رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من اليسير إيجاد علاقات سببية بين الفشل "الحالي" لثورات الربيع العربي وبين الازدهار الواضح للجماعات الراديكالية التي تؤمن بالعنف كسبيل وحيد للتغيير السياسي. فمع فشل تجارب التغيير المجتمعي السلمي كان طبيعيا أن تتهيأ التربة لنمو هذه الجماعات، خاصة أن ثمة قناعة سارية بين الكثير من المنتمين إليها، مفادها أن سبيل العمل السياسي بات منغلقا أمامهم.
غير أن ازدهار هذه الجماعات ربما يشير إلى إشكالية أكبر تتصل بالعلاقة بين الدولة (في عالمنا العربي) والدين، فدولة ما بعد الاستقلال ولدت كمشروع سياسي علماني غير منفتح على الدين ولا على من يعتنقونه كبرنامج للتغيير السياسي، ولعل هذا هو السبب أن محاولات الانقلاب على الربيع العربي تضمنت أطيافا متنوعة (نخبا عسكرية وليبرالية ويسارية وعناصر من الأنظمة القديمة، بل وكثير من النخب الثورية)، ممن لم يجمعها سوى القلق من صعود المشروع الديني.
فيما يخص الحالة المصرية كان هذا "القلق" هو المضمون الأساسي لكثير من التصريحات التي نطق بها كثير من المسؤولين عن انقلاب الـ3 من يوليو. فوزير الدفاع (رئيس الدولة الحالي) الذي نفذ الانقلاب أعلن صراحة رفضه الأيديولوجية الإسلامية، وبرر انقلابه على الرئيس المنتخب وجماعته، بكونهم يحملون ولاء لفكرة الخلافة. أما وزير خارجية الانقلاب (نبيل فهمي) فصرح بأن رفض الرئيس السابق لم يكن متعلقا بأدائه، وإنما برغبته أن يعطي مصر وجها إسلاميا، أما رئيس الوزراء الحالي فقد صرح أمام غرفة التجارة الأمريكية، أن الانقلاب لم يقم إلا لإنقاذ الشخصية المصرية ممن حاولوا تغيير هوية البلد ووضعها في قفص حديدي (ويقصد به الأيديولوجية الإسلامية).
من ناحية أخرى أسهم الخطاب العلماني منذ اليوم الأول لنجاح الثورة في تأكيد هذه الحالة الصدامية عبر طرح العلاقة بين الدين والدولة على شكل مباراة صفرية، فإما أن تُخضع الدولة الدين على نحو كامل، وإما أن تواجه الدولة "خطر" الأسلمة.
ويمكن تلخيص مضمون هذا الخطاب في المقولات التالية:
* أن التحرر السياسي في جوهره هو تحرر من الدين، وأن الرابطة الدينية هي أول الروابط التي تهدد وجود الدولة، وأنها من ثَمَّ أولى الروابط بالحل، فالدولة يمكنها أن تتسامح مع الروابط التقليدية، القبلية اللغوية، العرقية، ولكنها يجب أن تظهر حسما خاصا إزاء الرابطة الدينية.
* أن الدولة لا تحتاج إلى الدين من أجل اكتمالها السياسي، فبإمكان الدولة أن تحقق للفرد تحرره الكامل، فضلاً عن أن تمده بكل ما يمكن للدين أن يمده به عن طريق الأساس الإنساني الذي هو متحقق فيها دون اعتناقها لدين معين.
* أن التدين بالنسبة للدولة هو محاولة لإخفاء نقص، وأن الدولة التي تستخدم خطابا دينيا تصبح تدريجيا دولة نفاق، فهي تحتمي بالدين في مواجهة مواطنيها وتتخذ من الدين ستارا لتحقيق أهداف دنيوية بحتة.
* أن الانعتاق من سلطة الدين يكون بنقله من مجال الحق العام إلى مجال الحق الخاص، ليصبح مجرد علاقة شخصية بين الإنسان وربه وليس بين الفرد والدولة، وذلك بتفكيك الإنسان إلى شخص متدين في مجاله الخاص، ومواطن لا ديني في المجال العام.
* أن التطور السياسي يمكن أن يسمح للدين بأن يظل قائما ولكن فقط كشاهد على إحدى مراحل تطور العقل البشري والمجتمع الإنساني، مع التذكير المستمر بأن التدين يمثل انحرافا عن الأصل العام للتطور، أو هو نتوءا في التطور السياسي للدولة والتحرر السياسي للفرد.
* أن تحرر الدولة من الدين يتضمن أن يتخلى الفرد عن كل امتيازات اتباعه لهذا الدين، وذلك لكي يحظى بحقوق الإنسان العامة، والتي هي حقوق سياسية في قدر كبير منها، أي حقوق لا تمكن ممارستها إلا وسط الجماعة، وتحديدا وسط الجماعة السياسية، ولما كانت هذه جماعة متنوعة دينيا، لزم تحييد الدين قبل التمتع بهذه الحقوق.
* من المهم ألا يصبغ الدين الدولة بصبغته، وألا يمثل روحا للدولة، فالدولة بطبيعتها كيان موحد، أما الدين فهو ظاهرة قابلة للتشظي، ومن فوائد عزل الدين أنه يحمي وحدة الدولة من تشظي الدين.
هذه المقولات، والتي ترددت كثيرا منذ اللحظة الأولى لنجاح الثورات على ألسنة النخب العلمانية، هي اقتباسات مباشرة من مؤلف كارل ماركس الشهير "حول المسألة اليهودية"، وما طرحه ماركس على شكل أمنيات منذ أكثر من قرن ونصف القرن، وأخذ سبيله إلى التحقق فعليا في دول الغرب تلقفته النخب العلمانية عندنا كعقيدة فكرية وزايدت عليه. فقد ذهب العلمانيون العرب شوطا أبعد من ماركس الذي لم يطالب باستبعاد الدين، أو على الأقل اعترف بصعوبة ذلك، فيما طالب كثير من العلمانيين العرب، ليس فقط باستبعاد الدين، وإنما قبلوا التضحية بالتحرر السياسي والإجهاز على الربيع العربي مقابل وأد تجربة الإسلام السياسي في مهدها.
ما يمكن الخلوص إليه أن أطراف الطرح العلماني من النخب الفكرية والعسكريين ونخب المال مسؤولون، إلى حد كبير، عن ازدهار ظاهرة الجماعات الراديكالية، خاصة أنهم ساعدوا على حفز هذه الظاهرة بحديثهم عن "الإرهاب المحتمل"، ثم بجرأتهم غير المتناهية على سفك دماء وانتهاك حقوق المخالفين، وعدم السماح لهم إلا بوجود هامشي غير فاعل، ما أسس لحالة من الاغتراب التي أدت بكثير منهم إلى معاداة الدولة كمشروع سياسي واعتبارها خصما تتعين مكافحته بشتى الطرق.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
11715
| 22 أكتوبر 2026
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8685
| 27 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3723
| 22 أكتوبر 2026