رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المفاوضات بين الفلسطينيين وممثلي الكيان الصهيوني لم تعد مجدية
" لم تعد المفاوضات بين الفلسطينيين وممثلي الكيان الصهيوني سواء فى شقها المباشر أو شقها غير المباشر مجدية " هذه الحقيقة التي بلورها الاجتماع الأخير للجنة مبادرة السلام العربية بالقاهرة خلال الأسبوع الماضي , صحيح أن هذه الحقيقة لم تكن غائبة عن صانع القرار العربي غير أن الجامعة العربية عبر اللجنة التي يرأسها الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية رأت - وفق تقديرات سياسية ربما نتجت عن مطالبات قد تأخذ فى بعض الأحيان شكل الضغوط وبالذات من قبل المبعوث الأمريكي للسلام جورج ميتشيل فى جولاته المكوكية بالمنطقة - أن تقدم الغطاء للموقف الفلسطينيي الذي ينزع إلى مواصلة الخيار السلمي فى استعادة حقوقه وفق محددات الشرعية الدولية ورؤية الدولتين التي تبنتها الولايات المتحدة بدعم دولي واضح أملا فى أن تتمكن إدارة الرئيس باراك أوباما من تغيير معادلات الموقف الصهيوني استنادا إلى الطروحات التي أعلنها فى خطابه الشهير أمام جامعة القاهرة وتعامل معها العرب بقدر كبير من الإبجابية
بيد أنه بعد هذا الوقت الطويل الذي خاض فيه الفلسطينيون المفاوضات بأشكالها المختلفة مباشرة وغير مباشرة وسرية وعلنية وفى عواصم ومدن متعددة ثبت أن الأمر لم يكن سوى إهدار أو مضيعة للوقت- حسب تعبير- عمرو موسى الإمين العام للجامعة العربية ونتج عن ذلك معضلة حقيقية تتمثل -وفق ما يؤكده الشيخ حمد بن جاسم - في أن الوسيط الأمريكي تخلى عن تعهداته للدول العربية والجانب الفلسطيني فيما يتعلق بإحلال السلام والتوصل إلى تسوية عادلة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي
وتحول دوره – أي الوسيط الأمريكي –إلى مجرد ناقل للرسائل والإعراب عن التمنيات دون أن يتبلور عن ذلك أي دفع جوهرى للعملية السلمية ، وهو ما يعكس بالبرغم من ثقة الجانب العربي في حسن نية الإدارة الأمريكية عجزها عن تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين .
ودفع ذلك كاتب هذه السطور إلى سؤال الشيخ حمد في المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده مع عمرو موسى بعد اجتماع لجنة مبادرة السلام مساء الأربعاء الماضي وإصدارها البيان الذي قرر وقف المفاوضات مع الكيان عن تفسيره لتراجع الموقف الأمريكي والذي أدى إلى تشدد حكومة إسرائيل تجاه الاستيطان فعلق بقوله : إننا لا نستغرب هذا الموقف من الوسيط الأمريكي وقد ذكرت في مناسبات سابقة أننا سنمضي في المسار السلمي رغم قناعتنا بإمكانية الفشل بسبب التعنت الإسرائيلي ، ومن جانبنا – العرب- كنا نتطلع إلى إقناع الإدارة الأمريكية برؤيتنا ولكنها للأسف اقتنعت بوجهة النظر الإسرائيلية ، بعد أن وثقنا في الطروحات التي قدمها الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ومبعوثه لدى المنطقة جورج ميتشيل .
ومن هنا فإنه لم يعد أمام الإدارة الأمريكية إلا خياران – الكلام للشيخ حمد بن جاسم هما : تحديد من هو المتقاعس والمخطيء أو إثبات إنها غير قادرة على فرض أي شيء على إسرائيل .
