رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أي وصف للأحداث التي تشهدها مصر، سيبعد عن الحقيقة إن لم يعش في كنفها، وبعين صادقة لا يحول دخان الحرائق دون أن ترى، وأذن تسمع وحوار يشارك وتحرر من عبودية النظرة المسبقة، أو الهوى على غير ما يتصارع في مصر.
للدم والبارود والغاز روائح لا تغادر الذاكرة، وللموت، فضلاً عن الرائحة، لون ثلجي يلهب الوجدان، وللأوطان لحظات هي عنوان الحقيقة.
حركة الوقائع فوق أرض مصر، الظاهرة للعيان كقمة جبل الثلج، هي محاولات مخاض يحمل ما يتجاوز مجرد الميلاد الجديد، هو مخاض الاسترداد، أمة تحرر إرادتها، وتحرر وطنها، وفوق ذلك كله تسترد دينها لتعود لها هويتها.
إن كان الإيمان ما وقر بالقلب وصدقه العمل، فاللحظة في مصر تحتاج هذه القيمة النبيلة.
وما يحدث فوق الأرض المصرية لن يحسم أمره خارجها، ولكن عندما تتحقق النتائج سيمتد أثرها إلى النظام العالمي الجديد بكل أطرافه.
كنت والأسرة على الطريق الصحراوي من القاهرة إلى الإسماعيلية منذ بضع سنوات، وظهر تكدس للسيارات على جانبي الطريق، ودخان يرتفع وباقترابنا تبين أن نارا اشتعلت في سيارة والجميع يجري إليها بطفايات الحريق، ونزلت لأفعل مثلهم، ولم ينتظر أحد وصولي بطفاية الحريق، بل جاء من حملها وجرى إلى السيارة التي تحترق، وألقيت نظرة داخل السيارة لأجد ثلاثتهم يبكون، أشحت بوجهي بعيدا عنهم مفسرا البكاء أنه سلاح في مواجهة العجز.
ولكن من وجد فرصة البكاء ليداوي إحساس العجز، لم يكن هو من يواجه المشكلة، بالإدراك، والقرار، والفعل.
ويوما سيدرس العالم وقائع ثورة المفاجآت المصرية والمستمرة 32 شهرا حتى اللحظة، عندها سيدرك الدارسون أن من المصريين من واجه المشكلة وعيا وإدراكا وقرارا وفعلا، وهناك من كان يذرف الدموع باكيا ليداوي العجز، فالأمر يتجاوز قدرة التعامل لديها أيضاً من الوعي إلى الفعل، وفي اللحظة سيرصد ضمن دراسته تبدل المواقف تحت عناوين لا تتسق ومصائر الأمم، وسيرصد من يتحدثون عن الذات بأنانية، وحاجة كرسي الحكم إليهم بينما النار تستعر في الوطن، فالوطن ــ مهما علا صراخهم ــ مجرد مساحيق تجميل على وجه مهرج.
ويومها رجال الإستراتيجية وإدارة الأزمات، كيف أن شعب مصر وجوهر هويته الندين، نجح أن يفصل بالسياسة والمواقف بين جوهر الدين والادعاء به للمخادعة، وكيف أن هذا الشعب الذي تصدى لاتهام الإسلام بأنه دين الإرهاب، وقف بكل مكوناته ليواجه الإرهاب فوق أرضه ويدفع الثمن من دماء أبنائه، وعلى الجانبين، فضحايا ضفتي المواجهة كلاهما ضحايا الإرهاب، أحدهم عندما جرت إعادة تكوين عقله متخذا من الانقلاب على أمته سبيلا أوهموه وأقنعوه أنه سبيل الله، والآخر ضحية استحلال الإرهاب لدم أبناء جلدته، بينما قدرته لا تتجاوز سوى إحداث خدوش في جدار الوطن.
