رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كارت وردي – منيرة آل ثاني- أول كتاب أدبي عربي عن كرة القدم.. يصدر عن كاتبة قطرية
أفضل ما يتيحه الله سبحانه لأستاذ هو أن يعيش ليرى أحد طلابه يتألق فيشعر الأستاذ بأنه هو الذي ينجح من خلال نجاح طالبه وأنه هو صاحب بعض الفضل في تميز ابن من أبنائه أو بنت من بناته وهو شعور فيه من النرجسية جزء مقبول ومشروع، فالأستاذ حتى وإن أصابه يأس وبدأ يحس بوطأة السنين يتحول إلى مشارك في تفوق طلابه يفرح لفرحهم وتسعده منهم كلمة عرفان صادقة يشحن بها "بطارية" العمر، وأنا أدركت مروءة منيرة منذ زمن حين فجعت بفقدان إحدى معلماتها في المجال الصحفي الميداني طيبة الذكر ثريا نافع رحمها الله ففكرت في رصد جائزة تحمل اسمها لأحسن إنتاج صحفي.
هذا هو شعوري حين أهدتني طالبتي منيرة خالد آل ثاني كتابها الجديد بعنوان "كارت وردي" ومنيرة من المعدن الأصيل لأنها لا تقطع صلتها بمن درسوها في كل مراحل تعليمها، وأنا لا أبالغ إذا وصفت كتابها هذا بأنه أول كتاب عربي أدبي عن عالم كرة القدم، بالطبع صدرت كتب كثيرة عن هذه الرياضة الشعبية الجماهيرية ولكنها لم تكن أدبية بل لم تطمح إلى بلوغ مستوى الأدب، كانت مؤلفات رياضية أو تقنية أو احترافية أو تأهيلية خاطبت أصنافاً من الجمهور "الكروي" بلغة صحفية أو ملاعبية لكنها لا ترقى لدرجة الأدب، فللأدب نواميس وفنون ويشترط موهبة لم تتوفر في أغلب من كتبوا عن الرياضة والرياضيين، ولم أعرف أدباً راقياً في كرة القدم سوى كتب فرنسية كتبها صديقي "باسكال يونيفاس" وهو مولع بكرة القدم لكنه أستاذ في العلوم السياسية ورئيس المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بباريس ومعلق مثقف على أحداث العالم والقضايا الاستراتيجية وهو أيضا أديب وذو هواية وموهبة في رياضة كرة القدم.
وحين فتحت الكتاب الأنيق الصادر عن منشورات مجلة "ستاد الدوحة" كان أول ما استرعى انتباهي وإعجابي هو العنوان "كارت وردي" ترفعه الكاتبة في وجه بعض مظاهر العنف والخطأ في الملاعب كما يرفع الحكم كارت أحمر أو كارت أصفر، فاللون الوردي الذي اختارته منيرة للكارت هو علامة سلام وتعامل حضاري وأنثوي رقيق مع من يستحقون النقد ولفت النظر، والأمر الثاني الذي جلب اهتمامي هو الإخراج الفني الأنيق للكتاب فهو في حد ذاته عمل فني بطغيان اللون الوردي وجمال الصورة وإتقان التصفيف.
إنني لا أعجب من صدور أول كتاب أدبي عن رياضة كرة القدم في دولة قطر وبقلم كاتبة قطرية متميزة وغزيرة الإبداعات لأن قطر هي التي ستنظم مباريات كأس العالم لسنة 2022 وهي التي تقوم بجهود عملاقة ومشكورة لتأمين كرة القدم من مخاطر الانحراف للفوضى والتعصب، وقد خصصت الكاتبة لهذا الحدث – الحلم، كما نعتته مقالات أهمها وقفة مع ملف 2022 (ص 84) توضح فيه منيرة أبرز شروط نجاح هذا الاستحقاق الكبير ومهام كل من عينوا "سفراء" لخدمة هذا الهدف السامي.
فمنيرة آل ثاني تؤكد على صفحات كتابها أنها شاعرة بمسؤولية دولتها ومقدرة لمساعي أميرها في سبيل أن تنجو كرة القدم من نزعات التناحر والتعصب لتعود هذه الرياضة الراقية، كما كانت نقطة التقاء الأخلاق العالية والتسابق النزيه على الفوز واحترام المنافس والقبول بالنتيجة وبروح رياضية كما كان يقال، ونرى اليوم منيرة تثور بقلمها على العقليات المريضة التي انحرفت بكرة القدم إلى "حرب داحس والغبراء".
قدم للكتاب رئيس تحرير مجلة ستاد الدوحة السيد ماجد الخليفي، فقال إنه يقدر كيف استطاعت منيرة أن تكسر قيود الخوف من دخول ميدان كان حكراً على الإعلام الذكوري غير أنها استطاعت أن تشق طريقها بثقة وأن تجد لها فضاء واسعاً من الإبداع والتميز.