واللافت أن موقف الإدارة الأمريكية الأخير المتمثل في إعلان التخلي عن جهودها لإقناع إسرائيل بوقف أنشطة الاستيطان كان موضع انتقاد من قبل الشيخ حمد بن جاسم في كلمته التي افتتح بها الجلسة الافتتاحية لاجتماع لجنة مبادرة السلام فعوضا عن ذلك - كما يقول -أعلنت السيدة هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية في العاشر من ديسمبر الجاري نهجا جديدا دخلت بموجبه عملية السلام مرحلة جديدة يتمثل في طلب التعامل في المسائل الجوهرية للصراع مثل الحدود والأمن والمستوطنات والمياه واللاجئين والقدس ورأى أن ذلك يعني تجديد المفاوضات غير المباشرة رغم استمرار الاستيطان ومن دون مرجعيات منبها إلى أنه إزاء هذه التطورات يصعب على أي مواطن عربي أن يفهم كيف يمكن للولايات المتحدة أن تحدث تغييرا في الموقف الإسرائيلي في قضايا جوهرية على الرغم من أنها لم تنجح في إقناع إسرائيل أن توقف الاستيطان لفترة قصيرة ، وقال : إن الولايات المتحدة هي التي عليها أن تجيب على هذا السؤال المشروع .
غير أن الولايات المتحدة في اليوم التالي لاجتماع القاهرة - أي يوم الخميس الماضي - سارعت بتقديم الإجابة على هذا السؤال على نحو يتسق مع طبيعة تحالفها الاستراتيجى مع الدولة العبرية متجليا ذلك فى موافقة مجلس النواب الأمريكي على قرار يدين أي إعلان أو اعتراف أحادي الجانب بدولة فلسطينية، ورغم أن القرار الذي قدمه النائب الديمقراطي هاورد برمان-أي ينتمي لحزب الرئيس "أوباما"-حاول أن يتكىء على مقدمة إنشائية تبدو حيادية من حيث الشكل من خلال تأكيد “الدعم القوي” لحل تفاوضي من أجل “دولتين”، الأولى “إسرائيل” اليهودية - لاحظ مفردة اليهودية والتي تؤكد الانحياز لشروط نيتانياهو- والثانية قابلة للاستمرار هي الدولة الديمقراطية الفلسطينية إلا أنه يؤكد “مجدداً اعتراض مجلس النواب الشديد على أي محاولة لإقامة أو السعي إلى الاعتراف بدولة فلسطينية خارج إطار اتفاق تفاوضي بين “إسرائيل” والفلسطينيين” . ويحمل الجانب الفلسطيني وحده مسؤولية الفشل، ويحث القادة الفلسطينيين على “وقف كل الجهود لعرقلة عملية التفاوض”، ويدعو الحكومات الأجنبية إلى “عدم منح اعتراف” بدولة فلسطينية .
ويشكل هذا القرار ضربة استباقية قوية - وفق نظرية الرئيس الأمريكي السابق جورح بوش - للخيار الذي أقرته لجنة مبادرة السلام العربية فى اجتماعها الأخير بالتوجه إلى مجلس الأمن الدولي والذي بدأ السفراء العرب لدى الأمم المتحدة التحرك بشأن الدعوة لعقده في أقرب فرصة فقد بات واضحا أن الفيتو الأمريكي فى انتظار أي قرار يمكن أن يتبناه المجلس بهذا الخصوص لاسيما أن الدول الأوروبية ليست فى وضعية تؤهلها للموافقة على الاعتراف بدولة فلسطينية معلنة من جانب واحد
وخطورة هذا القرار تكمن-وفق رؤية السفير محمد صبيح الأمين العام المساعد لدى جامعة الدول العربية لشؤون فلسطين والأراضي العربية المحتلة- فى أنه يحاول أن يسد منافذ الشرعية الدولية أمام الشعب الفلسطيني بعد أن قام بنيامين نتناياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي بسد منافذ السلام فضلا عن ذلك فإنه يعتدي على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وأن يكون له دولة مستقلة ذات سيادة على أرضه وأن تتحقق له العدالة المفقودة منذ مايزيد على 62 عاما ، كما يعتدي أيضا على القانون الدولي والقرارات الدولية العديدة التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في وطن وفي دولة مستقلة بدءا من القرار 181 لعام 1947 ( قرار التقسيم) إلى القرارين رقم 1515 ، و1535 اللذين يؤكدان حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.