كنت عائدا بسيارة تاكسي من وسط المدينة بعد ظهر الأحد الماضي لمنزلي، ولأن الطرق المباشرة لا يمكن توقع حالها ويقترب موعد حظر التجول، فيجب اتخاذ طرق خلفية متعددة، وكانت أزمة لدى غدد من المواطنين أن يجدوا ما يقلهم، ووجدنا شخصا في اتجاهنا فأخذناه معنا، كما كانت حال المصريين خلال زمن حرب 1973 حيث تقف السيارات الخاصة على محطات الترام أو الأتوبيس العام ليعلن سائقها متطوعا عن وجهته ويحمل معه من يستطيع، كان الحديث متصلا مع السائق الموظف بإحدى الشركات العامة حول الأحداث، ومنذ ألقيت سؤالي عليه وهو يتحدث معددا جملة الأحداث من قتل وحرق، وحاولت إشراك "أحمد" الراكب معنا وسألته كيف يرى المستقبل، فأجاب من دون تفكير: سنكون مثل العراق أو سوريا، فأبديت استغرابي من الإجابة ولكن بعد جملتين قلت له: هل هذه رؤيتكم كإخوان مسلمين، وصمت، فمن حديثه وتعليقه أدركت توجهه. انبرى السائق مهاجما الإخوان، فعدت أسأل أحمد ما رأيك فيما قال؟، فرد ببساطة: أنا لم أسمع حرفا مما قال، ومع استطراد السائق إلى وجوب القضاء عليهم، وهاجم أن مرسي خرج من السجن للحكم وهو لا يستحق لأنه متهم بالتجسس، خرج أحمد عن صمته، كيف تقول هذا عن أناس يحفظون كتاب الله، "اتسجنا علشان البلد وانتم كنتم عبيد عند النظام، انتم فرحانين بالعسكر، حيضربوكم بالجزمة وانتم اتعودتم علي كده".
وبدأ في كيل السباب إلى الشعب بألفاظ توحي أنه خرج عن أعصابه لينهي حديثه قائلا: "الجيش اللي سف التراب في 1967 عاملين رجاله علينا ومرسي جاء بالانتخاب"، وكان يجب إيقافه عند هذا الحد، وقلت له: ليس لدي رد عليك سوى أنك خسرت قضيتك بذاتك، فلنوقف الحديث، ولكن السائق لم يتحمل، وظل في حالة رد بكل صنوف القول والاستشهاد. لم أتركهما دون أن أوفق بينهما، ليعتذر كل منهما للآخر، فقد تكون هناك نتائج بعد نزولي تؤدي إلى ما لا نتمنى.
هذه القصة البسيطة تحمل دلالات خطيرة، نظرة التمييز على أساس أنهم حاملون للقرآن، ونظرة التحقير للشعب والجيش معا، ومنتهى رؤيته للمستقبل أن مصر ستؤول إلى حال الاقتتال كما يحدث في العراق وسوريا.
كنت أرجو أن يسمع هذا الحديث القائلون بأن المشكلة مع جماعة الإخوان هي مشكلة مع القيادات، فالحديث أثبت أن الرؤية التي يحملها المرشد العام وعناصر الدعوة إلى الدم، والتهجم على الجيش المصري، استقرت لدى أفراد الجماعة في قواعدها، وهو ما يعظم من الخطر.
لا يحمل هذا التقييم معنى الإعدام للأفراد، فهذا أمر لا يستطيعه أحد، فالجماعة ليست عرقا أو طائفة محددة خارج المجتمع، يمكن أن تقيم لها هلوكوست، إن كان هناك مجنونا يريد فعل هذا، ولكن أفرادها من كيان الأسر المصرية، والانجراف إلى هذه العقيدة هو مشكلة المستقبل، مشكلة إمكانية اندماجهم الطبيعي في نسيج المجتمع.
بل إن أصدقاء لنا كانت تجمعنا ظروف العمل الوطني والنقابي، تطولهم مشكلة إسهامهم في استدعاء لجماعات تحمل السلاح للقتل وبدم بارد، وبلغ الأمر حال معاتبة أحدهم كيف تقبل بما فعله أنصاركم، فيكون رده: لقد طلبوا منا عدم التدخل فيما يفعلون، هكذا لم تعد لديهم حرمة دم ولا شفاعة صداقة.
إن كان حل جماعة الإخوان أمرا يجد إجماعا شعبيا وهو ممكن بالقانون، ويمكن تقنين الأحزاب السياسية بما يفصل بينها وبين ادعاء القداسة باسم الدين، فهل هناك حل يمكن أن يكون بغير هذا القرار الإداري وبغير المطاردات الأمنية باقي عمر أعضائها وما يستجد عليهم من أفراد، لإعادة الأعضاء إلى إدراك أن الوطن هو القضية وليس الوطن "جفنة من التراب العفن" كما قال سيد قطب.
الحرب على الإرهاب في بداياتها، وكانت بعض التحليلات السياسية في أعقاب ثورة يناير تضع تخوفا أن تتحول مصر إلى جزائر أخرى، بينما يومها لم يكن الإرهاب قد تحول إلى ظاهرة مرئية للعيان.
والملاحظ أن المواجهة في القاهرة الكبرى تجد زخما شعبيا يمكنه أن يسهم في مواجهة الإرهاب، ولكن الخطر بدأ في مرسى مطروح وبلغ استخدام المتفجرات لقطع خط السكك الحديدية بينها وبين الإسكندرية.
