رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إنّ ما تمرّ به الإنسانيّة اليوم من تقلّبات وفترات صعبة منها ما اتّصل بالكوارث الطبيعيّة ومنها ما اتّصل بالنزاعات ولّد لدى الشّعوب رغبة في البحث عن التقارب أكثر من البحث عن الاختلاف الذي من شأنه تعميق مسافات التباعد فيما بينها، فقد شعرتُ أثناء جولتي الأوروبية الأخيرة بمدى عطش الناس لمرحلة حضاريّة يسودها الوفاق، وفي الوقت نفسه وجدتُ في الانطباعات الإيجابيّة حول نجاح دولة قطر في تنظيم كأس العالم 2022 لكلّ من التقيت بهم وصادفتهم ما حرّك فيّ حماسة الكتابة من جديد حول الدور المهمّ الذي يُمكن أن تلعبه الدبلوماسيّة الثقافيّة في هذه المرحلة التاريخيّة من حياة الأمم، وتيقّنت من جديد بأنّ السياسة الدوليّة ما تزال قاصرة على تحقيق السّلم العالمي. فممّا لاشكّ فيه أنّ جميع الثقافات البشريّة مختلفة بمعنى التنوّع، باعتبار الاختلاف ظاهرة اجتماعيّة وتاريخيّة، ولكنّ تحويل هذا الاختلاف إلى ذريعةٍ لنشر خطاب الصّدام بين الثقافات، يحوّل العلاقات بين البشر إلى معاداة قائمة على أطروحات عدم التكافؤ والمساواة.
لطالما ناديتُ في أغلب ما كتبتُ بضرورة الانتباه إلى ما يحدث في الثقافة العالميّة اليوم من انحسار وعجز على لعب أدوار طليعيّة تمنع ما نراه أحيانا من انغلاق بين الثقافات وتغليب لما هو سياسي ومنافع ضيقة على حساب انفتاح الثقافات البشرية على بعضها، وازددتُ قناعة بأنّ إحياء أدوار الثقافة من شأنه رأب صدوع كثيرة في العلاقات الدوليّة، ولكن هل من مجيبٍ في وقت تعجز فيه منظمات دوليّة على توفير النجاعة الكافية لخطاب «التنوّع الثقافي» والتقارب بين الشّعوب؟
وقفت من خلال تجربتي الدبلوماسيّة ومسيرتي الحياتيّة على تلك الطريق الذّهبيّة لتحقيق الوفاق العالمي، وقد وجدتُ في بيئتي الثقافيّة والسياسيّة ما يعزّز السير في الطريق. كنتُ مؤمنا وما أزالُ بأنّ الاختلافات الثقافيّة بين البشر هي نتاج طبيعي لتنوّع العوامل والظروف الموضوعيّة التي تعيشها المجتمعات، فالثقافة بما هي ظاهرة مركّبة تشمل المعارف والمعتقدات والفنون والآداب والأخلاق والقوانين والأعراف والقدرات وجميع الاستعدادات التي يكتسبها الإنسان كما عرّفها إدوارد تايلور في كتابه «الثقافة البدائيّة»، ليست مجالا للمفاضلة بين الشعوب، فخصائص ثقافة كلّ مجتمع ليست غير تنويعات لقيم مشتركة، لذلك فإنّ الوحدة الثقافيّة العميقة أمرٌ شبه يقينيّ، حيثُ يتطلّع جميع البشر إلى العيش المشترك أكثر من التطلّع إلى النزاع، ويميلون إلى البناء الحضاري أكثر من الصّدام الحضاري.