السطر الأخير :
أمكث فى البرية أعبر البحار أقبض على جمر الأشياء
تسافر القصائد مني تتهالك المفردات
أغرق في صراخ الصمت المدوي
صار الوجود عدما والعدم رمادا والرماد جثثا محترقة
وجه المدينة مغزول بالغبار
تدهشني فيها خيول قادمة من حقول يابسة
أمتطي حزني
أسافر إليك أيا سيدة الكتابة
أسألك الإقامة بعيني
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
مع كل ارتفاع جديد في أسعار الذهب، يتكرر المشهد نفسه. تبدأ التوقعات بمزيد من الصعود، وتنتشر النصائح بضرورة الشراء قبل فوات الأوان، ويشعر كثير من الناس بأنهم قد يفوتون فرصة استثمارية كبيرة إذا لم يدخلوا السوق سريعاً. لكن ما أن يتراجع الذهب بشكل مفاجئ حتى يبدأ سؤال آخر بالظهور: هل كان قرار الشراء صحيحاً من الأساس؟ الحقيقة أن الذهب من أكثر الأصول الاستثمارية التي يساء فهمها. فالبعض ينظر إليه على أنه استثمار مضمون، بينما يراه آخرون مجرد معدن لا يحقق أي عائد. وبين هذين الرأيين تقع الحقيقة. فالذهب ليس استثماراً سيئاً، لكنه ليس أيضاً الطريق السريع إلى الثراء. لفهم الموضوع بشكل أفضل، علينا أولاً أن نسأل: ما الذي نريده من الاستثمار؟ إذا كان الهدف هو تحقيق دخل دوري منتظم، فإن الذهب ليس الخيار المناسب. فهو لا يوزع أرباحاً مثل الأسهم، ولا يدفع فوائد مثل السندات، ولا يدر إيجارات مثل العقارات. أما إذا كان الهدف هو حماية جزء من الثروة في أوقات الأزمات وعدم اليقين، فإن الذهب يمتلك سجلاً تاريخياً طويلاً يجعله أحد أهم الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون حول العالم. ولهذا السبب تحتفظ البنوك المركزية بآلاف الأطنان من الذهب رغم امتلاكها خيارات استثمارية أخرى قد تحقق عوائد أعلى. وقد يتساءل البعض: إذا كانت الأسهم والعقارات والسندات قادرة على تحقيق عوائد أعلى، فلماذا تواصل البنوك المركزية حول العالم شراء الذهب؟ الجواب أن البنوك المركزية لا تبحث دائماً عن أعلى عائد، بل تبحث عن أعلى درجات الأمان والاستقرار. فالذهب لا يعتمد على ملاءة حكومة معينة، ولا على أداء شركة محددة، ولا يمكن طباعته كما تطبع العملات الورقية. ولهذا ينظر إليه باعتباره أحد الأصول الاحتياطية التي تساعد الدول على تنويع احتياطاتها وتقليل اعتمادها على العملات الأجنبية. وخلال السنوات الأخيرة زادت العديد من البنوك المركزية حول العالم مشترياتها من الذهب، في خطوة تعكس استمرار الثقة في دوره كأداة لحفظ القيمة على المدى الطويل، حتى في عصر تتعدد فيه الخيارات الاستثمارية وتتنوع الأدوات المالية. ومن هنا يمكن تلخيص وظيفة الذهب في عبارة واحدة: الذهب يحمي الثروة أكثر مما يصنعها. وقد عبّر المستثمر الأمريكي الشهير وارن بافيت عن هذه الفكرة بطريقة مختلفة عندما انتقد الاستثمار في الذهب، معتبراً أن الأصول المنتجة مثل الشركات والمشاريع هي القادرة على بناء الثروة الحقيقية لأنها تحقق