رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التماس مع ميدان التحرير في هذه المرحلة الحرجة للثورة المصرية يحيل الأفكار والرؤى إلى واقع، يخصبها، ويفرض ثأر الدم والعرض عليها أن تكون أقرب إلى الحقيقة من أن تكون مجرد قراءة للواقع عن بعد أو أحلام أو كوابيس، وتغني عن التشبيه والأمثلة، هناك في التحرير يكتب تاريخ جديد للشعب المصري، ترتفع هامات وتسقط الأقنعة، ليبين لكل الأطراف حقيقة من يقتل الثورة ويحولها إلى مغنم، ومن يخادع الشعب ويحولها إلى استفتاءات وانتخابات، وهؤلاء الذين استدرجوا إلى المجلس الاستشاري لم يجدوا غير ربيب السادات ليعمدوه رئيسا لهم، ليخرج على الناس قائلا: لقد صبر المجلس العسكري على الشباب (البلطجية) ووجب وقفهم بكل حزم، فتخرج موجات القتل للشباب فجرا وأنا أكتب المقال بعد مغادرة الميدان بساعة واحدة.
المشاهد التي نقلت على الشاشات والصور لليلة الجمعة 16 السبت 17 ديسمبر كانت توحي أن من أصدر الأوامر لا يمكن أن يكون مصريا، وأوامره كانت لصفوة الجيش المصري، رجال المظلات!! من فعلها؟، من استحل سحل المصريين فوق الإسفلت؟ من استحل قتل الشيخ الأزهري برصاصة من طبنجة في القلب؟ من سحل السيدة المصرية وعراها على الإسفلت؟ من أصدر أوامر القتل ليستشهد 10 بين مهندس وطبيب وطالب وشيخ من الأزهر؟ من حرق المركز القومي للوثائق ومنع إطفاءه وحال دون أن ينقذ الشباب محتوياته وجلس كما نيرون يغني "سأحرق روما" غير واع أن نيرون ذهب وبقيت روما، وأن كافة الغزاة قد ذهبوا وبقيت مصر؟ من حشد مدنيين فوق سطح ملحق المجلس النيابي ووفر لهم كسر الرخام ليقذفوا به الشباب؟ ويقذفوا كرات النار ببهجة عارمة ويستخدمون الألعاب النارية ليقذفوا بها حتى حرقوا التاريخ والأخلاق معا؟ هل أدرك المجلس العسكري ومن أصدر الأوامر بكل هذا معنى مظاهرة الآلاف من طب عين شمس والأطباء تخليدا لشهيدهم؟ هل أدركوا معنى جنازة الشيخ الأزهري؟ هل أدركوا أنهم يفسدون في الأرض وجزاء ذلك أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؟ وهل أدرك المتلهون بصناديق الانتخابات أن مستقبل مصر يسطر بعيدا عنهم وأنهم ليسوا أكثر من اصطفاف خارج الثورة؟
كان تعليق "أيمن" من ثلاث ليال بأنهم لن يتوقفوا حتى تتم تصفية الكل وبدون رادع، فتصفية الشباب هي تفريغ للثورة من عصبها، وأكمل ساعتها قائلا: سيهاجموننا الليلة؟ وهو ما حدث، كان ذلك سببا كي أعود إلى الصديق "منير" أسأله أن التقي "أيمن" كي أسأله كيف يري الصورة الليلة، وما الذي يتوقعه مستقبلا؟
قبل أن نلتقي استمر الحديث مع "منير" متصلا فهو حوار لم ينقطع منذ أن خرج من محاكمة عسكرية بحكم سنة مع الإيقاف، كان رأي منير منذ ليلتين أن النهاية مفتوحة، وأن أهل الميدان انتقل موقفهم من رفض حكومة الجنزوري والمطالبة بحكومة إنقاذ وطني، إلى المطالبة بالثأر.. دم الشباب وعرض السيدات، فالأمر ليس مجرد القتل والسحل، بل أيضاً الاتهامات في الأعراض، ويتولاها الإعلام بالنشر والتلميح، وأخبرني أن حشودا من 40 لوري للأمن المركزي وصلت، وجميعهم في زي مدني وهو ما يؤكد أن الليلة (الأحد الاثنين) سيحدث هجوم جديد، ووصلته مكالمة تليفونية تخبره أنه تم رصد نقل أنابيب بوتاجاز في الخطوط الخلفية للقوات خلف الجدار العازل، وهو جدار بناه الجيش في مدخل شارع القصر العيني، كما بني جدار مماثل على مدخل شارع محمد محمود من ناحية التحرير.
