رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أقدم المصرف المركزي على خفض أسعار الفائدة في مبادرة لم نعتدها من قبل , فقد خفض سعر الخصم بنصف في المائدة وجاءت خطوة المصرف المركزي موفقة من حيث مواكبتها لهبوب عاصفة الديون السيادية الأوربية وتعرض قطاعها المالي لضغوط غير مسبوقة , وجاء تخفيض أسعار الفائدة الأخيرة مفاجأة سعيدة حيث ظهر فيها المصرف المركزي على غير عادته , من تفاعل مع أحداث الأسواق وتقلباتها ورد فعل موفق فالتوقيت لم يكن ليكون أفضل ففي الوقت الذي تعرضت فيه الاسواق لحالة من التوتر وعدم اليقين وهي في اشد الحاجة للدعم تقدم المصرف المركزي بخفض اسعار الفائدة مما يوفر السيولة للقطاع المالي ويدعم النمو الاقتصادي ويحصن السوق المالي والعقاري ضد أي هزات محتملة جراء تداعيات عدم الثقة والغموض الناتج عن تصدع صورة المشرع الأمريكي والذي عادة ما تعتمد عليه الأسواق العالميه في فترات الأزمات , واذا به يكون مصدر الهزات والازمات مما يزيد من مخاطر الاستثمار ويدخل المستثمرين مؤسسات وافراد في دوامة التكهنات بما هو ممكن وما هو متوقع , وتزامن ذلك مع تبعات الازمه الماليه وما أعقبها من ارتدادات سلبية ليس اقلها ازمة الديون الغربية وفي الوقت الذي يواجه العالم أزمة الديون السيادية الغربية , يظهر علينا مشهد صياغة القرار في الولات الأمريكيه بمظهر لا يليق ببعض الدول الفاشلة , مما يجعل امكانية تكرار ذلك في المستقبل أمرا محتملا وجعل الاقتصاد العالمي معرضا لاحتمالات تكرار الأزمات وتردي النمو الاقتصادي العالمي مما يزيد من التكهنات بتعرضه للركود السبب الرئيس لما تعانيه الاقتصادات المتقدمة وخاصة أوروبا وأمريكا من تفاقم العجز وفي ميزانياتها وتعرضها لتخفيض الجدارة الائتمانية , وعليه فإن اصحاب القرار في بلدان العالم لا بد أن يأخذوا تبعات قراراتهم في الحسبان قبل الاقبال على سن قوانين او وضع سياسات تكون بمثابة مسمار في نعش الاقتصاد العالمي , وفي وقت أصبح فيه الاقتصاد العالمي لا يحتمل الهزات ويرتبط ببعضه البعض لدرجة التكامل فاي اقتصاد يتعرض لأزمة سيتسبب في تدني الثقة في الاقتصاد العالمي ,فليس هنالك هامش يكفي لمناورات أو أخطاء أوقرارات غير مدروسة العواقب , ولذلك نحن في مرحله تاريخية لم يسبق لها مثيل في مدى مسؤولية كل متخذ قرار في العالم أمام دول العالم فلم تعد هنالك قرارات محلية بمعناها المتعارف عليه تاريخيا فكل قرار محلي له آثار عميقة على الاقتصاد العالمي وكلما كبر اقتصاد تلك الدولة بدت مسؤولياتها أمام العالم أكبر واعتماد دول العالم على قرارات حكيمة أكبر فليس هنالك مجال للتجربة والاختبار على حساب اقتصادات العالم والمشاكل البينية تظل محكومة بمدى تعرضها للاقتصاد العالمي , وكيفية تعامل كل دولة ومدى حساسيتها لأثر قراراتها على الاقتصاد العالمي أما أن يكسبها سمعة طيبة وأما أن سمعة سيئة وستحاسب على خشبة المسرح العالمي فتكسب قوة ناعمة تمكنها من تحقيق مصالحها او تفقد تلك القوة الناعمة وتفقد القدرة على التأثير في القرارات العالمية , فكون الدولة صاحبة مسؤولية وسيمكنها من تحقيق رؤيتها وتحصل على سماع الأطراف الدولية لشكواها ومطالبها أما الدول التي ستكون مصدر اختلالات وعدم ثقة ...اذن العالم ودول أوروبا وامريكا أصبحت مهددة وعلى شفير حفرة من تلك المصائب ومثل هذا المصير تاريخيا كان يهدد الدول الفقيرة وغير المستتبة أمنيا , وتأتي خطوة المصرف المركزي في ظل تلك الظروف لتعطيه مصداقية وتعزز من إمكانيات النموا الاقتصادي في الدولة وتمنح المصرف الاستقلالية التي يحتاجها ليؤثر على رؤية الاقتصاد المستقبلية من خلال اكتساب الثقة من طرف المستثمرين لان الخطوة التي أقدم عليها المصرف المركزي لم تكن تقليدية أو مواكبة لخفض اسعار فائدة من قبل المصرف المركزي الأمريكي اوالمصرف المركزي الاوروبي فقد جاءت خطوة المصرف المركزي الوطني بشكل مستقل اعطت انطباعا بأن المصرف المركزي يملك القرار في مسائل السياسة النقدية وهذا يضفي بعد استقلالية القرار ويمكنه من التعامل مع بعض خصوصيات الاقتصاد الوطني بعيدا عن الارتباط الاعمي بالسياسات النقديه الامريكية والتي عادة ما تكون غير مناسبة لدورات الاقتصاد الوطني لاسباب عدة لا يتسع لها المجال هنا , ولذلك اصبح لدينا سياسة نقدية مرنة ... اما في الماضي فلم نملك الحد الادنى من الاستقلالية بل في كثير من الاحيان تكون ردات فعل المصرف المركزي الامريكي ليست في صالح الاقتصاد الوطني لاسباب اقلها ان اقتصادنا يعتمد على النفط والغاز في الوقت الذي يحتاج فيه الاقتصاد الامريكي للنفط والغاز لتحفيزه أي في حال ارتفعت اسعار النفط والغاز فهي في صالح الاقتصاد الوطني وليست في صالح الاقتصاد الامريكي اي ان الاقتصاد الوطني والامريكي على طرفي نقيض لذلك فلا بد ان تعكس السياسه النقديه ذلك من خلال استخدام ادوات السياسة النقدية كي تعطي نتائج في الغالب متباينة لما تتطلبه السياسة النقدية في امريكا .