الثقافة أوّلا:
لماذا نصرّ في خطابنا الفكري دائمًا على الدعوة إلى الاهتمام بمكانة الثقافة؟ أليس من الأجدى الاكتفاء بدعوة السياسيين للقيام بدور الوفاق العالمي، وترك الثقافة جانبًا لتكون في معزل عن العلاقات الدوليّة؟ ينبغي أن أبيّن منذ البداية أنّ تعريفات الثقافة ليست نهائيّة، وهي تتغذّى من التجارب الاجتماعيّة للبشر في كلّ مكان، ولكلّ الشّعوب انتماء لثقافات مميّزة، لها خصوصيّتها وتأثيرها في جميع الممارسات الاجتماعية التي تسم كلّ شعب، باعتبار أنّ الثقافة تهب المجتمع هويّته الاجتماعية التي لا يقدر على الاستغناء عنها، فتكون الثقافة أشبه بالتربة التي تتوغّل فيها الجذور فتنمو وتحيا. وبما أنّ الثقافة شرط أساسي للوجود الإنساني لما توفّره من إمكانات لإبداعه في جميع المجالات، فإنّها حجر أساس العلاقات التي يقيمها الإنسان مع أبناء مجتمعه ومع المجتمعات الأخرى. ذلك يعني أنّ الثقافة تحمل في داخلها عناصر الحوار والتبادل والتواصل، وهي ليست دائرة مغلقة على نفسها، فلو كانت تتّسم بالانغلاق لما اغتنت الحضارة الإنسانيّة بروافد الإبداع الثقافي من كلّ المجتمعات أيّا كانت درجة المساهمة كمّا ونوعًا.
وعندما أدعو إلى تمكين الثقافة من مكانتها الطبيعيّة في العلاقات الدوليّة، فإنّني لا أقدّمها بديلاً عن السياسة. لقد تفحّصتُ طويلاُ الجملة الأثيرة لتيري إيغلتون التي يقول فيها «إنّ الثقافة نتاج للسياسة، أكثر بكثيرٍ من كون السياسة تلك الخادمة المُطيعة للثقافة»، ومع ذلك فإنّني ما زلتُ أردّد بأنّ الثقافة لا يُمكن أن تكون بديلا عن السياسة ولكنّ السياسة لا تستطيع التخلي عن الثقافة في إدارة الأزمات وفي معالجة العلاقات الدوليّة، إنّنا نحتاج إلى معاضدة دائمة من الثقافة لأنّها تشكّل البنى العميقة للمجتمع، وحين نبحث عن توثيق العلاقات الدوليّة فإنّنا لا محالة منساقون إلى فهم خصوصيات المجتمعات، ولا يكون ذلك إلاّ بالثقافة باعتبارها جسرا وليست سورًا.
إنّنا إزاء خريطة متنوّعة من الثقافات، ومنذ الحضارات القديمة، كانت الإنسانيّة منشغلة بقيمة التبادل والتعلّم والاستفادة المتبادلة، لذلك لم يكن ممكنا الحديث عن إقصاء دور ثقافة من الثقافات في بناء أيّة حضارة، فما بالك بالحضارة الجامعة التي رفدت إليها كلّ الإسهامات الإنسانيّة؟ لا مجال لأحد الادّعاء بأنّ ثقافة واحدة لها حظوة على أخرى أو تمتلك الشّرط الأساسي لبناء الحضارة الإنسانيّة، بل ينبغي لكلّ إنسان على الأرض أيّا كان جنسه أو معتقده أو لغته أن يفخر بأنّ أجداده قد ساهموا جميعا في إغناء شجرة الإنسانيّة، وهنا أستحضر مثلاً صينيّا بديعًا « إنّ تفتّح زهرة واحدة لا يعني مجيء الربيع، وتفتّح مائة زهرة يجعل الحديقة مليئة بأجواء الربيع». فلا توجد ثقافة في العالم ليس لها قيمة، ولا سبيل إلى القبول بخطاب المفاضلة، فكلّ ثقافة تسعى للمساهمة في هذه الحضارة الكونيّة، لأنّه ما من ثقافة كاملة ونهائيّة، وقد زرت بلدانا كثيرة، واطلعت على اختلاف الثقافات فيها وحرصت أن أتلقّى الثقافات المتنوعة دون تكبّر حتّى أفهم سرّ تلك الثقافات، فأستفيد منها بما يتناسب مع ثقافتي وهويّتي، وأدركت ما في جوهر هذه الثقافات من تسامح، وكلّما حافظت على ذلك الجوهر استطاعت أن تمتدّ في التاريخ وأن تفيض بالعمران.
