رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في مقالي السابق أشرت إلى ما قد يؤدي إليه التوجه إلى الأمم المتحدة بهذه الطريقة غير الناضجة من مخاطر على العلاقات الداخلية وعلى الوضع القانوني للقضية الفلسطينية، وخلصت إلى جملة المقتضيات افترضت أنها يمكن أن تشكل ضمانة من أن تنزلق القضية إلى ما يتخوف منه.. وكان مما ذكرت ؛ ضرورة أن تكون الخطوة في إطار إستراتيجية تحرك شاملة، وأن تكون صيغة القرار المقترح واضحة وتحوي كل الثوابت الوطنية والقرارات التي أثبتت حقوقا أصلية أو مكتسبة للشعب الفلسطيني، وأن تقوم بهذه الخطوة منظمة التحرير الفلسطينية وليس السلطة، وأن يتحصل السيد عباس لهذه الصيغة ولهذه الإستراتيجية على أكبر مساحة من التوافق الوطني لتوقي الاختراق والفتنة في وقت يتوقع أن تكون ردة فعل العدو أكبر من قدرة السيد عباس على تحملها..
والحقيقة أن الأسبوع الفائت قد وضح عدم تناسب الكيفية التي يتحرك بها السيد عباس ومعاونوه مع خطورة هذه الخطوة ودلل على أنهم يستهينون بالتخوفات التي تتردد على ألسن المثقفين والمفكرين حولها، وأنهم لا يقدرون معنى التوافق الوطني ولا يتخيلون خطورة الاختلاف على خطوة بهذا المستوى من المسؤولية التاريخية والمترتبات عليها.. أو أنهم ليست لديهم نية تفعيلها والاستثمار فيها.. أما إذا أسأنا الظن ( وسوء الظن من حسن الفطن كما يقال) فالاحتمال غير المستبعد أيضا أنهم قد رسموا تحركهم هذا بمفاعيله ومترتباته مع العدو الصهيوني الذي سيحقق جملة من المكاسب بدون ثمن حقيقي يدفعه أو يتكلفه.. والكلام هنا عن استباق التحولات الكبيرة والتاريخية التي تترسم وقائعها في العالم العربي واستباق التحولات التي تنمو لصالح الحق الفلسطيني عالميا وتدلل عليه الاستطلاعات والدراسات، واستباق تشكيل تحالف تركي مصري إقليمي ضد العدو، واستباق انهيار أخلاقيات الموقف الصهيوني الذي صار مكشوفا ومفضوحا أخلاقيا ويتعثر سياسيا وديبلوماسيا.. الكاتب الصهيوني توماس فريدمان كتب في عموده المعتاد بصحيفة نيويورك تايمز قائلا : إنه لم يكن أكثر قلقا على مستقبل إسرائيل من اليوم "فتداعي دعائم الأمن الإسرائيلي الرئيسية -وهي السلام مع مصر واستقرار سوريا والصداقة مع تركيا والأردن - مقرونا بأكثر الحكومات عجزا دبلوماسيا وافتقارا للكفاءة الإستراتيجية في تاريخ إسرائيل " ثم قال: " وكل ذلك جعل إسرائيل في خطر محيق ".
والسؤال هنا: حتى لو كان الذهاب للأمم المتحدة مناسبا في وقت ما؛ فهل هو كذلك اليوم؟ وهل تجب إعادة تأكيد التنازلات التي قدموها في لحظات ضعف وانفراد وتحت التطميع بسلام تبين أنه مجرد سراب؟ وهل الوقت لإعادة المراهنة على إحياء الحق الصهيوني في فلسطين الـ48 مقابل خطوة لن تتبعها إلا المفاوضات والمفاوضات.. كما يقول عباس نفسه؟
منطقي أن نسيء الظن في هذه الخطوة لأنها تتم بدون التشاور مع أهل القضية وأصحاب الدم.. فهم لم يتشاوروا مع حماس التي تجمعهم بها مصالحة وطنية يفترض أنها حقيقية! ولم يتشاوروا مع " الجهاد " التي ليس لهم معها خصام ولا نكد!.. ولم يتشاوروا مع المجلس التشريعي كمؤسسة رسمية يفترض أن تكون قاعدة الارتكاز لتجسيد الديموقراطية ( السكر زيادة ) التي طالما بشروا بها! ولم يتشاوروا حتى مع المجلس الوطني المعروف بأنه بين سحرهم ونحرهم وأنه لم يتخلف عن مرادهم يوما..
أقول : فإن كانوا يخافون أن لا يحصلوا من كل هؤلاء على التفويض فإن خطوتهم - إذن - لا تحظى بأي قبول.. فهؤلاء هم الشعب الفلسطيني وهؤلاء هم قيادته وهذه هي مؤسساته! بالتالي فلا يمكن إحسان الظن بهم مع كل هذه التجاوزات وفي مرحلة تاريخية، وفي تحول - دراماتيكي – على هذا النحو من الجدية!
