رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يعد ضم الصين لتايوان بأي شكل ما، وغالبا، سيكون بالقوة أمرا محسوما ولا فصال فيه لدى الصين.
فتايوان هي الخط الأحمر الرئيسي للصين. فمنذ إعلان جمهورية الصين الشعبية عام 1949، لم يتزحزح قيد أنملة الشعور الشعبي والرسمي والفكري القومي الراسخ بأن تايوان جزء أصيل من الوطن الأم يجب استرجاعه وضمه تحت حكومة وطنية واحدة.
وإلى جانب الشعور القومي الجارف الذي لا يستطيع الحزب الشيوعي الحاكم أو أي رئيس صيني أن يتحداه أو يسير عكس اتجاه؛ ثمة أبعاد جيوسياسية وجيواقتصادية تربط بين تايوان واستكمال مسيرة صعود الصين كقوة عظمى في النظام الدولي. إذ أن تمتع الجزيرة بموارد طبيعية هائلة وبنية صناعية متميزة خاصة في المجال التكنولوجي، فضلا عن موقعها الاستراتيجي في شرق آسيا المطل على المحيط الهادي وبحر الصين الشمالي والجنوبي؛ يجعلها حاسمة جدا لترسيخ النفوذ العسكري والاقتصادي للصين في آسيا.
ولنفس تلك المزايا الاستراتيجية الجبارة الحاسمة لصراع الزعامة الدولية، ليس من السهل أن تتخلى الولايات المتحدة عن تايوان وتجعلها فريسة سهلة للصين، حتى وإن كانت في أضعف حالتها.
قضية ضم الصين لتايوان مسألة حاسمة أيضا لدى كبار المفكرين الاستراتيجيين في العالم، بل إن الولايات المتحدة تعي جيدا ذلك. لكن السؤال المطروح من قبل هؤلاء المفكرين، متى سيحدث هذا الضم؟.
يشهد التوتر بين الصين والولايات المتحدة على تايوان تصاعدا لافتا منذ تولي إدارة ترامب الرئاسة. وتزايد هذا التوتر ربما بشكل غير مسبوق منذ مجيء إدارة بايدن. كدلالة على تصاعد مخاوف واشنطن من إصرار الصين على ضم الجزيرة بالقوة. وفي سبيل ثني الصين عن ذلك، عمق بايدن من وتيرة التطبيع غير الرسمي، والمساعدات العسكرية لتايوان، وحرك مدمرات بحرية بالقرب من الجزيرة، كما صرح في أكثر من مناسبة-وهو الأخطر بالنسبة للصين- عن عدم تواني الولايات المتحدة في استخدام القوة العسكرية ضد الصين حال غزوها لتايوان. وأخيرا، جاءت زيارة "نانسي بيلوسي" المثيرة للجدل لتايوان، لتثير حالة مزعجة جدا من التوتر بين القوتين.
تلقت بكين خطوات بايدن التصعيدية، لا سيما زيارة بيلوسي على أنها ضوء أخضر أمريكي لتايوان للتمسك بالانفصال، وانحراف خطير عن سياسة الصين الواحدة التي تشبثت بها واشنطن منذ السبعينيات. لذا، جاء رد الصين سريعا وحاسماً جدا من خلال خطوات تصعيدية عسكرية واقتصادية غير مسبوقة ضد تايوان.
وأوحى التصعيد العنيف للصين للكثيرين بأن ضم الصين لتايوان أصبح على مرمى حجر، بل ذهب بعضهم بالقول بأن ما اتخذته الصين من خطوات عسكرية واسعة ضد تايوان يمثل المرحلة الأولى من مراحل عملية الضم. ويعزز البعض تصوراته بالحرب الأوكرانية التي أظهرت جليا التراجع الأمريكي أمام روسيا الأقل قوة من الصين.
لا شك أن التصعيد الصيني العنيف تجاه تايوان، يعكس ضمنيا تحديا صينيا أكثر صراحة وقوة لواشنطن بسبب نمو قوة الصين، كما يعكس أيضا الإصرار الصيني الراسخ الأبدي بشأن عدم التنازل عن تايوان. ومع ذلك، من الصعب وصف هذا التصعيد بأنه المرحلة الأولى أو القرار النهائي للصين لضم تايوان. بل أفضل ما يمكن وصفه بشأن هذا التصعيد هو بداية التصعيد "الحاسم والعلني والصريح" للصين لضم تايوان على المدى البعيد، أي بعد عقد من الزمان أو أكثر. والشاهد على ذلك، تراجع العمليات العسكرية للصين نسبيا تجاه تايوان بعد زيارة بيلوسي، وتبني مسار آخر لمعاقبة تايوان يرتكز على العقوبات الاقتصادية.