المبادلات الثقافية ليست نبتة بلا جذور:
إنّ التواصل بين الثقافات أمر قديم وغير طارئ على الحضارة الإنسانيّة، وقد بيّنت في كتابي «على قدر أهل العزم» كيف تجلت المبادلات الثقافيّة على أعلى مستوى سياسي في صيغة «الهدايا»، إذ تُعدُّ الهديّة من بين هذه الأشكال التي ترجمت منذ قرون إرادة التّواصل بين الشّعوب حتّى أصبحت رمزا للتّقارب، وضربتُ مثلاً على ذلك من الفترات المضيئة في حضارتنا العربيّة الإسلاميّة، فقد عدّ تبادل هارون الرّشيد الهدايا مع الملك شارلمان خير مثالٍ على درجة المبادلات الثقافيّة التي كانت تعبّر عن تقدير الدّول لثقافات بعضها البعض، وعن احترامها للمعارف الثقافيّة التي شكّلت ما يسمّى بـ«ثقافة الأشياء المشتركة»، واهتمّ العرب بدور الهدايا، فألّف القاضي الرّشيد بن الزبير في القرن الخامس الهجري كتاب «الذّخائر والتّحف» وفيه استعرض أخبار الهدايا والتّحف بين الملوك والرُّؤساء وغرائب المقتنيات، ممّا يدلّ على اتّساع الصّلات بين الشّعوب، واعتبار الهديّة أداة للتقارب.
وكم ساعد «اقتصاد الهدايا» على تقارب الشّرق بالغرب، وأشاع التّسامح بين الشّعوب على اختلاف عقائدها وثقافاتها. لذلك فنحن بصدد موضوع متأصّل في حضارتنا الإنسانيّة.
لقد بيّنت الدبلوماسيّة الثقافيّة في تجلياتها الأولى عبر التاريخ كيف كانت الهديّة ذاتها نوعا من أنواع التّواصل بين الأمم، ولذلك نعتبر أنّ اقتصاد الهدايا هو مجال دقيق لعب في التاريخ العربي كما في التاريخ الغربي دورا بارزا في توثيق عُرى العلاقات بين الدّول والشّعوب، ولم تكن الهديّة نوعا من التقارب بين السّلاطين والحكّام بل كانت أيضا مرآة عاكسة لذائقة الشّعوب ومدى تقدّم الأمم، وهو ما أدّى إلى التعايش بين الذّات والآخر. ولم تكن الهدايا بالضّرورة أغراضا مادية تعكس التطوّر التقني لشعب من الشّعوب وإنّما كانت كتبا نفيسة أيضا تعكس تطوّر التجربة الفكريّة والرّوحيّة لأمّة من الأمم ممّا زاد في توسيع دائرة التّعارف ونقل المعارف وأدّى إلى الإيمان بأنّ الحضارة البشريّة هي جماع مساهمات جميع الأمم.