البعض يغلقون أعينهم عن كل ذلك وعن كل المخاطر والتحديات من حول هذه الخطوة، ويفرحون ويرقصون على كلمات " الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والعلم الذي يرفرف على كذا وكذا " وتخدعهم عبارات التحدي والإصرار.. هذا البعض تعودنا أنهم تسهل خديعتهم ولفتهم بالشعارات والبهارج الإعلامية عن حقائق ما يدبر في جهة أخرى.. حدث مثل ذلك يوم أعلن استقلال دولة المنفى عام 1988 في الجزائر وزغرد من زغرد وهاج من هاج فغفلوا عما رافقه من اعتراف بالقرارين ( 242، 338 ) اللذين كان الاعتراف بهما خيانة للوطنية ونكوصا عن القومية، وحدث الشيء نفسه يوم أعلن اتفاق أوسلو ؛ فخدعتهم نظرية " خذ وطالب " وأن عشرات الآلاف من الفلسطينيين عادوا للأرض المحتلة، وأنهم قام لهم كيان فلسطيني – في غزة وأريحا – وغفلوا عن الحقائق التي تقررت على الشعب الفلسطيني منذ ذلك اليوم إذ صارت المفاوضات مقصودة لذاتها وليست وسيلة لتحقيق التسوية، وإذ صارت أمريكا هي المرجعية الحصرية للقضية بدلا من القرارات الدولية والمجتمع الدولي والإجماع الفلسطيني، وإذ تم التنازل عن 80 % من فلسطين التاريخية وانحصرت وانحشرت القضية فيما احتل عام 67، والتنازل عن حق المقاومة بل التآمر عليه وتقرير مناهج التعاون الأمني مع العدو ضده، والتنازل عن حق تقرير المصير الذي كان نشيدا وطنيا الليل والنهار ليركن في مجاهل النسيان ثم ليخرج من الخطاب الرسمي الفلسطيني إلى الأبد.. كل هذا تم تدسيسه على العقلية الفلسطينية وعلى الواقع الفلسطيني تحت جنح الزغاريد والمقولات والعواطف وألوان العلم الفلسطيني الذي صار مقدسا أكثر من القدس والأقصى والوطن والجهاد..
وها هي حليمة الفلسطينيين تعود لعادتها القديمة.. وها هم يأخذون الرأي العام إلى خطوة يسوقونها على أنها غاية المنى الوطنية وأنهم بالأمم المتحدة سيقررون الدولة المتعثرة منذ سبعين سنة.. وها هم يتجاهلون كل الانتقادات وكل الاعتراضات وكل الخسارات والتنازلات.. ويعيدون إنتاج ذات المأساة بذات الأدوات.. فما يطلبونه مقتصر على حدود الـ67 ما يعني أن بقية فلسطين لن يبقى لها من يمثلها! وليس صحيحا ولا واقعيا أن المنظمة ستظل تمثلهم وتطالب بحقوقهم ولكن سيعتبر ذلك لو ادعته تلك الدولة – الموعودة أو الموهومة - ازدواجية في التمثيل وادعاء لا واقع له! وهذا هو الناتج الأول لمعنى دولة في حدود الـ67 فالدول يتم الاعتراف بها لتمثل رسميا إقليمها ومن تمثلهم! فإن سقطت المنظمة بهذا الشكل الرسمي، وإذا أصبحت فلسطين الـ48 معترفا بها كوطن قومي " للعدو " اعترافا دوليا ورسميا وبطلب من الفلسطينيين أنفسهم ومن غير اشتراط قيام فعلي ولا اعتراف صريح بحقهم وبدولتهم ؛ فأين يصير حق العودة حينئذ؟ وأين يصير فلسطينيو الشتات؟ وما أثر ذلك على الخلافات الفلسطينية الفلسطينية ثم الفلسطينية العربية في البلاد التي تستضيفهم كمبعدين ومهجرين؟
آخر القول: قد يكون في سعي عباس للأمم المتحدة نوع من الخروج عن النص الأمريكي والصهيوني، وقد تكون خطوة عباس كبيرة وفارقة بالنظر لإمكاناته وما حشر نفسه فيه من الخيارات السياسية البائسة.. لكن ذلك ليس كل ما يستطيعه الفلسطينيون ولا هو حدود مرادهم، ولا هو ما تبشر به الثورات العربية والتحولات في الموقف التركي والمصري تجاه الصراع حول فلسطين، وإذا أبعدنا التهويلات التي تروجها السلطة لخطوتها هذه وتخلينا عن قليل من العاطفة المتحكمة في فهمها فلن نجد ناتجا نهائيا لها إلا المزيد من التنازل وإلا تثبيت كل الواقع البائس الذي يجب تغييره.. بقي أن نقول: ليس بالضرورة أن كل ما يرفضه العدو هو يرفضه على الحقيقة، ولا أن كل ما يرفضه يجب أن نقبله لمجرد أنه يرفضه..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
685
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
982
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
621
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11613
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8517
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3714
| 22 أكتوبر 2026