أرباحاً وتتوسع مع مرور الوقت. في المقابل، يرى المستثمر المعروف راي داليو أن الذهب جزء مهم من أي محفظة استثمارية متوازنة، ليس لأنه يحقق أعلى العوائد، بل لأنه يساعد على تخفيف المخاطر عندما تتعرض الأسواق لصدمات مفاجئة. فالأسهم والعقارات والسندات صممت أساساً لتحقيق النمو والدخل، بينما يؤدي الذهب دور الحماية والتوازن داخل المحفظة الاستثمارية. ولعل المثال التالي يوضح الصورة بشكل أفضل. لو أن مستثمراً وضع 100 ألف ريال في الذهب قبل عشرين عاماً، فمن المرجح أنه كان سيحقق مكاسب جيدة مع ارتفاع أسعار الذهب على المدى الطويل. لكن لو استثمر المبلغ نفسه في أسهم شركات قوية أو في صندوق يتبع الأسواق العالمية وأعاد استثمار الأرباح الموزعة، لكانت النتيجة في كثير من الفترات التاريخية أفضل من الذهب. أما لو استثمر المبلغ في سندات ذات جودة ائتمانية مرتفعة، فربما كانت الأرباح أقل من الأسهم، لكنه كان سيحصل على دخل دوري منتظم طوال فترة الاستثمار. وفي العقار المؤجر، لا يعتمد المستثمر فقط على ارتفاع قيمة الأصل، بل يستفيد أيضاً من الدخل الإيجاري المستمر. وتشير البيانات التاريخية إلى أن الذهب حقق أداءً قوياً خلال العقدين الماضيين، مستفيداً من الأزمات المالية العالمية وارتفاع معدلات التضخم وزيادة مشتريات البنوك المركزية. لكن الدراسات الاستثمارية طويلة الأجل تظهر أيضاً أن الأسهم العالمية تفوقت على الذهب في كثير من الفترات الزمنية عند احتساب الأرباح المعاد استثمارها، وهو ما يؤكد أن الذهب أداة مهمة لحماية الثروة وتنويع المخاطر، لكنه ليس بالضرورة الأداة الأفضل لتحقيق أعلى العوائد. ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض المستثمرين شراء الذهب بعد موجات الارتفاع الكبيرة بدافع الخوف من ضياع الفرصة، أو وضع نسبة كبيرة من ثرواتهم في أصل واحد، أو اتخاذ قراراتهم بناءً على الأخبار اليومية بدلاً من خطة استثمارية واضحة. ويبقى السؤال الأهم: كم يجب أن أخصص للذهب من أموالي؟ لا توجد نسبة مثالية تناسب الجميع، لكن كثيراً من مديري الأصول العالميين يرون أن تخصيص ما بين 5 % و15 % من المحفظة الاستثمارية للذهب قد يكون كافياً لتحقيق التنويع والحماية دون المبالغة في الاعتماد عليه. وفي النهاية، لا ينبغي النظر إلى الذهب باعتباره منافساً للأسهم أو العقارات أو السندات، بل باعتباره مكملاً لها. فالذهب يشبه حزام الأمان في السيارة. لا أحد يشتري السيارة من أجل حزام الأمان، لكنه يشعر براحة أكبر عندما يكون موجوداً. فالذهب كان وسيبقى جزءاً مهماً من النظام المالي العالمي، لكنه ليس وصفة سحرية للثراء. المستثمر الناجح لا يسأل فقط: إلى أين سيتجه سعر الذهب؟ بل يسأل أيضاً: ما الدور الذي يجب أن يؤديه الذهب داخل ثروتي؟ وعندما يعرف الإجابة عن هذا السؤال، يصبح الذهب أداة استثمارية مفيدة بدلاً من أن يتحول إلى رهان عاطفي على حركة الأسعار.