تواصل الحديث السريع حتى نجحنا في الاتصال بأيمن، التقينا، ليقول نحن كفيلون بهم، ولكن مشكلاتنا الإعلام، التواصل مع الشعب، والنخبة الذين يكمنون إلى أن يصل الموقف إلى ذروته ويتدخلون ليجنوا الثمار، وليضيف منير أن "الأفندية" ـ كما يسمي أهل التحرير نخبة الشاشات التلفزيونية ـ حاولوا إسكات الشباب ليتفاوضوا فنالوا من الشباب هتافات أحالتهم إلى اتباع للنظام وجردتهم مما يدعون.
أيمن يدرك أهمية التواجد وأهمية الجذوة المشتعلة، منير يدركها، الكل يدرك حقيقة أن الثورة في خطر، يرصدون موقف الإخوان والسلفيين، يحللونه، نخرج بقناعة أن كل دقيقة تمر من عمر الصمود هي اقتراب من لحظة النصر بشرط الإعداد الجيد للقادم من مواقف، واستقر الكل على أنهم يملكون مخططا ويستفزون الشباب ليوجهوا له الضربات المتتالية لإجهاض أي محاولة للتعبير أو الاعتصام ورفع المطالب الأساسية للثورة، كان واجبا أن أرحل، ولم يكن ممكنا أن أطلب منهما الرحيل، ولكن كان مطلبي، حافظوا على أنفسكم.
الآن الكل يواجه الحقيقة كاملة، قائد المنطقة المركزية ورئيس العمليات وقائد الشرطة العسكرية جميعهم وراء الأوامر الصادرة بالتعامل مع المعتصمين، وأسلوب التعامل، وهذه الجريمة لا تسقط بالتقادم، والمطالبة بمحاسبتهم وتقديمهم للمحاكمة صارت مطلبا لأهل التحرير.
ويتداعي تساؤل آخر هل بإمكان هؤلاء الثلاثة أن يصدروا أوامرهم دون موافقة ومباركة المجلس العسكري؟
وتداعي سؤال آخر، هل هناك بالمجلس العسكري انقسام؟ وهناك من يزرع الفتنة بين الشعب ورجال الجيش؟
وسؤال ثالث كيف بجيش مصر أن يقبل تغيير عقيدته القتالية؟ وبدلا من أن يراجع أفعال الأشهر الماضية منذ الثورة حتى اليوم أن يقبل بتحويل مهمته إلى قتل الشعب الذي هو الوطن؟ فما هي عقيدته القتالية ومن هو العدو؟
وتأبى يد الله إلا أن تضيف خزيا فوق أفعالهم، فينفجر خط أنابيب الغاز للمرة العاشرة في نفس اليوم.
امتلك المجلس العسكري ناصية الأمر سواء بالتشكيل المدجن للمجلس الاستشاري، أو بنتائج الانتخابات التي نجح فيها مناصريه من الأحزاب الدينية، كما جاء من متحف الوزراء برئيس لا علاقة له بالثورة أو أهدافها، وهو من أتباع النظام البائد، بل تحيطه اتهامات توشكى الذي لم يحقق عائده، وأكبر منصب كان يجب وضعه فيه هو مسؤولية أن يحقق نتائج توشكى أو يحاكم بتهمة تبديد المال العام.
