رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مها الغيث

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

246

مها الغيث

اقرأ لأن حياة واحدة لا تكفي

18 يناير 2026 , 03:52ص

ومع مضي عام ألفين وخمسٍ وعشرين الذي غادر سريعاً كما حلّ، استحضر ما قرأته سابقاً عن الزمن الذي يمضي فتشيخ معه الأجساد بينما تبقى العقول شابة، وما قاله أبو الطيب المتنبي عن خير جليس في قصيدته الشهيرة: «أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ، وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمانِ كِتابُ»، فإني أجد هذا العام يترسخ في ذاكرتي القرائية بوصفه غزيراً، حيث تَوّجته بقراءة مائة وخمسين كتابا تنوّعت بين مجالات معرفية شتّى. غير أن هذه الحصيلة لم تكن هدفاً عددياً بقدر ما كانت محصّلة رغبة واعية في توسيع المدارك، وبالطبع مع قراءة يومية رصينة دافعها الشغف لا الالتزام! لذا، لا اعتبر ما سيأتي بعد هذه المقدمة احتفاءً بالعدد، بقدر ما هو عرض لجانب مضيء من مسار قرائي، تشكّل كتاباً بعد كتاب.

فمن ضمن قراءات شهر يناير، يأتي كتاب (A Message of Hope from the Angels) أو (رسالة أمل من الملائكة) يعرض تجربة روحية لمؤلفته الإيرلندية (لورنا بيرن)، كامرأة تنعم برفقة الملائكة منذ نعومة أظفارها، تحدّثهم ويرشدونها.. أما في شهر فبراير، فيبرز كتاب (تاريخ ويوتوبيا) لمؤلفه الفيلسوف الروماني (إميل سيوران) وهو يمزّق الإنسان الممزق أصلاً بين التاريخ والمثاليات والذي لم يقوّ بعد على حلّ قضاياه الأساسية، تلك الأشبه بعلاقته بالتاريخ الذي يحاذي أحلامه وكوابيسه، لكنه لم يتمكّن من تناوله بنضج فكري وخطابي وعملي.. ثم يعرض كتاب (أسباب للبقاء حياً) في شهر مارس، سيرة مؤلفه الإنجليزي (مات هيغ) كمكتئب لم يلعن ظلام تجربته، بل أشعل شمعة قادته بالتدرّج نحو التعافي التام.. في حين يهل ربيع أبريل وهو يحمل كتاب (Three Worlds: Memoir of an Arab-Jew) أو (ثلاثة عوالم: مذكرات يهودي-عربي) الذي يتضمن شهادة المؤرخ الإسرائيلي العربي الأصل (آڤي شلايم) في الحق الفلسطيني ضد الاستيطان الصهيوني، وذلك من خلال سيرته التي قطعها بين ثلاثة عوالم متغايرة الثقافة، عربية وعبرية وأنجلوسكسونية.. أما الكتاب الأبرز في شهر مايو، فهو (حياتي في الإعلام)، الذي عرض فيه مؤلفه الفلسطيني (عارف حجاوي) سيرته كإعلامي متوحش في موسوعيته، والذي حين أراد أن يتبسّط لمتابِعه الشغوف، أصدر كتاباً عدّه يسيراً في حين أنه لا يقل ثراءً عما يرويه شفاهةً.. ثم يطلّ في شهر يونيو كتاب (The kybalion) أو (الكيباليون) الذي يُنسب بغموض إلى (مبتدئين ثلاث) عاشوا في القرن التاسع عشر، وضمّنوه مبادئ سبعة عريقة تعرض الكون وخالقه من منظور متقدم ينهل من معين الفلسفة الهرمسية في اليونان ومصر القديمة.. يليه كتاب (زلزال فتح دمشق) في شهر يوليو -ولعله أموياً- والذي يعرض فيه مؤلفه السوري (د. أحمد زيدان) مشاهدات وكواليس وأحد عشر يوماً حاسمة تكفّلت بتحرير سوريا من طغمة جائرة أتت على البلاد والعباد قرابة نصف قرن من الزمان.. ثم وفي حرّ أغسطس، يتولى كتاب (سحر محمول: تاريخ الكتب وقرائها) دوره كساحر دون كتب السحر، حيث تنطلق مؤلفته الإنجليزية وأستاذة دراسات شكسبير (إيما سميث)، من خاطرة تعتبرها حقيقة وهي: تطابق كتب التعاويذ في قوتها وقدرتها على استحضار الشياطين إلى العالم المادي وطردها، مع الكتب عامة.. أما في شهر سبتمبر فيتصدّر الكتاب الجدلي (نقد نظرية النسخ: بحث في فقه مقاصد الشريعة)، الذي يعرض فيه مؤلفه المصري (د. جاسر عودة) قراءة جديدة في فقه النصوص الشرعية.. يتبعه في شهر أكتوبر كتاب (الطب الروحاني وعلم النفس الديني) لمؤلفه الجزائري (د. حشلافي حميد)، وهو كطبيب يؤسس لأنسنة الطب بين الوحي والعلم.. حتى يحين شهر نوفمبر بكتاب الفارابي (آراء أهل المدينة الفاضلة) الذي يرسم فيه بريشة فلسفية، ملامح مدينة، حَلِم بها العقل ذات يوم.. لينتهي العام مع برد ديسمبر بكتاب (War) الذي يُشعله، وقد أحدث ضجة مدوية عن حرب تعكسها عيون المنتصرين، حيث مؤلفه الصحفي الأمريكي الأبرز (بوب وودورد) وهو يكشف عن سيناريوهات عريضة لما دار خلف كواليس ثلاث ساحات ملتهبة، شكّلت المشهد العالمي المعاصر، وهي (الحرب الروسية-الأوكرانية، السباق المحموم على الرئاسة الأمريكية، الحرب الإسرائيلية على غزة)، وقد استند على شبكة علاقات ومقابلات مباشرة عقدها مؤلفه مع صنّاع القرار في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق... والحديث يطول والصفحات لا تتسع!

ومع ختام العام، لم أجد حصاده في عدد الأيام التي عبرت، بل في عمق ما أُنجز خلاله، ولم يكن في حقيقته سباقاً مع الأرقام، بل مساراً متواصلًا من التراكم المعرفي وإعادة تشكيل الأسئلة وصقل الذائقة.. وكأنه عام قُرئ على مهل، حتى غدا الزمن نفسه مادة للفهم، وصارت القراءة فعل عيشٍ موازٍ لا هواية عابرة.

وكما المقدمة، استحضر ختاماً ما قاله المفكّر المصري عباس محمود العقاد في الكتب التي لا تُقصي الحياة بل تضاعفها: «لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة، ولكنى أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني»، وبدوري أقول عن شغف القراءة الذي لا يعرف وقتاً: «أقرأ لأن الليل لا يكفيني.. ولأن النهار وحده لا يتّسع لكل هذا الشغف».

مساحة إعلانية