31347
| 20 يونيو 2026
سبعة عقود مضت أنفقت فيها الدول العربية مليارات الدولارات على السفارات والبعثات والوفود الرسمية والمؤتمرات الدولية من أجل التعريف بثقافتنا وقيمنا وحضارتنا. ومع هذه الجهود الكبيرة بقيت الصورة الذهنية للعرب والمسلمين في أجزاء واسعة من العالم أسيرةً لما تنتجه بعض وسائل الإعلام الغربية، التي كثيراً ما ربطت الشرق الأوسط بالنزاعات، وربطت الإسلام بالتشدد والإرهاب، وقدّمت الإنسان العربي في صورة لا تعكس حقيقته ولا تاريخه الحضاري العريق. فجاءت دولة قطر وفي أقل من شهر لتنجز ما عجزت عنه سبعون سنة من العمل التقليدي للدول العربية والإسلامية وجميع سفاراتها المنتشرة في كل رقعة من العالم. لذلك لم يكن كأس العالم FIFA قطر 2022 مجرد بطولة رياضية بل كان أكبر منصة حضارية وإنسانية عرفتها المنطقة العربية في تاريخها الحديث. فبينما كانت أنظار العالم تتجه إلى الملاعب كانت قطر تقدّم للعالم شيئاً أكبر من كرة القدم، كانت تقدّم الإنسان العربي كما هو دون تزييف وتعرض الثقافة العربية في صورتها الحقيقية، وتكشف الوجه المشرق للإسلام القائم على قيم التسامح والتعايش واحترام الإنسان. لقد أدركت قطر منذ البداية أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الأهداف المسجلة داخل المستطيل الأخضر، بل بالصور النمطية التي يمكن تحطيمها خارج مدرجات الملاعب. ولهذا لم يكن الاستثمار القطري موجهاً نحو تنظيم بطولة ناجحة فحسب بل نحو ترسيخ إرث حضاري وإنساني طويل الأمد يغيّر نظرة العالم إلى المنطقة بأكملها. ولعل ما يبرهن على ذلك أن ملايين الزوار الذين توافدوا إلى الدوحة خلال أسابيع قليلة شاهدوا بأعينهم ما لم تستطع عشرات المؤتمرات والندوات والفعاليات الثقافية أن تنقله خلال سنوات طويلة. فقد تعرفوا على العادات العربية الأصيلة، وعاشوا تجربة الضيافة الخليجية عن قرب واستمع كثير منهم إلى الأذان للمرة الأولى واكتشفوا مجتمعاً آمناً وديناً يحترم التنوع والتعايش. وفي الوقت الذي تسعى فيه كثير من الدول المستضيفة لتحقيق أكبر قدر ممكن من العوائد المالية المباشرة اختارت قطر طريقاً مختلفاً. فقد استثمرت في جودة التجربة الإنسانية، وفي راحة الزوار وفي تقديم نموذج ثقافي وحضاري يظل عالقاً في الذاكرة سنوات طويلة بعد إسدال الستار على البطولة. وكانت الرسالة واضحة، الربح المالي يمكن تحقيقه في أي مشروع، أما بناء السمعة الدولية وصناعة الانطباع الإيجابي لدى شعوب العالم فهي فرصة نادرة لا تتكرر كثيراً. ولهذا خرج ملايين الزوار من قطر وهم يحملون انطباعات تختلف تماماً عما كانوا يتصورونه قبل وصولهم، وتحول كثير منهم إلى سفراء لنا ينقلون تجربتهم الشخصية إلى مجتمعاتهم، وهنا كانت القوة الحقيقية للبطولة فشهادة من عاش التجربة أقوى أثراً من آلاف البيانات والحملات الإعلامية. ولعل الأهم من ذلك أن قطر لم تكن تمثل نفسها فقط، فعندما كان المشجع الأجنبي يتجول في سوق واقف أو يشاهد العائلات العربية في المدرجات فإنه لم يكن يتعرف على قطر وحدها بل كان يتعرف على العرب والمسلمين جميعاً، ولهذا شعر الملايين من أبناء المنطقة بأن قطر كانت وجههم المشرق أمام العالم وسفيرهم الذي تحدث بلغتهم وثقافتهم وقيمهم. واليوم ومع انطلاق كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ستظل تجربة قطر حاضرة في الذاكرة العالمية، فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الملاعب أو حجم المدن المستضيفة بل في القدرة على صناعة تجربة إنسانية تترك أثراً يتجاوز حدود الرياضة، وهذا بالضبط ما نجحت فيه قطر عندما حولت بطولة رياضية إلى حدث ثقافي وحضاري وإنساني عالمي. لقد أنفقت قطر المليارات نعم، لكنها لم تكن تشتري بطولة بل كانت تبني سمعة وترسخ إرثاً، لم تكن تبحث عن شهرة مؤقتة بل كانت تثبت رصيداً معنوياً واستراتيجياً للعقود القادمة، واليوم يمكن القول إن المكسب الأكبر لم يكن كأس العالم ذاته، بل الصورة الجديدة التي ترسخت في أذهان الملايين عن العرب والإسلام والشرق الأوسط. وهذا ربح لا يُقاس بالأرقام ولا يُسجل في الميزانيات لكنه سيبقى واحداً من أعظم الإنجازات التي حققتها دولة قطر في تاريخها الحديث.