أخذ المجلس العسكري جميع أدواته إلى السقوط، وأضاف غير المطالبة برحيله، بضرورة محاكمة ثلاثة من رجاله بتهمة القتل العمد، فلمصلحة من يفعل كل هذا؟
ما الذي يهدف إليه المجلس العسكري؟
لقد أصابوا من أصابوا فجر الاثنين واعتقلوا من اعتقلوا، ولكن الشباب دفعهم إلى خارج الميدان، واستعادوا الميدان مع طلعة النهار، فلماذا عمليات الإجهاض هذه؟ لمصلحة من؟
هل يحاول البقاء في السلطة؟ كيف وهو يزرع الثأر مع الشعب؟
هل يحاول تمكين رئيس وزرائه من دخول مجلس الوزراء؟ وكيف سيستقر وسابقه جاء من التحرير ورفضه الشعب بعد ذلك لأن المجلس العسكري كبل يداه.
لقد تجدد الثأر مع وزارة داخلية الجنزوري وليس أمامه سوى أن يحمل كفنه على يديه ويرحل؟ فالثأر معه يفتح باب القتل المتبادل؟ فهل تطيق مصر هذا الأمر لجريمة اقترفها ثلاثة من رجال الجيش المصري دون أن يقدموا للمحاكمة؟
الموقف الآن في أدق لحظاته، الكل اكتسب عداء الشعب، وجرت محاولة لتقسيم الشعب إلى مع المجلس وضده، وانتقلت إلى تشويه الشباب، لينقسم الشعب إلى مع الشباب وضده، ومازال موقفكم من البلطجية هو الاستخدام، وليس أدل من ذلك إلا ما جرى بعد الساعة الواحدة من فجر الاثنين عندما مرت عناصر تابعة للقوات المسلحة تطلب من المقاهي والمحلات الإغلاق لأن البلطجية قادمون؟ وهل لدى المجلس استطلاع مبكر رصد دخول البلطجية إلى ساحة القتال؟
لقد نقلت أفعالكم الشباب إلى تصعيد جديد في المطالب، فمطلبهم أصبح إعدام مبارك ومن معه، وتطهير مبنى الإذاعة والتلفزيون ممن فيه. وتطهير الجيش قبل عودته إلى ثكناته بمحاكمة قتلة الشباب، ومحاكمة كل من قتل أو عذب أو انتهك عرضا، لقد انتقل رجال المنطقة المركزية من كشف العذرية إلى تعرية النساء سحلا فوق الإسفلت، فهل تعتقدون أن هذا سيمر دون حساب، حتى لو خرج كل شيوخ الأزهر الذين أكلوا لحم الشهداء بتأييدهم لكم وهجومهم على شباب، حتى لو خرجوا جميعهم معكم، فسيخرج الشعب يوما عليكم وعليهم.
إن بقاء الجنزوري في مكانه هو المفجر للعصيان المدني، وليس من إدانة له أكثر من كونه يدير أمره من خلف جدار عازل بينه وبين الشعب.
وبقاء مجلسكم الاستشاري هو إعدام للثقة أنكم تريدون الوصول إلى بر السلامة لوطن أراد شعبه الحرية وسينالها.
وخديعة الصناديق انكشفت، وسيتحول مجلس الشعب إلى نصب الشيطان ليرجمه الشعب.
وها هو الشباب قد أحس بحاجته إلى التنظيم والحشد والقيادة، رغم كل من اندسوا بينه بناء على رغبتكم وتحت إمرتكم ليبولوا في رأسه، فالشباب يدرك متى يسمع، وفي أي لحظة يغلق أذنه عن لغو القول.
أمامكم خطوة واجبة، وهي المحاكمة السريعة لمن قتل وعذب وسحل، وعلنية، وأحكام تتناسب وعمق الجرح.
لقد أعادت الثورة لكم كرامة العسكرية المصرية عندما التف الشعب من حولكم، ولكنكم أبيتم إلا أن تأخذوا موقفا مغايرا لإرادة الشعب، ستحاسبون عليه أمام الشعب وأمام التاريخ.