كما أن رئيس الاتحاد القطري لكرة القدم الشيخ حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني أكد هذه المعاني، فقد قدم للكتاب بكلمات لطيفة تقبل فيها نقد "كارت وردي" بصدر رحب، كما قال لأن النقد يصحح الأخطاء ويسلط الأضواء على بعض الهنات التي لا يتفطن لها المسؤول الكروي.
ومنيرة لا تخفي أنها في البداية ترددت عن اقتحام هذا المجال لكنها تسلحت بثقتها في نفسها وإيمانها بأنه لا حدود مسيجة للمرأة المثقفة ولا يمكن حبسها في مجالات معينة أنثوية، بل إنها مدعوة لتتبوأ مكانتها كفاعلة إعلامية وتوجيهية لهذه الرياضة التي تمس في الواقع أغلب مواطني قطر والعالم رجالاً كانوا أو نساء، وهي تنجح في تصحيح مفاهيم خاطئة متوارثة مثل الاحتراف ومعانيه ومثل تسييس الرياضة ومثل رفع النوادي إعلانياً في عالم التجارة ومثل شراء اللاعبين وتداولهم كالأسهم في البورصة، ومثل دور الجمهور المشجع للفريق والمتنقل بين المدن في العالم، ومثل المافيات التي تمارس في الظلام تأثيراتها السيئة على الرياضة والرياضيين، ومثل حقيقة الفيفا ومن وراءها من رجال التأثير والإعلام والمال والأعمال.
قالت منيرة عن كتابها بكل تواضع: "كارت وردي يختلف عن الكروت الصفراء والحمراء، بل هو نظرة بتطلع أنثوي قطري خاض مجالاً يرونه حكراً على الرجل في زمن أمير الحرية والقلوب أطال الله عمره، فشكراً على قبولكم وجودي وسط الحروف الرياضية، وبقلب هجوم الكرة القطرية والدفاع عن الروح الرياضية".
وأنا أضيف إلى كلامها هذا بعض التحيات الخالصة من أستاذها الذي تشرف بتخريج أربعة أجيال من الإعلاميين مع نخبة من الزملاء الكرام، تحية من القلب لهذه المبادرة الجريئة التي لا تحمل رمزاً رياضياً أو أدبياً أو إعلامياً فحسب، بل إن إصدار هذا الكتاب يعتبر بحق إنجازاً اجتماعياً وسياسياً كبيراً تعتز به دولة قطر، وهي الدولة الخليجية المحافظة لأن قيادة قطر الرائدة والسباقة لتحرير الكفاءات النسائية هي التي تستحق مع الكاتبة وسام شرف الريادة.
فهنيئاً لقطر بهذا القلب الأنثوي المشاكس ولكن في أدب، والمصرح بالحق ولكن باحترام، والداخل إلى ملعب كرة القدم من بابه الواسع بلا "تسلل" ومنيرة ستظل لاعبة متميزة في فريق الأخلاق الرياضية العالية تلبس فانيلة محترمة وردية تلفها عبايتها رمز الأصالة وهي ستسجل أهدافها في مرمى أعداء الروح الرياضية، وإذا قدر لها أن تكون حكم المباراة، فهي سترفع في وجوه قرائها ومحبيها "كارت وردي" بكل ود، وبكل ابتسامة ثقة وأمل في مستقبل الرياضة في وطنها وفي مستقبل وطنها بأسره بقيادة حكيمة من أفضل رجاله ونسائه.
وإني أنصح بمطالعة هذا الكتاب الذي يجمع بين الإمتاع والمؤانسة وبين الخفة والعمق وبين الجد والهزل وبين الواقع وأفق المستقبل، وسأعمل شخصياً على إدراج هذا الكتاب في المعرض الدولي للكتاب بكل من باريس وفرنكفورت، كما أرجو أن يحتل مكانه في معرض الدوحة والقاهرة لأنه بكل بساطة طريف ونادر.. ويحمل رسالة ومجموعة قيم رياضية ووطنية عليا.
مع إطلالة شهر رمضان المبارك، نستشعر نفحات إيمانية خاصة، وندرك أننا أمام موسم استثنائي تتجدد فيه الروح قبل... اقرأ المزيد
180
| 18 فبراير 2026
مبارك عليكم الشهر..
