رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لأجل تفكيك الإرهاب والنجاح في التصدي له، لا بديل عن تجديد الخطابين السياسي والأمني وفتح الأبواب للاجتهاد فيهما.
(١)
رسالة الإرهاب في الأسبوع الثاني من شهر أبريل الحالي كانت أفصح من سابقتها، إذ في اليوم الثاني عشر من الشهر اقتحمت سيارة محملة بالمتفجرات قسم شرطة ثالث العريش، الأمر الذي أسفر عن سقوط ستة قتلى بينهم رئيس المباحث وإصابة خمسين شخصا حسب التصريحات الرسمية. وكان الجيش قد أعلن صبيحة اليوم ذاته أن ستة من أفراده استشهدوا وأصيب اثنان، جراء تدمير مدرعة كانت تقلهم.
بعد ذلك بيومين ــ في ١٤ أبريل ــ وقعت عدة تفجيرات استهدفت أبراج الكهرباء في مدينة ٦ أكتوبر بالقرب من القاهرة، منها ما أصاب برجين للضغط العالي في منطقة المصانع، ومنها ما استهدف البرج الذي يغذي مدينة الإنتاج الإعلامي، الأمر الذي تسبب في وقف بث عدة قنوات لبعض الوقت.
يوم ١٥ أبريل انفجرت قنبلة في إستاد كفر الشيخ، مما أدى إلى مصرع اثنين من طلبة الكلية الحربية وإصابة ٦ آخرين.
هذه الأحداث التي تتابعت خلال الأيام ١٢ و١٤ و١٥ أبريل، كان لها صداها السريع في دوائر السلطة، ذلك أن الرئيس عبدالفتاح السيسي دعا إلى اجتماع حضره قادة الجيش والشرطة في اليوم التالي مباشرة (١٦ أبريل) لمناقشة الموقف. وجاءت عناوين صحف الجمعة ١٧ أبريل معبرة عن أجواء الاجتماع وخلاصته. فكان العنوان الرئيسي لجريدة «الأهرام» كالتالي: مواجهة الإرهاب بقوة وحزم. أما جريدة «الشروق» فقد تحدث عنوانها الرئيسي عن: مجلس حرب على الإرهاب في القصر الرئاسي. وهو ذات المعنى الذي عبر عنه عنوان جريدة «المصري اليوم» حين ذكر أن: الملف الأمني يسيطر على اجتماعات السيسي ومحلب. أما عناوين جريدة «الوطن» فقد كانت أكثر إفصاحا، إذ جاءت كالتالي: السيسي غاضب من الأمن ــ الرئيس يبدي استياءه من التعامل الأمني مع سلسلة التفجيرات الأخيرة ــ أهالي شهيدي الكلية الحربية: حاسبوا الذين قصروا في حماية أولادنا.
(٢)
ما الذي يعنيه ذلك؟
لابد أن ننحي جانبا التعليقات الساذجة التي حاولت أن تصرف الانتباه عن حقيقة رسالة الإرهاب التي أقلقت رئيس الدولة ودفعته للمسارعة إلى عقد اجتماع مع القيادات الأمنية لمحاولة تدارك الموقف، إذ حين تقول افتتاحية جريدة محترمة إنه في كل هجوم خسيس يخسر الإرهاب وتكسب مصر، وحين يقول أحد المحللين الاستراتيجيين إن التفجيرات سوف تستمر طالما استمرت نجاحات الرئيس السياسي، فإننا نصبح إزاء محاولات للتدليس والضحك على عقول الناس، خصوصا أن أحدا لم يدلنا على الذي كسبته مصر من التفجيرات، فضلا عن أن هذا الكلام يريد إقناع الخلق بأن النجاحات التي تداعب أحلامهم هي التي تجلب إليهم كابوس الإرهاب وتفجيراته.
إن الموقف يستحق تفكيرا أفضل يتسم بالجدية والمسؤولية، ذلك أن ما حدث حين يقع بعد مضي ٢٢ شهرا من المواجهات التي لم تتوقف مع مختلف مظاهر العنف والإرهاب فهو يعني أن ثمة خطأ أو خللا ما أوصلنا إلى هذه النتيجة، وحين نفكر في الموضوع فينبغي أن ننطلق من الإقرار بعدة أمور منها ما يلي:
● إننا لم نتعرف بعد على ملامح خريطة الإرهاب، وإزاء تعدد الجهات التي اتهمت بالضلوع فيه، فلم نعرف بالضبط من فعل ماذا. ولا ينسى في هذا الصدد أن تفجير مديرية أمن الدقهلية في ٢٤ ديسمبر ٢٠١٤ اتهم فيه الإخوان وبناء عليه صدر قرار مجلس الوزراء باعتبارهم جماعة إرهابية في اليوم التالي مباشرة، إلا أنه بعد يومين بثت جماعة أنصار بيت المقدس بيانا وشريطا أكدا مسؤوليتها عن الحادث.