أليس هناك رجل رشيد يعيد الأمر إلى نصابة، لتتشكل حكومة الإنقاذ الوطني كما طالب بها الشباب، ويأخذ على يد من قتل وعذب وسحل وعري الأعراض، ويعيد إليكم شموخ رجال مصر والعسكرية المصرية؟
إن مصر تدخر جيشها ليوم آت لا ريب فيه في مواجهة الصهيونية العالمية، فلمصلحة من تغيرون عقيدة الجيش القتالية، ولمصلحة من تزرعون الفتنة بين الشعب وجيشه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يفترض أن يشعر الموظف بالاطمئنان عندما يدخل المدقق الداخلي إلى إدارته؛ فهو لا يأتي لإدانة أحد، بل للتأكد من سلامة الإجراءات، وحماية المؤسسة من المخاطر، ومساعدة المسؤولين على اكتشاف الخلل وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة. لكن هذا الاطمئنان يتبدل إلى خوف عندما يفقد التدقيق استقلاله، ويتحول من عين تحمي المؤسسة إلى عصا غليظة في يد الرئيس التنفيذي، يلوّح بها في وجه مَن لا يرتاح إليهم. لا يحدث ذلك عادة بقرار معلن، بل يبدأ بهدوء؛ إدارة تخضع لعمليات تدقيق متكررة، بينما تبقى إدارات أخرى بعيدة عن خططه، وملاحظة بسيطة تُضخّم هنا، في حين تمر ملاحظات أكبر هناك، وملفات قديمة تُفتح فجأة، وأسئلة توحي بأن الحكم قد صدر قبل بدء التدقيق. عندها لا تعود المشكلة في وجوده، بل في اختيار مَن يُدقَّق عليه، ومتى، ولماذا، وكيف تُفسر الوقائع وتُعرض النتائج. يحتاج الرئيس التنفيذي إلى تدقيق داخلي قوي؛ لأنه يساعده على رؤية ما قد لا يصل إليه عبر التقارير الإدارية. لكنه لا ينبغي أن يمتلك سلطة توجيهه نحو أشخاص بعينهم، أو إبعاده عن آخرين، أو التأثير في صياغة ملاحظاته. فعندما يختار مَن يخضع للتدقيق، ويتابع تفاصيله، ثم يستخدم نتائجه في قراراته تجاه الموظفين، تختلط الإدارة بالرقابة، وتضيع المسافة التي تمنح التدقيق صدقيته. وقد لا يحتاج الرئيس التنفيذي إلى إصدار توجيه صريح؛ فمدير التدقيق قد يقرأ ميوله، ويدرك مَن ينسجم معهم ومَن لا يرتاح إلى آرائهم، ثم يوجه التدقيق نحو الطرف غير المرغوب فيه، وينتقي من الوقائع ما ينسجم مع توجه الرئيس، أملاً في كسب ثقته وتعزيز موقعه. وهنا لا يعود مدير التدقيق خاضعاً للتأثير فحسب، بل يصبح شريكاً في صناعة الصورة التي يرغب الرئيس التنفيذي في رؤيتها. وكلما قدّم تقريراً يضعف شخصاً لا يرتاح إليه الرئيس، ازداد قرباً ونفوذاً، حتى تصبح قوته مستمدة من رضا الرئيس، لا من استقلاله المهني أو ثقة لجنة التدقيق. وقد يبدأ بقياس أهميته بقدرته على العثور على الملاحظات التي يريدها الرئيس التنفيذي، لا بقدرته على تقديم الحقيقة المتوازنة، فتختلط المصلحة الشخصية بالمسؤولية المهنية، ويصبح التدقيق وسيلة يستخدمها مدير التدقيق لتعزيز موقعه وإثبات ولائه. فأخطر مدير للتدقيق ليس مَن يستجيب للضغط فقط، بل مَن يسبقه، ويتوقع رغبة صاحب السلطة، ثم يستخدم صلاحياته لتحقيقها. ويكفي أن يعرف الموظف أن اختلافه