رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

Dr.hamad_55hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

111

د. حمد بن عبدالرحمن بن حمد آل ثاني

القيم المفقودة.. حين يتغير المجتمع وتبقى الأسئلة

20 مايو 2026 , 11:35م

لا يختلف اثنان على أن الإنسان يولد في بيئة تشكّل وعيه الأول، وتغرس فيه منظومة من القيم والمبادئ التي تصبح لاحقًا مرجعيته في فهم الحياة والتعامل مع الآخرين. وهذه القيم لا تنشأ من فراغ، بل تُبنى عبر الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، وتتجذر في الوجدان منذ سنوات الطفولة الأولى. وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية، كانت هذه القيم مستمدة في جوهرها من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، الذي وضع للإنسان إطارًا أخلاقيًا متكاملًا يضبط سلوكه، ويهذب علاقاته، ويصون المجتمع من التفكك والانحراف.

لقد شكّلت القيم الإسلامية عبر عقود طويلة السياج الحامي لمجتمعاتنا، فكانت الأمانة خلقًا أصيلًا، والصدق سمةً متوقعة، والاحترام قاعدةً في التعامل، والتكافل قيمةً لا تحتاج إلى تنظير أو تذكير. وكان الفرد ينشأ وهو يدرك حدوده وواجباته تجاه أسرته ومجتمعه، ويعلم أن سمعته وسلوكه جزء من صورة الجماعة التي ينتمي إليها.

غير أن التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة، وعلى رأسها التحول الاقتصادي والاجتماعي الناتج عن اكتشاف النفط وما تبعه من طفرة تنموية متسارعة، أحدثت تغيرات عميقة في أنماط الحياة والبنية الاجتماعية. ولا يمكن إنكار ما حملته هذه الطفرة من تقدم مادي وتنموي انعكس على مستوى المعيشة والبنية التحتية والتعليم والخدمات، إلا أن أي تحول سريع غالبًا ما يصاحبه تغير ثقافي واجتماعي قد يترك أثره على منظومة القيم إن لم يكن هناك وعي كافٍ وإدارة متوازنة لهذا التحول.

فقد انتقل المجتمع في فترة زمنية وجيزة من نمط بسيط ومتقارب في العلاقات والاحتياجات، إلى نمط أكثر تعقيدًا وانفتاحًا وتنافسًا. ومع الانفتاح الإعلامي والثقافي، وتعدد مصادر التأثير، بدأت منظومات فكرية وسلوكية جديدة تتسلل إلى المجتمع، بعضها إيجابي ومفيد، وبعضها الآخر يحمل تصورات تتعارض مع هوية المجتمع ومرتكزاته الأخلاقية.

والمشكلة لا تكمن في الانفتاح بحد ذاته، فالحضارات لا تتقدم بالانغلاق، وإنما في ضعف القدرة على التمييز بين ما ينبغي أخذه وما يجب الحذر منه. فحين يضعف الوعي، ويحدث فراغ قيمي أو تربوي، يصبح المجتمع أكثر قابلية لتلقي الأفكار والسلوكيات دون تمحيص أو نقد.

ومن هنا نشأت حالة من الاضطراب القيمي التي نلمس آثارها اليوم في كثير من الممارسات اليومية؛ حيث لم تعد بعض المبادئ التي كانت تُعد من المسلّمات تحظى بالمكانة ذاتها في النفوس. وأصبحنا نلاحظ تراجعًا في بعض مظاهر الاحترام، وضعفًا في الالتزام بالأمانة، وتراجعًا في قيمة الصدق والإخلاص في بعض البيئات والعلاقات.

لقد أصبح بعض الناس يتعاملون مع الحياة بمنطق نفعي بحت، فتغدو المصلحة الشخصية مقدمة على الاعتبارات الأخلاقية، ويُبرَّر السلوك الخاطئ ما دام يحقق مكسبًا أو منفعة. وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ لأن انهيار القيم لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بتطبيع الخطأ، ثم تبريره، ثم اعتياده، حتى يصبح جزءًا من المشهد اليومي.

فما معنى أن يتحول التعامل بين الناس من الثقة إلى الحذر؟

وما معنى أن يصبح الوفاء نادرًا، والصدق محل اختبار، والاحترام قيمة مشروطة لا ثابتة؟

وأين ذهبت تلك الروح الاجتماعية التي كان فيها الكبير يحتضن الصغير، ويحترم الصغير الكبير، ويتداعى المجتمع عند الشدائد وكأنه جسد واحد؟

إن الحديث عن تراجع القيم ليس دعوة للتشاؤم، ولا تجنيًا على المجتمع، فمجتمعاتنا لا تزال عامرة بالخير، ومليئة بالنماذج المشرّفة من الرجال والنساء الذين يتمسكون بمبادئهم ويجسدون أفضل صور الأخلاق والإنسانية. لكن الاعتراف بوجود خلل هو الخطوة الأولى نحو معالجته، أما تجاهله فلن يوقف آثاره.

إن مسؤولية استعادة القيم مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، حين تعود التربية إلى موقعها الحقيقي بوصفها بناءً للشخصية لا مجرد توفير للاحتياجات. وتمر عبر المدرسة التي ينبغي أن تكون مؤسسة لصناعة الإنسان لا مجرد فضاء للتلقين الأكاديمي. وتمتد إلى الإعلام، والمؤسسات الثقافية، والخطاب العام، وكل من يملك قدرة على التأثير في وعي الأجيال.

كما أن استعادة القيم لا تعني العودة إلى الماضي بمعناه الجامد، وإنما تعني التمسك بالثوابت الأخلاقية مع القدرة على التفاعل الواعي مع متغيرات العصر. فالمجتمع القوي ليس ذلك الذي يرفض التغيير مطلقًا، بل الذي يملك مناعة داخلية تجعله ينتقي ما يناسبه دون أن يفقد هويته.

لقد علّمنا ديننا أن صلاح المجتمعات مرتبط بقدرتها على التناصح، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة. قال الله تعالى:

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ۝ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل فقدنا القيم؟ بل: كيف نعيد إحياءها في أنفسنا ومحيطنا؟

كيف نجعل الاحترام سلوكًا يوميًا لا شعارًا؟

وكيف نربي أبناءنا على الأمانة والصدق والإخلاص في زمن تتعدد فيه المؤثرات وتتشابك فيه الرسائل؟

إن القيم ليست ترفًا اجتماعيًا، بل هي العمود الفقري لأي مجتمع يريد البقاء متماسكًا وقادرًا على مواجهة التحديات. وحين تضعف القيم، يضعف معها البناء كله مهما بدا قويًا من الخارج.

اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا.

اقرأ المزيد

alsharq لماذا لا نرتقي؟!

أفكر كثيراً وأتساءل لماذا لا تتقدم الإدارات الحكومية والوزارات؟ لماذا لا تتطور؟ لماذا تقدمها بطيء جداً كمشية السلحفاة... اقرأ المزيد

78

| 21 مايو 2026

alsharq غير المغضوب عليهم

خاب ظن يهود يثرب بعد أن خرج نبي آخر الزمان عربياً من بني هاشم من نسل إسماعيل بن... اقرأ المزيد

201

| 21 مايو 2026

alsharq التنكيل بنشطاء أسطول الصمود العالمي

في ظل تصاعد الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، تواصل دولة قطر تأكيد موقفها الثابت والداعم لعدالة القضية... اقرأ المزيد

60

| 21 مايو 2026

مساحة إعلانية