● إن العمليات الإرهابية ليست مقصورة على مكان واحد، ولكنها تتحرك في مختلف المحافظات، وما حدث في الأسبوع الذي سبقت الإشارة إليه يشهد بذلك، فعملية العريش في شمال سيناء أعقبتها عملية أخرى في ضواحي القاهرة، ثم عملية ثالثة في كفر الشيخ، بقلب الدلتا.
● إن سيناء بعد حظر التجول فيها ورغم إجراءات التمشيط والحملات العسكرية التي لم تتوقف في البر والجو، لا تزال لغزا لم نستطع حله، وإشكالاً لم نستطع حسمه، ومن الواضح أن كل الإجراءات الأمنية على شدتها وقسوتها لم تفشل في القضاء على الإرهاب، فقط، وإنما خلفت من الدمار والضحايا بأكثر مما حققت من الأمن والسلام. وهو ما حول سيناء إلى جرح كبير ووجع مزمن جعل أرض الفيروز أرضا للأحزان.
● إنه لا يوجد أفق خارج النطاق الأمني للتعامل مع المشكلة، وإذا كان اجتماع الرئيس السيسي مع القيادات الأمنية دون غيرها في أعقاب الأسبوع الدامي له دلالته في هذا الصدد، إلا أن الدلالة الأكبر تمثلت في صدور قانون الكيانات الإرهابية في منتصف شهر فبراير الماضي. وسبقه في أكتوبر من العام الماضي إصدار القانون الذي اعتبر المنشآت الحيوية منشآت عسكرية. وصياغة القانون الأول تسمح الاستباحة بأي مواطن باعتباره كيانا إرهابيا (إذا اتهم بالإضرار بالبيئة أو السلام الاجتماعي أو النظام العام). أما الثاني فإنه يحول محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري من استثناء مكروه إلى قاعدة مستقرة، لا نستطيع لها ردا ولا نقضا.
(٣)
إذا أقررنا بما سبق، وسلمنا بحقيقة أن السياسات المتبعة لم تنجح في القضاء على الإرهاب، وإذا أردنا أن نحصل على نتيجة مختلفة عما شهدناه ولمسناه، فينبغي أن نفكر بطريقة مختلفة، وتلك مغامرة كبرى، لأننا في هذه الحالة سوف نصطدم بمفاجأة لا تخطر على البال، إذ سنكتشف أن باب الاجتهاد في هذا الموضوع بالذات مغلق ولا سبيل إلى فتحه. ليس ذلك فحسب، وإنما سوف تتعرض أي محاولة من ذلك القبيل للتشهير والتجريح والاتهام. وذلك أمر لا يخلو من مفارقة. ذلك أنه في حين تعلو الأصوات وتشن الحملات داعية إلى تنقيح ومراجعة كتب التراث، باسم التجديد الديني، ويفسح المجال لكل من هب ودب لتسفيه آراء أئمة كبار وعلماء أجلاء مثل ابن تيمية والبخاري وأبوهريرة وغيرهم، فإن الباحث في زماننا لا يجرؤ على المطالبة بمناقشة أو نقد تقارير ضباط جهاز أمن الدولة. وهي التي باتت تقدم باعتبارها مسلمات تنبني عليها قرارات بإعدام مئات وسجن ألوف وتضييع مستقبل شباب كل جريمتهم أنهم اعترضوا على بعض القوانين الظالمة. وإذ يحتج في رد مقولات الأئمة الكبار بأنهم رجال ونحن رجال ــ وذلك صحيح لا ريب إذا تساوت المعارف والمقامات ــ فإن تقارير الأجهزة الأمنية تضفي عليها قداسة لا تسمح بردها، باعتبارها تقارير «سيادية» أصدرها من لا نعرف ولا يسأل عما يفعل. وتكون الخلاصة في نهاية المطاف أن الباب مفتوح على مصراعيه للتهريج باسم الخطاب الديني، لكنه مغلق أمام أي مراجعة أو مناقشة موضوعية للخطابين السياسي والأمني. وسنجد مثقفين وسياسيين وإعلاميين يهللون للعبث بالخطاب الديني، في حين يقفون بمنتهى الخشوع والاحتشام والانصياع أمام مفارقات الخطابين السياسي والأمني. ولابد أن تدهشنا وتعقد ألسنتنا في هذه الحالة تلك الجرأة التي يخوض بها البعض في الخطاب الأول، إذا ما قورنت بالتقديس والتسليم الذي يعامل به الخطاب الثاني.
