رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ومع مضي عام ألفين وخمسٍ وعشرين الذي غادر سريعاً كما حلّ، استحضر ما قرأته سابقاً عن الزمن الذي يمضي فتشيخ معه الأجساد بينما تبقى العقول شابة، وما قاله أبو الطيب المتنبي عن خير جليس في قصيدته الشهيرة: «أَعَزُّ مَكَانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سَابِحٍ، وَخَيْرُ جَلِيْسٍ في الزَّمانِ كِتابُ»، فإني أجد هذا العام يترسخ في ذاكرتي القرائية بوصفه غزيراً، حيث تَوّجته بقراءة مائة وخمسين كتابا تنوّعت بين مجالات معرفية شتّى. غير أن هذه الحصيلة لم تكن هدفاً عددياً بقدر ما كانت محصّلة رغبة واعية في توسيع المدارك، وبالطبع مع قراءة يومية رصينة دافعها الشغف لا الالتزام! لذا، لا اعتبر ما سيأتي بعد هذه المقدمة احتفاءً بالعدد، بقدر ما هو عرض لجانب مضيء من مسار قرائي، تشكّل كتاباً بعد كتاب.
فمن ضمن قراءات شهر يناير، يأتي كتاب (A Message of Hope from the Angels) أو (رسالة أمل من الملائكة) يعرض تجربة روحية لمؤلفته الإيرلندية (لورنا بيرن)، كامرأة تنعم برفقة الملائكة منذ نعومة أظفارها، تحدّثهم ويرشدونها.. أما في شهر فبراير، فيبرز كتاب (تاريخ ويوتوبيا) لمؤلفه الفيلسوف الروماني (إميل سيوران) وهو يمزّق الإنسان الممزق أصلاً بين التاريخ والمثاليات والذي لم يقوّ بعد على حلّ قضاياه الأساسية، تلك الأشبه بعلاقته بالتاريخ الذي يحاذي أحلامه وكوابيسه، لكنه لم يتمكّن من تناوله بنضج فكري وخطابي وعملي.. ثم يعرض كتاب (أسباب للبقاء حياً) في شهر مارس، سيرة مؤلفه الإنجليزي (مات هيغ) كمكتئب لم يلعن ظلام تجربته، بل أشعل شمعة قادته بالتدرّج نحو التعافي التام.. في حين يهل ربيع أبريل وهو يحمل كتاب (Three Worlds: Memoir of an Arab-Jew) أو (ثلاثة عوالم: مذكرات يهودي-عربي) الذي يتضمن شهادة المؤرخ الإسرائيلي العربي الأصل (آڤي شلايم) في الحق الفلسطيني ضد الاستيطان الصهيوني، وذلك من خلال سيرته التي قطعها بين ثلاثة عوالم متغايرة الثقافة، عربية وعبرية وأنجلوسكسونية.. أما الكتاب الأبرز في شهر مايو، فهو (حياتي في الإعلام)، الذي عرض فيه مؤلفه الفلسطيني (عارف حجاوي) سيرته كإعلامي متوحش في موسوعيته، والذي حين أراد أن يتبسّط لمتابِعه الشغوف، أصدر كتاباً عدّه يسيراً في حين أنه لا يقل ثراءً عما يرويه شفاهةً.. ثم يطلّ في شهر يونيو كتاب (The kybalion) أو (الكيباليون) الذي يُنسب بغموض إلى (مبتدئين ثلاث) عاشوا في القرن التاسع عشر، وضمّنوه مبادئ سبعة عريقة تعرض الكون وخالقه من منظور متقدم ينهل من معين الفلسفة الهرمسية في اليونان ومصر القديمة.. يليه كتاب (زلزال فتح دمشق) في شهر يوليو -ولعله أموياً- والذي يعرض فيه مؤلفه السوري (د. أحمد زيدان) مشاهدات وكواليس وأحد عشر يوماً حاسمة تكفّلت بتحرير سوريا من طغمة جائرة أتت على البلاد والعباد قرابة نصف قرن من الزمان.. ثم وفي حرّ أغسطس، يتولى كتاب (سحر محمول: تاريخ الكتب