يأتي شهر رمضان ضيفا عزيزا على كل مسلم، ويختلف استقبال شهر رمضان عن كل الشهور، شهر تطمئن فيه... اقرأ المزيد
147
| 18 فبراير 2026
حين تمشي الأحلام على قدميك
يحدث أحيانًا أن يتأخر العالم كله خطوةً واحدة، كي يفسح المجال لقلبٍ قرر أن يمضي. ليس لأن الطريق... اقرأ المزيد
132
| 18 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
5451
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1959
| 12 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي الحضن الذي تتشكّل فيه القيم الأولى للإنسان. داخلها يتعلم الفرد معنى المودة والاحترام وتحمل المسؤولية، ومنها ينطلق إلى محيطه الاجتماعي أكثر توازنًا وقدرة على العطاء. وكلما كانت الأسرة متماسكة، انعكس ذلك استقرارًا على المجتمع، وكلما أصابها التفكك، ظهرت آثاره في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية. إن ظاهرة الطلاق أصبحت من الموضوعات التي تستحق التوقف والتأمل، لا من باب اللوم أو الإدانة، وإنما من منطلق الحرص على الأسرة بوصفها كيانًا إنسانيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية. فالطلاق تشريع أباحه الله عند تعذر الاستمرار، لكنه يظل خطوة لها آثار عميقة تتجاوز الزوجين لتصل إلى الأبناء، ثم تمتد إلى المجتمع بأكمله. لم يعد الطلاق في بعض الحالات حدثًا نادرًا كما كان في السابق، بل أصبح حاضرًا في حياة كثير من الأسر، أحيانًا لأسباب كان يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم. ومع تسارع إيقاع الحياة وتزايد الضغوط المعيشية والنفسية، باتت الخلافات الزوجية تظهر بشكل أسرع، وأصبحت قرارات مصيرية تُتخذ في لحظات توتر، دون منح العلاقة الزوجية ما تستحقه من صبر ومراجعة وتقدير للعواقب. بين الأمس واليوم في الماضي، كان الخلاف الأسري يُنظر إليه على أنه جزء طبيعي من الحياة الزوجية، يُعالج بالحكمة والتدرج. وكان للأسرة الممتدة دور مهم في احتواء الخلاف، من خلال النصح والتقريب وتهدئة النفوس، بعيدًا عن التصعيد. كما كان اللجوء إلى القضاء يُعد خطوة أخيرة بعد استنفاد وسائل الإصلاح، وكان الهدف الأول هو الحفاظ على الأسرة واستقرارها قدر الإمكان. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد الاجتماعي في جوانب متعددة. تراجع دور الحوار داخل بعض البيوت، وضعف حضور النصيحة الهادئة، وأصبحت الخلافات في بعض الأحيان تنتقل سريعًا إلى المسار القانوني. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية، إلا أن ثقافة التروي والصبر لم تعد حاضرة بالقدر الكافي في بعض الحالات. ومن المهم التأكيد أن الحديث لا ينصرف إلى الحالات التي يكون فيها الطلاق ضرورة إنسانية أو شرعية بسبب استحالة العشرة أو وجود أذى حقيقي، فلكل حالة ظروفها الخاصة، وإنما المقصود هو تلك الخلافات التي كان يمكن تجاوزها لو أُحسن التعامل معها في بدايتها. الأبناء… الأثر الأعمق يظل الأبناء هم الطرف الأكثر تأثرًا بانفصال الوالدين، فهم لا يشاركون في اتخاذ القرار، لكنهم يتحملون نتائجه. وقد يترك الطلاق في نفوسهم آثارًا نفسية وسلوكية تمتد لسنوات، وتنعكس على تحصيلهم الدراسي، واستقرارهم العاطفي، ونظرتهم إلى مفهوم الأسرة في المستقبل. لذلك، فإن مراعاة مصلحة الأبناء يجب أن تكون حاضرة عند معالجة أي خلاف أسري. دور الدولة والمؤسسات وانطلاقًا من إدراك خطورة التفكك الأسري، عملت الدولة على تعزيز الأطر القانونية والاجتماعية التي تُعنى بشؤون الأسرة، فأنشأت محكمة الأسرة لتكون جهة متخصصة تجمع بين الفصل القانوني والدعم الاجتماعي والنفسي. ويعكس ذلك وعيًا بأهمية الحفاظ على كيان الأسرة، والسعي إلى معالجة الخلافات بروح إنسانية متوازنة. ما نحتاجه اليوم نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتعزيز مفهوم الزواج بوصفه ميثاقًا قائمًا على المودة والرحمة، لا مجرد التزام قانوني. كما نحتاج إلى نشر الوعي بأهمية اللجوء إلى الإصلاح قبل اتخاذ القرارات المصيرية، ودعم المبادرات التي تُعزز الاستقرار الأسري. فالطلاق، رغم مشروعيته، يظل تجربة مؤلمة تترك أثرًا عميقًا في جسد الأسرة. وقد يكون أحيانًا الحل الأخير، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الخيار الأول. إن حماية الأسرة مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الزوجين، وتمتد إلى المجتمع ومؤسساته، حفاظًا على جيل أكثر استقرارًا ومستقبل أكثر تماسكًا.
921
| 12 فبراير 2026