مع الرئيس التنفيذي قد يعقبه تدقيق مفاجئ، أو فتح ملفات قديمة، أو تضخيم هفوة صغيرة، حتى يفهم الرسالة من دون أن ينطق بها أحد: الصمت أكثر أماناً من إبداء الرأي، والموافقة أقل كلفة من الاعتراض. ولا يتوقف الخطر عند اختيار مَن يخضع للتدقيق، بل يمتد إلى قراءة الوقائع وعرضها. فالمعلومة الواحدة قد تُكتب بوصفها ملاحظة إجرائية قابلة للتصحيح، وقد تظهر، إذا أُخرجت من سياقها، كمخالفة جسيمة. وربما يُهمَل ما يبرر القرار، أو تُقتطع مراسلة من سياقها، أو تُستخدم عبارات لا تتناسب مع حجم الملاحظة، فيبدو الخطأ البسيط كأنه تقصير متعمد. وهنا يصبح التقرير أداة لصناعة الانطباع، لا لكشف الحقيقة. فليس ضرورياً أن يتضمن معلومة كاذبة حتى يكون ظالماً؛ قد تكون وقائعه صحيحة، لكن ترتيبها، وانتقاء بعضها وإهمال الآخر، والمبالغة في تفسيرها، قد تصنع صورة مختلفة عن الواقع. فالحقيقة لا تُشوَّه بالكذب وحده، بل عندما يُقال جزء منها ويُحجب ما يفسرها. ومن أخطر صور ذلك استخدام لغة غير متوازنة؛ فيُوصف الخطأ غير المقصود بأنه «تجاوز»، والاجتهاد الإداري بأنه «مخالفة»، والاختلاف في التقدير بأنه «عدم تعاون». ثم تتحول الملاحظة الصغيرة إلى قضية تمس كفاءة الموظف ونزاهته وسمعته المهنية. ولا يقع الضرر على الموظف المستهدف وحده، بل يمتد إلى المؤسسة. فعندما يرى الموظفون زميلاً كفؤاً تُفتح ملفاته لأنه اختلف مع الرئيس التنفيذي، يتعلمون أن السلامة ليست في الالتزام بالنظام، بل في تجنب الاختلاف. ويصبح الولاء للشخص أهم من الولاء للمؤسسة، وتختفي المبادرة، وتصمت أصوات كان يمكن أن تنبه إلى أخطاء حقيقية. وهنا تظهر مسؤولية المدقق الداخلي. فالمهنية لا تعني تنفيذ كل ما يُطلب منه بلا سؤال. عليه أن يسأل: هل تستند المهمة إلى تقييم موضوعي للمخاطر؟ هل تُطبق المعايير نفسها على الجميع؟ هل نحاول اكتشاف الحقيقة، أم نبحث عن أدلة تؤيد حكماً اتُّخذ مسبقاً؟ إن استقلال المدقق يُختبر عندما يستطيع القول إن الوقائع لا تبرر الاستهداف، أو إن الخلل مؤسسي ولا يتحمله شخص واحد. والتدقيق العادل لا يبحث عما يدين الموظف، بل عما يفسر الواقعة كاملة. يستمع إلى جميع الأطراف، ويفرق بين الخطأ الفردي والخلل المؤسسي، وبين سوء النية وضعف الإجراء، ويوازن بين الملاحظة وأثرها. فالتقرير المهني لا يضخّم ليرضي مَن طلب التدقيق، ولا يخفف لحماية صاحب النفوذ؛ بل يضع الحقيقة كما هي، لا أكبر ولا أصغر. لكن مطالبة المدقق بالشجاعة لا تكفي؛ فالشجاعة الفردية تحتاج إلى نظام يحميها. ومن الصعب أن يكون المدقق مستقلاً إذا كان الرئيس التنفيذي يستطيع التأثير في تعيينه وتقييمه ومكافآته وميزانيته ومستقبله. ولهذا لا تكون الاستقلالية شعاراً، بل ترتيبات واضحة تجعل الارتباط الوظيفي لمدير التدقيق الداخلي بلجنة التدقيق المنبثقة عن مجلس الإدارة. فهي التي تعتمد ميثاقه وخطته وموارده، وتتابع