18195
| 16 يونيو 2026
عندما يتعرض أي منتخب لخسارة قاسية، يكون من السهل توجيه أصابع الاتهام إلى اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، لكن ما حدث للعنابي أمام كندا يستوجب قراءة أكثر إنصافاً وواقعية. فاللاعبون أنفسهم الذين خرجوا بنتيجة إيجابية أمام سويسرا في الجولة الأولى لا يمكن أن يفقدوا قدراتهم بين ليلة وضحاها. ما تغير لم يكن مستوى اللاعبين بقدر ما كان غياب الرؤية الفنية الواضحة وسوء إدارة المباراة، وهي أمور يتحمل مسؤوليتها المدرب قبل أي طرف آخر. المشكلة الحقيقية لم تكن في الأسماء الموجودة داخل المستطيل الأخضر، بل في الطريقة التي أُديرت بها المباراة منذ بدايتها وحتى صافرة النهاية. وهنا تبرز مسؤولية المدرب الذي يتحمل النصيب الأكبر من هذه الخسارة الثقيلة، فالفريق ظهر من دون شخصية واضحة، ومن دون جاهزية ذهنية تسمح له بمواجهة الضغط أو العودة إلى أجواء اللقاء بعد استقبال الأهداف. كما بدا واضحاً أن العنابي لم يدخل المباراة بالحالة البدنية التي تمكنه من مجاراة نسق المنافس أو الحد من تفوقه. ولم تتوقف الأخطاء عند حدود الإعداد الذهني والبدني، بل امتدت إلى الجانب الفني. فالمدرب لم ينجح في استثمار قدرات لاعبيه بالشكل الصحيح، الأمر الذي أفقد الفريق الكثير من فاعليته، فظهر بعض اللاعبين بعيدين عن مستواهم المعتاد لأنهم لم يوظفوا فنياً في الأدوار التي تناسب إمكاناتهم. وكما نعلم فإن مباراة بهذا الحجم يصبح استغلال لاعب بحجم عفيف ضرورة وليس خياراً، وعندما يعجز المدرب عن توظيف أهم الأوراق الهجومية للفريق بالشكل الأمثل، فإن ذلك يعكس خللاً مباشراً في الرؤية الفنية قبل أي شيء آخر. الأكثر إحباطاً كان الإصرار على نهج دفاعي عقيم منح المنتخب الكندي أفضلية كاملة في الاستحواذ والسيطرة على مجريات اللعب، وبينما كان المنافس يهاجم بأريحية ويصنع الفرص تباعاً، اكتفى العنابي بالتراجع وانتظار ما سيحدث، وعندما بدأت النتيجة تتجه نحو سيناريو كارثي، لم نشاهد أي تدخل فني حقيقي يغير شكل المباراة أو يعيد التوازن إلى الفريق. صحيح أن طرد همام الأمين وعاصم مادبو شكّل ضربة مؤثرة وأربك حسابات الفريق، إلا أن اختزال النتيجة الكارثية للمباراة في حالتي طرد فقط لا يعكس الصورة الكاملة لما حدث، فالمنتخبات التي تمتلك هوية واضحة وشخصية قوية تستطيع التكيف مع النقص العددي وتقليل الأضرار، لكن العنابي بدا فاقداً للسيطرة والتنظيم حتى قبل حالات الطرد، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجاهزية الفنية والتكتيكية. المدرب لم يقرأ المباراة بالشكل المطلوب، ولم ينجح في إيجاد حلول أو إجراء تعديلات مؤثرة تحد من تفوق المنافس. التبديلات جاءت متأخرة ومن دون أثر واضح، والخطة بقيت كما هي رغم أن المباراة كانت تسير في اتجاه واحد. والأسوأ من ذلك أن المدرب لم يحرر اللاعبين القادرين على صناعة الفارق، بل وضعهم داخل أدوار حدّت من خطورتهم وأفقدت الفريق أحد أهم أسلحته الهجومية. كلمة أخيرة: تحيةٌ وتقديرٌ واحترامٌ لجماهير منتخبنا التي بقيت في المدرجات بروحٍ وطنيةٍ عاليةٍ رغم الخسارة الثقيلة.
4140
| 21 يونيو 2026