في هذا الصدد لا مفر من الاعتراف بأن منابر التعبير وتشكيل الرأي العام في مصر ــ أغلبها إن لم تكن كلها ــ خاضعة لنفوذ الأجهزة الأمنية وإدارات التوجيه المعنوي. وهو ما كشفته عنه بعض التسريبات التي جرى بثها، وسمعنا فيها بآذاننا كيف تتم هذه المسألة في وسائل الإعلام بصورة يومية. وكيف تعالج مختلف القضايا العامة على النحو الذي يخدم الخط السياسي والاعتبارات الأمنية. إضافة إلى ذلك، فمما لاشك فيه أن الاستقطاب الحاصل في المجتمع ألغى إلى حد كبير إسهام المثقفين والسياسيين في التناول الموضوعي والمستقل لمختلف القضايا المطروحة، الأمر الذي أخرجهم من دائرة الاجتهاد المنشود. ذلك أن أغلب هؤلاء فقدوا حيادهم وانخرطوا في الانتصار للخطابين السياسي والأمني حتى في تضييقه على الحريات العامة وانتهاكاته لحقوق الإنسان. صحيح أن ذلك لا يخلو من إيجابية، من حيث أنه كشف عن الوجه الحقيقي للعديد من الرموز السياسية والتي حسبناها وطنية مستقلة، إلا أن ذلك كان على حساب أهداف الثورة وتطلعاتها.
(٤)
وحده إطلاق الحريات العامة وفتح باب الاجتهاد في تحليل ظاهرة الإرهاب هو الذي يوفر الإجابة الصحيحة على العديد من الأسئلة المعلقة في الفضاء، والتي لم نتلق لها إجابة مقنعة طوال الاثنين والعشرين شهرا التي مضت، من هذه الأسئلة ما يلي:
● لماذا تغيب السياسة عن معالجة القضايا الراهنة، ولماذا ينفرد الأمن بتقرير مصير الأحداث في مصر؟
● هل هناك تصور لحل أزمة الاستقطاب والاحتقان السياسي في البلاد؟ وإذا كان ذلك التصور موجودا فمن الذي وضعه ولماذا لا يشترك المجتمع في الاطلاع عليه ومناقشته؟
● إلى أي مدى أسهمت السياسات الأمنية في إشاعة التوتر والنزوع إلى العنف والثأر، ومن ثم شكلت تربة مواتية لتصاعد مؤشرات الإرهاب؟
● لماذا يلاحق ويتهم الإرهاب الذي تمارسه الجماعات ويغض الطرف عن العنف الذي تمارسه الأجهزة الأمنية ويحصن الضالعون فيه؟
● ما هي الجماعات التي تمارس الإرهاب في مصر، وهل هي جماعة واحدة تدير العملية، أم أنها جماعات عدة تختلف أساليبها وأهدافها؟ وإذا كان هناك عقل واحد يدير ويخطط كما يذهب البعض، فبماذا يفسر التفاوت الشديد في مستوى الأداء، بين عمليات بالغة التعقيد وشديدة الإحكام والكفاءة تمارس في سيناء مثلا، وبين قنابل بدائية ومخططات ساذجة تنفذ في القاهرة والمحافظات الأخرى.
● لماذا فشلت الجهود العسكرية في القضاء على الإرهاب في سيناء؟ وبماذا يفسر اتجاه أنصار بيت المقدس إلى ارتكاب عمليات إرهابية في أنحاء مصر، في حين أنها حصرت جهدها في الماضي في محاولة التصدي لإسرائيل ومخططاتها؟ وما هي طبيعة التفاهمات المصرية ــ الإسرائيلية حول إجراءات مواجهة الإرهاب في سيناء؟
● هل مخابرات الدول الكبرى ضالعة حقا في مؤامرة إشاعة عدم الاستقرار في مصر، وإذا صح ذلك كما ذكرت الصحف المصرية فيما نقلته عن المصادر السيادية، فكيف استقبلت القاهرة مدير المخابرات المركزية الأمريكية، وهي التي تحتل رأس أولئك الذين اتهموا بالتآمر على النظام القائم؟
● ما مدى نسبة الافتعال في القضايا المعروضة على المحاكم التي بسببها تم الزج بمئات المهتمين في كل قضية؟
● كم عدد المعتقلين السياسيين الذين يجري التمديد لاحتجازهم منذ أكثر من عام، دون أن يقدموا إلى التحقيق أو يعرضوا على أي محكمة؟
● لماذا لم يتحقق وعد الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي كرره أكثر من مرة منذ شهر يناير الماضي بإطلاق سراح الأبرياء والمظلومين الذين كانوا ضحايا حملات التمشيط والاعتقال العشوائي؟
لن نستطيع أن نتصدى بشكل جاد للإرهاب إلا إذا قمنا بتفكيك الظاهرة، وفتح باب الاجتهاد في الموضوع، والكف عن إرهاب وتوزيع الاتهام بالتآمر والأخونة والخيانة لكل من حاول أن يقول رأيا يختلف عن الصياغات الأمنية المقررة لتجاوز أزمة السياسة في مصر، أخطأ في ذلك أم أصاب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8742
| 27 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
3318
| 30 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2940
| 30 أكتوبر 2026