أداءه، وتحمي وصوله إلى المجلس، وتلتقي به بعيداً عن الإدارة التنفيذية. ولا يعني ذلك عزل التدقيق عن الرئيس التنفيذي؛ فالتعاون بينهما ضروري، لكن التعاون شيء والتبعية شيء آخر. للرئيس التنفيذي أن يطلب فحص خطر أو ملاحظة، لكن لا ينبغي له تحديد النتيجة، أو تقييد نطاق التدقيق، أو منع وصول التقرير إلى لجنة التدقيق، أو تحويله إلى أداة لمعاقبة مَن يختلفون معه. كما يجب ألا تبدأ خطط التدقيق بالأسماء، بل بالمخاطر، وأن تكون هناك معايير واضحة لاختيار مهامه، وحق عادل للجهة الخاضعة له في تقديم ردها وأدلتها، ومراجعة مستقلة لجودة عمله. فمَن يراجع الآخرين يجب أن يكون مستعداً لأن تُراجع منهجيته وأحكامه أيضاً. إن التدقيق القوي قد يكشف أخطاء مؤلمة، لكنه يفعل ذلك بعدالة. أما استخدامه لتخويف الموظفين، فقد ينجح في إسكات الأصوات، لكنه يفشل في حماية المؤسسة. وربما يمنح الرئيس التنفيذي شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ومدير التدقيق نفوذاً مؤقتاً، لكنه يترك ثقافة خائفة وموظفين يتجنبون قول الحقيقة. التدقيق الداخلي لم يُنشأ ليكون سيفاً في يد الإدارة، ولا سلماً يصعد به مديره نحو مزيد من النفوذ، بل ضميراً مهنياً للمؤسسة. والضمير لا يختار مَن يحاسبه بناءً على القرب أو الخصومة، ولا يغيّر صوته بحسب قوة الأشخاص. فأخطر ما يصيب التدقيق ليس أن يفشل في اكتشاف الأخطاء، بل أن يتحول إلى أداة لتخويف الموظفين، ولَيِّ الحقائق، وتضخيم الهفوات، وإسكات الحقيقة.
10326
| 06 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
8337
| 03 سبتمبر 2026
اجتماعٌ لا يحتاج إلى رسائل تذكير، ولا دعوات رسمية، ولا بصمة حضور، ولا إذن انصراف. يأتي إليه المسلم مقبلًا بإرادته، يغتسل ويتطيب ويأتي ثم يجلس منصتًا لا يتحدث لأنه جاء ليستمع فقط. إنها صلاة الجمعة، ذلك الاجتماع الإيماني والاجتماعي والإنساني العظيم، وأحد أكبر التجمعات الأسبوعية المنتظمة في العالم. ولكن ماذا نقدم للمسلم في هذه الدقائق الثمينة؟ المسلم يأتي إلى الجمعة ليُذكَّر بدينه، ولكن أيضًا ليجد من ينير بصيرته، ويفهم واقعه، ويلامس همومه، ويحدثه عن أسرته وأبنائه ومجتمعه، وعن المتغيرات التي تحيط به، ثم يربط كل ذلك بالقرآن والسنة وقيم الإسلام. ولهذا فإن خطيب الجمعة ليس مجرد شخص يتحدث من فوق المنبر ويلقي خطابًا. نحن بحاجة إلى خطيب فصيح، متمكن، حاضر الذهن، حسن الإلقاء، سليم اللغة، يعرف كيف ينطق العربية ويستخدم مفرداتها، ويعرف المجتمع الذي يخاطبه وقضاياه وتحدياته. ومن هنا أقولها بكل وضوح: من غير المقبول أن نجد في بعض مساجدنا خطباء لا يتقنون اللغة العربية إتقانًا يليق بمنبر الجمعة، وتظهر في ألسنتهم أخطاء لغوية واضحة، أو تكون لغتهم وإلقاؤهم ضعيفين إلى درجة يفقد معها المنبر جانبًا كبيرًا من هيبته وتأثيره. وهنا يقع السؤال مباشرة على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية: كيف يُكلف خطيب للجمعة وهو غير متمكن من اللغة التي سيخاطب بها الناس أو لسانه أعجمي؟ المسألة هنا لا علاقة لها بجنسية الخطيب أو أصله، فالعلم والفضل والكفاءة لا تحمل جواز سفر، وكم من عالم غير عربي خدم العربية والإسلام خدمة عظيمة. ولكن عندما تكون المهمة خطابة، والأداة الأولى للخطيب هي اللغة فلا يمكن أن تصبح سلامة العربية وفصاحة اللسان أمرًا ثانويًا في الاختيار. نحن نتحدث عن جمهور عربي يستمع وينتظر كلمة واضحة مؤثرة. فكيف نقبل بخطيب يتعثر في العربية أو يخطئ فيها، بينما لدينا في قطر شباب قطريون متخصصون في الشريعة والعلوم الإسلامية واللغة العربية والجامعات تخرج كل سنة أعدادًا كبيرة!! ومنهم من حقق مراكز متقدمة في مسابقات القرآن والعلوم الشرعية والخطابة؟ هذه مفارقة تستحق من وزارة الأوقاف وقفة حقيقية. ومن حقنا أن نسأل: ما معايير اختيار خطباء الجمعة؟ أم أن امتلاك المعرفة الشرعية وحده يكفي للصعود إلى المنبر؟ فليس كل صاحب علم خطيبًا، كما أن حفظ النص أو قراءته لا يصنع خطيبًا. الخطيب يحتاج إلى العلم نعم، ولكنه يحتاج كذلك إلى لغة سليمة، وصوت حاضر، وقدرة على الإقناع، وفهم للمجتمع، ومعرفة بما يشغل الناس. لأن الخطبة ليست امتحانًا في الحفظ، وإنما رسالة يراد لها أن تصل. ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تبذل جهودًا كبيرة ومقدرة في خدمة المساجد والدعوة، وهذا لا يمنع من نقد موضع الخلل، بل إن الحرص على هذه الجهود هو ما يدفعنا إلى السؤال: لماذا لا يكون هناك مشروع وطني واضح لاكتشاف وتأهيل الخطيب القطري وتحفيزه؟ لماذا لا نرى خريجي الشريعة والدراسات الإسلامية من شبابنا على جميع المنابر، ونؤهل أصحاب الأصوات واللغة والحضور منهم، ونفتح أمامهم المنابر، ونصنع جيلًا من الخطباء القطريين القادرين على مخاطبة مجتمعهم؟ ابن البلد يعرف مجتمعه، ويعيش تحولاته، ويفهم لغة شبابه، ويعرف القضايا التي تدخل بيوتنا وتؤثر في أسرنا، وإذا اجتمع لديه العلم الشرعي مع الفصاحة والموهبة والتأهيل، فإنه قادر على أن يجعل المنبر أقرب إلى الناس وأكثر تأثيرًا فيهم. لدينا كل يوم جمعة فرصة استثنائية لا تملكها كثير من المؤسسات: آلاف الناس يجلسون بإرادتهم ليستمعوا وفيهم المسؤول والمدير والوزير والمؤثر والقاضي والمعلم والعسكري والرياضي … إلخ. فلا يجوز أن نهدر هذه الفرصة بخطبة ضعيفة أو لغة مكسرة أو أداء لا يصل إلى القلوب. إن منبر الجمعة أكبر من أن يكون مجرد وظيفة تُسد بها حاجة مسجد، والخطابة أكبر من أن تكون قراءة ورقة لمدة دقائق. فإذا كنا نختار بعناية من يتحدث باسم مؤسسة أمام عشرات الأشخاص، أفلا يستحق أن نختار من يتحدث من فوق منبر الجمعة أمام آلاف المسلمين كل أسبوع أن يكون اختياره أكثر دقة؟ هذه مسؤولية، وهذه أمانة، والمنبر يستحق الأفضل.
2424
| 08 سبتمبر 2026