من الخطأ اعتبار أن مواجهة الإرهاب مهمة الجيش والشرطة فقط، ولكنها بالأساس مهمة الجميع، والشعب في المقدمة، وإذا كان الإرهاب يحمل السلاح، فالشعب يملك الكتلة البشرية، ويمكنه أن يحول بين حركة الإرهاب والأرض، والمنازل، والعقل، ولن يمكن ذلك من دون قناعة بأن الشعب وهو مصدر الإرادة والسلطة هو كل واحد مع الجيش والشرطة.
نعم هناك ما يوجب الحساب على أداءات الفترة الماضية، ولكن اليقظة وعدم استبدال الخصومة رهن بوعي بمدى الخطر.
لم يعد مستساغا أن الشعب وراء الجيش والشرطة، بل الثلاثة معا في مهام متعددة داخل قوة مواجهة واحدة.
وكانت عبارة القائد العام للقوات المسلحة: "إن شرف حماية إرادة الشعب المصري أكثر عزا لنا من شرف حكم مصر"، تعبر عن استيعاب كنا نتساءل هل هو موجود أم لن يتكرر، أن يستخدم وزير الدفاع تعبير الإرادة الشعبية، هو تطور لاحق على التنفيذ، فأضاف إلى العمل عمقا فكريا وانتماء.
إن تعبير الإرادة الشعبية يفرض إدراك أن الشعب المصري قد قام في يناير 2011 بثورة لتغيير نظام الحكم الذي استوعب قائد عام القوات المسلحة أنه عندما يتعارض نظام والإرادة الشعبية والوطن يذهب النظام.
والنظام ليس حكومة أو رئيسا، ولكن النظام بناء شراكة كانت بين السلطة والمصالح أنتج فسادا، وتعاظم هذا الفساد تحت وطأة سياسة التمكين، ووجب تحقيق مطلب التطهير، ولا أقول سياسات المصالحات الرومانسية أو ما يلقب بالعدالة الانتقالية والاستتابة، فالمثل الشعبي يقول: "قالوا للحرامي احلف، قال جالك الفرج". التطهير ومواجهة الفساد والحقوق السياسية تحتاج إلى شرف الثورة وشرف العسكرية المصرية التي قلت بها، أما أن يعيش الشعب بكرامة وعزة وبكل إرادته، أو "نموت أحسن"، هو ذات شعار التحرير "النصر أو الشهادة.
أحد الأعباء التي تواجه الممارسة السياسية في مصر، هو حال النخبة والأحزاب، إنهم يمثلون الثقب الأسود في الحياة السياسية، الذي تلقف أي إنجاز ويحيله إلى سلم تحت عناوين كراسي الحكم دون رؤية إستراتيجية (كما تحدثت أنت عن ماهية إستراتيجية الجماعة، وطن أم سلطة)، إن الحاجة إلى دستور يجري إعداده لا يمكن أن يتم للمستقبل داخل ثلاجة حفظ الموتى، إن حيوية الدستور تتحقق من خلال رؤية للمستقبل وليس مراهقة دينية أو سياسية حول نص المادة الثانية.
الأخطار التي يمثلها الإرهاب مادية يمكن أن تكون نتيجتها قتلا أو حرقا أو قلقلة للنظام، ولكن الأخطار التي يمثلها غياب الكادر المعبر عن الثورة سواء لحداثة السن أو للانتماء بالنفاق، أو بالارتكان إلى أداءات سابقة على الثورة، هو إهدار لمعركة القضاء على الإرهاب واسترداد الوطن.
مصر بدأت مسيرة المستقبل بحرب الوجود ومعركة البناء وتحرير الوطن من الفساد، وهذا كله يحتاج أيضاً شرف الثوار وشرف العسكرية المصرية، الأحمال ثقيلة، ولكن الإرادة تستطيع إن هي أطلقت من عقالها.
الرئاسة .. طموح ورغبة أم مسؤولية؟
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري... اقرأ المزيد
883
| 14 يناير 2014
تخوُّف مشروع لصديق... من يدير؟
كتب الصديق إلهامي الميرغني، وهو باحث في شؤون النقابات وتاريخها، منبها لتسلل عناصر الفساد قبل يناير إلى المشهد... اقرأ المزيد
637
| 07 يناير 2014
الشعب يواجه الإقطاع السياسي
ردد الجميع تعبير أن الدستور عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء الوطن وقواه الاجتماعية، وعندما واتتهم الفرصة اتخذوا منه... اقرأ المزيد
540
| 10 ديسمبر 2013
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
37881
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7089
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5358
| 13 سبتمبر 2026