وقرائها) دوره كساحر دون كتب السحر، حيث تنطلق مؤلفته الإنجليزية وأستاذة دراسات شكسبير (إيما سميث)، من خاطرة تعتبرها حقيقة وهي: تطابق كتب التعاويذ في قوتها وقدرتها على استحضار الشياطين إلى العالم المادي وطردها، مع الكتب عامة.. أما في شهر سبتمبر فيتصدّر الكتاب الجدلي (نقد نظرية النسخ: بحث في فقه مقاصد الشريعة)، الذي يعرض فيه مؤلفه المصري (د. جاسر عودة) قراءة جديدة في فقه النصوص الشرعية.. يتبعه في شهر أكتوبر كتاب (الطب الروحاني وعلم النفس الديني) لمؤلفه الجزائري (د. حشلافي حميد)، وهو كطبيب يؤسس لأنسنة الطب بين الوحي والعلم.. حتى يحين شهر نوفمبر بكتاب الفارابي (آراء أهل المدينة الفاضلة) الذي يرسم فيه بريشة فلسفية، ملامح مدينة، حَلِم بها العقل ذات يوم.. لينتهي العام مع برد ديسمبر بكتاب (War) الذي يُشعله، وقد أحدث ضجة مدوية عن حرب تعكسها عيون المنتصرين، حيث مؤلفه الصحفي الأمريكي الأبرز (بوب وودورد) وهو يكشف عن سيناريوهات عريضة لما دار خلف كواليس ثلاث ساحات ملتهبة، شكّلت المشهد العالمي المعاصر، وهي (الحرب الروسية-الأوكرانية، السباق المحموم على الرئاسة الأمريكية، الحرب الإسرائيلية على غزة)، وقد استند على شبكة علاقات ومقابلات مباشرة عقدها مؤلفه مع صنّاع القرار في إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق... والحديث يطول والصفحات لا تتسع!
ومع ختام العام، لم أجد حصاده في عدد الأيام التي عبرت، بل في عمق ما أُنجز خلاله، ولم يكن في حقيقته سباقاً مع الأرقام، بل مساراً متواصلًا من التراكم المعرفي وإعادة تشكيل الأسئلة وصقل الذائقة.. وكأنه عام قُرئ على مهل، حتى غدا الزمن نفسه مادة للفهم، وصارت القراءة فعل عيشٍ موازٍ لا هواية عابرة.
وكما المقدمة، استحضر ختاماً ما قاله المفكّر المصري عباس محمود العقاد في الكتب التي لا تُقصي الحياة بل تضاعفها: «لا أحب الكتب لأنني زاهد في الحياة، ولكنى أحب الكتب لأن حياة واحدة لا تكفيني»، وبدوري أقول عن شغف القراءة الذي لا يعرف وقتاً: «أقرأ لأن الليل لا يكفيني.. ولأن النهار وحده لا يتّسع لكل هذا الشغف».
دونالد ترامب كحالة سريرية
ما بال الرئيس الأمريكي وقد أصبح حالة يبحثها الطب النفسي؟ يأتي هذا الكتاب كأكثر الكتب السياسية والنفسية إثارة... اقرأ المزيد
831
| 01 يوليو 2026
عندما يخاف الطبيب: البعد الإنساني في الطب الحديث
يتزامن هذا الكتاب مع لحظة ثقافية يتصدّر فيها النقاش كفاءة الطب، في الوقت الذي يهمل حقيقة ما يعتمل... اقرأ المزيد
237
| 11 يونيو 2026
معرض الدوحة للكتاب كما رأيته
"لطالما تخيلت الفردوس على هيئة مكتبة". لا يبدو الأديب الأرجنتيني لويس بورخيس مفرط الخيال وحسب في فردوسه المتخَيل،... اقرأ المزيد
561
| 01 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4287
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2550
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1167
| 28 سبتمبر 2026