وبطبيعة الحال وجب وضع سياسات نقديه في معظم الأحيان تخالف السياسات النقديه الامريكيه . ولكن لم نر ذلك في الماضي وكلما طالبنا بمراجعة اهداف السياسة النقدية في الدوله كلما أوغل المصرف في صمته , لذلك فإن رؤية المصرف في شكله الجديد هي نسمة هواء نقي قد يكون السبب في ذلك هو الاتحاد النقدي ومحاولة مواكبة اسعار الفائدة في المنطقه وكانت فرصة لا تعوض من اجل تقريب اسعار الفائدة المحلية واسعار الفائده في منطقة الخليج بشكل خاص والعالم بشكل عام , او قد يكون السبب هو اعادة تنظيم المصرف ووجود مجلس اداره مكٌن المصرف من استقلالية لقرار عن سياسات الدولار النقدية , او قد يكون السببان مجتمعان , على كل حال اي كان السبب ما فى خطوة المركزى فهو مؤشر فى استقلالية القرار فيما يخص السياسة النقدية , ومواكبة ذلك للاوضاع الاقتصادية والضغوط على الاقتصاد العلمي وقراءة ذلك تستحق الاشاده , قدرة المصرف على اتخاذ ذلك القرار في وقت لم تقدم عليه المصارف المركزية يستحق خطوة ايجابية واستباق أي تبعات سلبيه لما كان يحدث في الاسواق العالميه يستحق الاشادة , وحتى لا يشط المتابعون والمهتمون من رجال مال واعمال ومستثمرين ومراقبين نرجو من المصرف المركزي تعيين ناطق رسمي يوضح توجهات المصرف دون الحاجة للتكهنات والاشاعات , الآن وقد اقدم المصرف المركزي على خفض اسعار الفائدة يبقى مؤشر الاسعار ومعدل التضخم ورؤية معدل النمو في الاقتصاد المحلي هل هناك هامش لخفض اخر وهل مؤشرات الاسعار يسمح بذلك , فلا يزال الهامش بين اسعار الفائده في الاقتصاد المحلي واسعار الفائدة في منطقة الخليج يوحي بان المصرف قادر ويحتاج لخفض اخر بمقدار اثنين الى اثنين ونصف في المائة , من ناحية ولكن معدلات التضخم قد لا تسمح بذلك حيث انها تحوم حول الثلاثة الى ثلاثة ونصف مما يعني أن المصرف سيواجه بعض الصعوبة للوفاء بالتزامه بمعايير الوحدة النقدية , واذا اضفنا على ذلك الزيادة في الاجور والتي بلغت 60%فان احتمالات زيادة الضغوط التضخمية ستكون اكبر بكثير في المستقبل المنظور , خاصه وان المستهلكين والاسر سوف تجد الفرصة لتحقيق متطلباتها المتأخرة , والمصارف ستجد نفسها في حال افضل بكثير لتحسن مداخيل عملائها وتحسن إمكانيات السداد لديهم مما سينقذ الكثير من الديون من حالة التعسر الى امكانيات سدادها , وهذا سيخلق مفارقات لن يكون المصرف المركزي بقادر على احتوائها حتى تتضح الصورة بعد فترة قد لا تكون قصيرة من اجل معرفة اثار الزيادة في الاجور واثرها على معدلات الفائدة , مما قد يؤدي الى تأخير الوحدة النقدية اذا كان توحيد اسعار الفائدة شرط ضروري لإكمال مشروع الوحدة النقدية , وإذا اضفنا لكل ذلك مشاريع كاس العالم وغيرها تزيد ضبابية امكانية الالمام بمدى تأثر الاقتصاد بكل هذه العوامل مجتمعة , وكل هذا يضع المصرف المركزي في مكان لا يحسد عليه خلال الفترة القادمة من أجل تحديد الخطوات القادمة في مسلسل السياسات النقدية .
والله من وراء القصد
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2820
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1062
| 26 فبراير 2026