إذ يمكن القول أن ثمة تحديات كثيرة بعضها جوهري، تعيق ضم الصين لتايوان على المدى القريب. ويتمحور أهم تحدٍ جوهري في تعادل ميزان القوة نسبيا بين الولايات المتحدة والصين خاصة العسكري. يشير استقراء التاريخ الواقعي للحروب الكبرى أو العالمية أو بين القوى العظمى، أن هذه الفئة من الحروب المدمرة تندلع عندما تتصرف قوة عظمى بحماقة شديدة توصف "بالانتحار" عبر الإفراط التوسع أو استخدام القوة كألمانيا النازية، أو الاتحاد السوفيتي عندما استنزفت قوته في غزو أفغانستان.
أو عندما تستشعر القوى العظمى أن ميزان القوة قد تأرجح لصالحها بشكل كبير، وبالتالي تنخرط في صراع عسكري واسع متيقنة أن الانتصار هو حليفها في نهاية المطاف، ومثال على ذلك تورط الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية لتيقنها من انتصارها على دول المحور.
استطاعت الصين عبر عقود من التنمية الاقتصادية والتطور العسكري والتوسع السياسي العالمي من تضييق فجوة القوة الشاملة مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، يمكن القول إن ميزان القوة بين القوتين-رغم التراجع الأمريكي- لايزال متعادلا نسبيا. بل إنه من زاوية القوة العسكرية تتفوق الولايات المتحدة بدرجة ما على الصين. وفضلا عن ذلك، تتميز الصين على خلاف أية قوى صاعدة في التاريخ بالصبر والحذر الشديد، والاعتماد بشكل كبير على الوسائل الاقتصادية والقوة الناعمة لتحقيق الهيمنة العالمية.
وعليه، فتصرف الصين بشكل انتحاري لأجل تايوان أو غيرها من خطوطها الحمراء ليس وارداً في قاموس الصين السياسي مطلقاً. وعلى الجانب الآخر، تعي الصين جيدا أن ضم تايوان في ظل تعادل ميزان القوة مع الولايات المتحدة، ليس فقط مسألة غير مضمونة النجاح خاصة في ظل شبكة تحالفات واشنطن الأمنية والعسكرية القوية في آسيا الذي يطورها بايدن بقوة، بل أيضا ستصيب القوة الاقتصادية والقوة الناعمة ومصداقية الصين الإقليمية والعالمية في مقتل شديد، يعرقلها عشرات السنين عن حلم الهيمنة العالمية.
وربما ينطبق ذلك على الولايات المتحدة، فهي أيضا لا تريد الانتحار من أجل تايوان في ظل ميزان قوة متعادل مع الصين. لذلك، يفهم سياسات بايدن الرامية تجاه تايوان بأنها رادعة للصين للاستمرار في تقبل سياسة الصين الواحدة بنظامين وليس ضمها.
ثمة أيضا بعض التحديات الأخرى الحالية التي تعيق من سيناريو الضم القريب، نذكر منها، تركيز الصين على استعادة عافية اقتصادها الذي تضرر بشدة بسبب أزمة كورونا، وهذا يتطلب توفير مناخ إقليمي مستقر. ومن التحديات كذلك، توتر علاقاتها مع الهند والذي يخفي في طياته صراعا على النفوذ في آسيا.
نخلص مما سبق أن ضم الصين لتايوان أمر سيحدث مؤكدا لكن على المدى البعيد، فعلى المدى القريب يقف تعادل توازن القوة مع واشنطن على وجه الخصوص عائقا ثقيلا أمام سيناريو ضم. لكن ما يمكن الجزم به أن الصراع الأمريكي الصيني على تايوان قد دخل في منعطف تصعيدي خطير يعكس في طياته معادلة توازن القوة، ويحمل في طياته أيضا ضم صيني مؤكد لتايوان خلال المستقبل عبر صراع مسلح أكيد ستنخرط فيه الصين عندما تتيقن تماما من الانتصار.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2688
| 12 مايو 2026
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
2142
| 13 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1200
| 13 مايو 2026