحوها وطلب المغفرة من الله، والتوبة من تلك الصغائر ناهيك عن الكبائر، لأنهم أكبروا الله في نفوسهم فأصبحت صغائر غيرهم كبائر عندهم.
ما أروعها من كتابات صاغتها يد هند السويدي في وصف هذه اللحظات التي سنذوقها جميعاً، ولكن مشاعرنا عندها أو حتى قبلها لن تجرؤ على وصفها ناهيك عن الإبداع في وصفها، إن دلّ ذلك فإنما يدل على إيمان عميق لدى هند بأن الله سيكون معها في تلك اللحظة، كما كانت معه في سائر أيام حياتها، ونحسبها والله حسيبها قد صدقت مع الله فصدّقها، فاطمأنت للقاء ربها كما وصفت هي في قصّتها وأثابها أن أراها منزلها في الجنة وأن أنامها في قبرها نوم قرير العين الهانئ.. وكما أحسنت الظن بالله (أنا عند حسن ظن عبدي بي).. فإنها قد أحسنت ظنّها بربّها في تلك اللحظة وندعو الله أن يحسن إليها كما قد أحسنت الظن به عز وجل، وأن يسكنها جنّات النعيم وأن يدخلها الفردوس الأعلى من الجنة. اللهم آمين.
- توفيّت هند السويدي في يوم الجمعة 18 من شوال لعام 1432 هجرية الموافق 16 من سبتمبر لعام 2011 ميلادية.
إن أريد إلا الإصلاح
(إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) قالها سيدنا شعيب عليه السلام لقومه ويقولها في الماضي والحاضر أقوام وبشرٌ... اقرأ المزيد
4022
| 09 يناير 2015
الفساد والأربعين حرامي
ونحن نقرأ الصحف في وطننا وفي سائر دول الخليج والعالم العربي والإسلامي نلاحظ أن كثيراً ما تقع أعيننا... اقرأ المزيد
1095
| 02 يناير 2015
وزير سابق
من الملاحظ أن الكثير من أصحاب الرأي والخبرة والعلم والمعرفة ممن استلموا مهمات قيادية في أوطانهم في مرحلة... اقرأ المزيد
1148
| 26 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2250
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1485
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1137
| 11 أكتوبر 2026