ولا أنكر أنّ ثقافات أخرى عرفت جذور الدبلوماسيّة الثقافيّة دون أن تتواضع على هذا المصطلح الذي سيكون له شأنه لاحقًا. ورغم أنّ الباحثين يربطون بين نشأة المصطلح وما حدث من تطوّر في الأوضاع السياسيّة في أوروبا في القرن التاسع عشر ، فإنّني أميلُ إلى إنصاف الحضارات السابقة بمعرفة هذا النوع من التواصل فيما بينها، والذي عكس نوعا من السياسة الثقافيّة الخارجيّة لها، ولا أستبعد أن يكون الرحالة والمستكشفون والتجار والفنانون الذين ساروا في الأرض شرقا وغربا، قد مهّدوا السبيل لتمتين العلاقات الثقافيّة بين الأمم، وكانوا أشبه بدبلوماسيين ثقافيين في العالم. لذلك فإنّ النظرة إلى الدبلوماسيّة الثقافيّة من زاوية موضوعيّة ومحايدة من شأنها أن ترفع الضّيم عن تاريخ طويل للمجتمعات الإنسانيّة غير الغربيّة في العمل على التقارب بواسطة المحتويات الثقافيّة والخيرات الرمزيّة لشعوبها. ولاشكّ فإنّ «التاريخ الدبلوماسي» للحضارات لم يكتبه التاريخ الرسمي، بل لولا كتابات الرحالة لما وقفنا على ذلك الثراء الثقافي الذي تبادلته الشّعوب فيما بينها فكان محتوى أساسيّا لما نسمّيه اليوم بالدبلوماسيّة الثقافيّة، حتّى أنّ بعضا من الكتّاب تفطّنوا إلى ظاهرة «الدبلوماسيّة غير الرسمية» وأثرها في التقارب بين الشّعوب، من ذلك ما عبّر عنه الكاتب الصيني لي تشي شونغ بوجود «السفارة الشّعبيّة من التجار والرحالة العرب»، وكانت الرحلات بين العرب والصينيين ترتكز على المبادلات التجاريّة إلاّ أنّها لم تخلُ من المبادلات الثقافيّة، ويمكن أن نقيس هذه «الحالة» الثقافيّة على سائر المجتمعات والثقافات حيثُ لم تقتصر المبادلات على «التمثيل الرسمي» فالتفاعل الثقافي بين الشّعوب يتدفّق بشكل طبيعي.
إنّ ما أسعى إلى بيانه دائما هو تجنّب كلّ منظور مركزي في مقاربة التاريخ الثقافي للعالم، لذلك فإنّ ولادة «الدبلوماسيّة الثقافيّة» ليست حديثة بالمعنى الغربي، فجذور هذه الظاهرة ممتدّة في تربة الحضارات القديمة أيضا، وهو ما يؤكّد حتميّة الاعتماد على الثقافة كقوّد دافعة لأيّ علاقات بين الدّول في لحظتنا المعاصرة، وبالتالي لا يُمكن النظر إلى «الدبلوماسيّة الثقافيّة» كأداة جديدة في ساحة العلاقات الدوليّة، وإنّما هي أداة حاضرة في مختلف الأزمنة التي شهدت رغبة طبيعيّة لدى الشّعوب في التعارف فيما بينها وفي توطيد علاقاتها واللجوء إليها كسند للتفاوض في فترات الأزمات والخلافات.
المقال القادم: القوة الناعمة،
كيفَ يُمكن أن تغيّر العالم؟.
الدبلوماسية الخليجية والعقلانية السياسية تمنعان حرباً إقليمية
شهدت محافظات إيران احتجاجات ومظاهرات حاشدة وغير مسبوقة - على وقع احتجاجات مدفوعة بتراجع في الوضع المعيشي والاقتصادي... اقرأ المزيد
51
| 18 يناير 2026
أسوأهـم هو الانتقاد لمجـرد الانتقــاد
ننتقد ولكن دون تجريح وننكر دون قذف وتشويه! هذا ما يجب أن يكون عليه الانتقاد لأي ظاهرة تبرز... اقرأ المزيد
54
| 18 يناير 2026
عمليات النصب والاحتيال إلى متى ؟
سيدة متوسطة التعليم وكبيرة في السن يتصل فيها أحدهم مدعيا أنه من البنك الفلاني بخصوص توقف البطاقة الذكية... اقرأ المزيد
39
| 18 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1674
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1413
| 16 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
861
| 11 يناير 2026